بدا ذلك الصباح مختلفاً، لم تكن بحاجة إلى ممارسة الطقوس اليومية، إنها تغادر الغرفة على عجل تتأكد، من وجود هواتفها النقالة في الحقيبة، تغرّد في تويتر «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا».. وعلى البي بي إم «يارب هالمرة تصيب»..

تتناول الإفطار على وقع سيل من النصائح المعتادة، «سمّي بسم الله، واقري المعوذات، لا بد ان الله يشرح صدرج وتشتغلين.. أبرك عن مجابل الكمبيوتر، يابوج احتاسن صبوعج.. وآها تحملي اطلعين كيري بيري وادقدقين جدامهم .. تسمعيني شو أقول.. هيه.. هيه أسمع»..

بينما هي غارقة في تصفح إحدى المدونات التي تنقل أخبار العالم بالصوت والصورة، حالة الطقس وأسعار العملات، جميعها على مرمى البصر، الجريدة اليومية والأخبار العاجلة على سطح الشاشة، ولا حاجة لتحديثها.

«جان زين أطالعيني كثر ما أطالعينه!! عالإقل ضحكيني وياج بعد»..

«ماما شو يسوي غدا اليوم ؟».. «هاي تنشد شو تبون غداء»..

تحدّق في الجهاز بغضب.. «كل يوم مشواي كل يوم عيش ابيض ! سوولنا شي غير.. يودي ها.. طالعي الوصفات تعلموا شي يديد»..

رمت جهاز الآي باد في أحضان والدتها.. وهرعت إلى موعد المقابلة، فهي تستعد للوظيفة بعد أن أمضت بعد تخرجها عاماً من البطالة، بين الغرفة والصالة والمطبخ، «مجابلة» شاشة الكمبيوتر تارة، وشاشة التلفاز تارة أخرى..

يبدو الصمت أمام تلك اللوحة الكريستالية طيراً يهبط على رؤوس كل من يمسك بالجهاز ويصبح حبيسه في ثوان، أمام موسوعة الطبخ قضت ساعتين متتاليتين، بمسحة خفيفة بالسبابة، تنقلت من مقادير الوصفة إلى طريقتها المصورة، إلى تفاصيل التقديم..

لم تكن بحاجة إلى ورقة وقلم، أملت الوصفات على الخادمة في لحظات، وقررت أن يكون غداء اليوم مختلفاً.

قلّبت الجهاز قليلاً، بحثت عن زر إطفائه، وضعته أعلى الرف، قررت أن تحتفظ به بقية اليوم.. وراحت تتابع سير العمل في المنزل.

 

بينما الجالسون يتهامسون بما يُسربه من انهوا المقابلة للتو وحول ما يمكن ان تكون عليه الاجابات المُثلى.. كان جهازها الصغير حاضرا لمساعدتها في البحث عن مفاتيح العبور..

وأخيرا، بعد عام من «مجابل» اللوح الكريستالي، والعبث المجدي، عبرت إلى عوالم برامج التصميم والتنفيذ الفني، اتقنت التواصل في المجتمعات الافتراضية.. وكانت الأجدر بالوظيفة.

أماياااايه، باركيلي شكلي هالمرة بتوظف..

الصمت مطبق هذا المساء..

أقولج وين حطيتيه؟؟ بسم الله وينج ؟

انها تخاطبه بصمت، تشرب الشاي الأخضر، وتستمع بقراءة مجلتها المفضلة على الآي باد.. وتفكر في ممارسة الرياضة المسائية، التي ترفقها المجلة بنسختها «الآي بادية» صوتا وصورة وحركة.. وتختم اليوم بموجز اخباري من البي بي سي.

هي تغرق يوميا في صمت، وتصغي اليه، عندما يخاطبها ويستجيب للمسها دون ضجر..

رحم الله جدتي، رحلت ولم تزل مستغربة من كيفية صنع الرسوم المتحركة..