ذلك الهدوء المُخيّم على الحركة في ساعات النهار الأولى، هو سر الليل النابض في رمضان، النهار الصامت باعث على التأمل والعبادة. إنها تقضي ساعات النهار الأولى في غرفتها، لا تغادرها إلا بعد صلاة الظهر متجهة إلى المطبخ، لاختيار قائمة طعام الإفطار، في الزاوية الخلفية المحاذية لجدار المطبخ الخارجي، تفترش وموقد الغاز الركن القريب، وعاء الدقيق، "المنخل" القديم والحركة الدائرية في القدر وأعلاه.. إنها العصيدة في طور الاستواء.
لم تحفظ يوماً مقدار السكر المضاف إلى ماء العصيدة، أو كمية الطحين المرشوش.. هي تُجيدها دون وصفة أو كتاب، تماماً كما اعتادت إتقانها، في كل مرة تقلق من سكر ناقص أو فائض.. وفي كل مرة.. ينتظر الأحبة صحن العصيدة بالشغف ذاته.. كأن تلك الحلوى معجونة بخلطة سرية، لا يجدي تناقلها، أو نسخها.
إنها وصفة بالحب والأمومة
بدت مستمتعة وهي تتحدث عن رمضان مدينتها مستعدة للخروج في إجازة سنوية، تروي تفاصيله بابتسامة تستحضر المشهد بالصوت والصورة، وكأنه شيء خاص، لا ينتمي لمدينتي الآخذة في الاتساع، "ما تتخيلين، كل شيء على حاله.. الناس لين الحين تتابع التلفزيون مع بعض، ولين الحين الشلق موجود، عند العيوز اللي تبيعه من يوم كنا صغار".. يبدو لم تعد الناس ودودة بالشكل الذي يقنعها بإمضاء رمضان هنا. كل ذلك وأكثر حاضر.. في ذاكرة ما زالت تتوق إلى مشاهد لا تغيب عنها الألفة والبهجة. بينما مدينتي، تتسع بصورة مذهلة، ينزع الداخل إلى محليته، ويحتفظ بمشاهده الشعبية النابضة، في ملعب كرة تدور عجلته مساءً، ومفطر يلم تحت سقفه الصبي و"الشايب" ، وصلاة تراويح تلتقي فيها الجارات بعد غياب.
أمونة تصوم للسنة الثانية، وتستمتع بخوض التجربة الجماعية، "باقي 7 ساعات عن الفطور".. إنها عبارة تستفتح بها أمونة يومها.. وتبدأ بعدها عداً تنازلياً. فتجارب الصغر تلك لا تزال محفورة في ذاكرة المرة الأولى، للصيام، ودخول المطبخ وتحضير الحلويات.. ولبس الجلابية عند كل صلاة تراويح.. بينما تنحسر خارج ذلك الإطار الرمضاني صور التلاحم والسرور.
التلفاز سيبقى الجهاز المفضل في رمضان، همُ يُحرك بوصلة التجمع العائلي، "اللي يبغي المسلسل في الصالة، واللي يتابع المسابقات في الحجرة، واللي ما يحب يتابع .. بيتابع غصباً عنه". وما يبثه من برامج ومسلسلات توغل في الإسفاف عاماً بعد عام.. حتى أصبحت دراما منتصف الليل هذا العام دراما الراقصات.. المخضرمات والصاعدات..
في يوم يبدأ بوصفة الحب.. ينتهي بدرس الرقص.. كل رمضان والأجيال بخير..
