لا تزال البدايات مرتبطة بالحنين، وبطفولة المشاعر والتعابير، بالحماس المندفع، للحديث عن تفاصيل عشتها ومشاهد عاصرتها، عن مدينتي وعن سكانها، عن صور حاصرتني، وضعتها تحت المجهر.. بكل الحب والوفاء، وبعهد قطعته على نموذج مختلف يجعل الكتابة طقساً يُشبع نهم النفس بالبوح والتواصل الورقي من على رصيف الحدث تارةً، وعمق الذاكرة تارةً أخرى..

تلك هي حكاية طائر رحال في سنتين من الكتابة الأسبوعية.. ومشاهد من نسيج الذكريات.. البدء كان تدشيناً لرحلة لم أدر أين تتجه، وأي طريق تسلك، كانت في حافلة المواصلات العامة، في مدينتي التي أعدت اكتشافها، قبل سنتين من اليوم تحديداً.

حيث في رحلة باص المواصلات العامة أيقنت أن للأشياء وجوه غائبة في الازدحام.. أو مختبئة وراء ضجيج الحياة اليومية. لتلك الرحلة بعد حضاري.. وثقافي لا ندركه إلا في التجربة الأولى. فدبي تنضح بالتأمل الغارق في التفاصيل.

عبر الباص طرق منطقة الجميرا وصولاً إلى دبي الجديدة. ماراً بمحاذاة قرية دبي للمعرفة ومدينتي الإعلام والانترنت.. ملتقطاً آخر أنفاسه في مساكن «الغاردنز» بجبل علي برحلة استمرت 45 دقيقة. سائق الباص يجرد «كروة» الرحلة ويتأكد من خلو الحافلة. بينما لا مكان للمستكشفين في رحلة تدرك مسارها جيداً..

* * *

كان لا بد من الحديث عن العباءة، فهي اليوم تقف على أعتاب جلباب الحشمة.. تتأرجح على حبال العصرنة والحداثة.. وتجتث جذوراً تصلها بالماضي.. وكأنها طلعت مع «الفقع» لا أهل لها ولا وطن. فبين مصمم العباءات الشرق آسيوي وخياطها الآسيوي ضاعت «طاسة» الحشمة.. وغابت معالم الأصالة فيها.. وسهل تشويهها.. فآخر التصاميم يتخذ من الساري الهندي قالباً للعباءة.. بإكسسواراته وتطريزه.. وتنطلق منه نحو العالمية.. برسومها وزخارفها الشيطانية. المصمم الآسيوي ذلك يطالب بأن تكون العباءة مزيجاً من الحداثة والأصالة وأن تصل للعالمية على كف الأناقة.. أن تستخدم أقمشة شفافة.. وأن تصبح العباءة أكثر أنوثة. «يعني مخصرة شوي وشفافة شوي». هل تصبح العباءة عباءةً بعد كل تلك التغييرات؟

* * *

في العام الثاني، أصبحت التغيرات ذات الوتيرة المطردة تفرض على المتابع فكراً جديداً، ومجتمعات افتراضية، لم يكن العالم ليعزلها أو ينعزل عما يجري في دهاليزها، فالقراءة اليوم تبدو مختلفة عما كانت عليه قبل عام تحديداً، فكان لا بد من الثرثرات الثورية :

في المستشفى القريب، كان صوت الطبيبة عالياً، وانفعالها واضحاً للمارة، عندما أبدت استياءها من «شوية عيال» تحدثوا بلغة رقمية مختلفة، كانت كفيلة بتجمهر الحشود واعتصامها لأسابيع، «دول ما بيفهموش، يعني إيه يسقطوا النظام، يحمدوا ربهم عالأمان اللي همّه عايشين فيه، عاوزين يخربوا البلد»..

بينما يهمس الممرض في غرفة الفحص المجاورة، «أيوه علشان انتي طول عمرك عايشه من خير البلد دي، اتولدتي هنه ويمكن بقالك زمان ما نزلتيش البلد.. ما عرفتيش همّه عايشين ازاي.. ».

وعندما تكتب صفحة جديدة في تاريخ الشعوب، يبحث الجميع عن نصيبه في كعكة الانتصار. هم ذاتهم من حكموا على التغيير بالفشل.

* * *

تلك نماذج من حكايات نسيج الذاكرة، حيث ولدت الأفكار، وأينعت التساؤلات، وثارت المفردات، حملها رحال أمانةً إلى صفحة جديدة من قلق البوح، بكل ما يحويه من الفرح والتأوهات..