بدأ النهار، إنها شمس الصيف، تزحف إلى كبد السماء باكراً، وتطبق على الأنفاس سريعاً، فلا داعي لانتظار "القايلة" للاختباء من ضربة الشمس، يمكنها التقاطك في الساعات الأولى من نهار اليوم، النوم حتى الساعات الأولى من الظهيرة خيار صحّي للأبناء، حتى يرتاح الوالدان، على الأقل تؤجل الحديث عن أي مشروع أو نية للسفر، وسط موجة من الإلحاح اليومي.

بعد العصر، يبدأ وجه آخر من هذا الفصل الصامت بالبزوغ، إنها الرطوبة تبلّل النوافذ الزجاجية للصالة، كما يفعل المطر تماماً وتحجب الرؤية، ولا أحد يجازف بالخروج، فالجميع يفضل معانقة هواء المكيّف، وتقليب قنوات التلفاز.. أو متابعة المباراة، والاستمتاع باللبن المثلج، في صيف اختلفت الروايات على موعد بدئه..

"أمي .. تخيّلي بس لو أحصل شنطة متروسه فلوس.. سيده بسافر وبخليكم".. "أقولك قوم سير صل وفكني من هالسالفة".. "والله نبا نسافر انتو ليش جيه ما تحسّون بنا ".. "ايلسوا خلق الله كلها يالسه .. وين أوديكم .. الدنيا معتفسه إلا حروب وأمراض.. الله يجيرنا "..

 

تلك مشاهد يومية، وروزنامة فصلية، ترويها البيئة المحلية كل صيف بذات الدهشة والغضب، من حرارة تصل إلى ٥٠ درجة مئوية، وكأن الصيف يطبق على الأنفاس للمرة الأولى، أو أن الرطوبة ضيف غريب على الأهالي.. وأن السفر هو الحل الوحيد.

تذكرت آخر العهد بالإجازة الصيفية خارج البلاد، انها رحلة إلى شبه القارة الهندية منتصف الثمانينات، وحكايات تختزلها صور فوتوغرافية عن مصايف العائلة في الخارج.

منذ ذلك الحين، تناوبت الإجازات بين حلقات "الدينية" صباحاً، وصالات المكتبة العامة مساء. لم تختزن ذاكرتها أي صور أو أحاديث عن إجازة صيفية في أوروبا أو شرق آسيا.

إنه المسجد القريب، بنات الفريج، والفريج المجاور، الشيلة التي اعتادت لباسها باكراً، "جزء عمّ" الذي تدين لتلك الأيام بحفظه وإتقانه. جميعها صور تحتفظ بها الذاكرة عن الصيف، حتى فطيرة الزعتر التي تقاسمتها مع جدتها، بعد عودتها من "الدينية" ظهراً، لا تزال الأطيب والأشهى، في قيظ التهمت رطوبته كل إحساس بالبهجة والفائدة.

كل شيء يوحي بالإجازة، عدا صورة ابنة الجيران مها، التي تنكبّ صيفاً على قراءة دروس منهاج العام المقبل! ولا تستريح حتى تجيب عن جميع الأسئلة..

 

قيظ المنطقة، كريم في كل شيء، في الحرارة والرطوبة، في الزحام الخانق والسائحين.. كما في الرزق والثمرات.

وكل موسم رطب وأنتم بخير ..

لا يفي النزوح إلى الواحات أو الجبال باتقاء حر القيظ، ولا سفر يحجبه، إنه يتمدد..ولا بد من عاجلة أو آجلة.

توّ النهار والقيظ توّه : )