كان مشهد الباب الموارب أمام دخول وخروج الخدم يشير إلى حركة غير اعتيادية في المنزل، قوافل فناجين الشاي والقهوة والمشروبات الساخنة تخرج عبر باب المطبخ في مسار معتاد بين الصالة والمجلس، البيت يمتلئ بالخدم لأنه لابد من الاستعانة بخدم الجيران..

يكتظ المدخل بالضيوف من النساء المعزيات، والصالة بالكاد تتسع أمام الجموع المنسابة، كان صوتها يعلو فوق همس الحضور، كان كفيلاً بأن يُسكت الضحكات الجانبية.. عندما أبدت انزعاجها لأصحاب المنزل من مشهد يضج بالمبالغات..

«ويدي يالله بالستر.. شو حقه هالفواله والعشاء؟ هذا عزاء يا امايه مب زين.. قهوة والناس تروح بيوتها.. العرب تخبلت.. ما تعرف العزاء من المعاريس.. خافوا ربكم.. الله يرحم موتانا وموتاكم، وين أمكم عيل؟».

أطبق الصمت على الحضور، وتهامست الحاضرات من تكون تلك المرأة، ذات الزيارة القصيرة، الممتنعة عن فنجان القهوة والمدخن على الأقل من باب المجاملة لأهل الميت، في ظل زحام الوجوه التي لا تغيب عن مشهد العزاء..

«بس عليكن عاده روحن.. العرب بيرقدون.. وين أمكم بنات بنعزيها؟ «تبدو الحاضرات من الجارات والصديقات قد اعتدن على حمدة، وتعليقاتها التي تحرك المياه الراكدة، «بالله عليج تيلسين بنرمس وياج شويه».. «يا أمي أذن العشاء بنسير نصلي ونحط روسنا ونرقد أشوفكن ضريتن عالسهر».. تتسع دائرة الحديث في اتجاهين، مكاني وزماني، ويبحث في سوالف عتيقة على ألسنة أبطالها، «تحيدين بنت عمي يوم لول نيلس عالحدبه ونرمس لين ايينا الرقاد.. يالله ما زين هذاك الوقت».

تهز حمدة رأسها استغراباً من الزج بتلك الذكريات في مجلس عزاء.. «أسميكن متفيجات.. حبيبتي طالعي امج وينها».

«هيه والله يا عفراء.. ماشي شرات فريج لول.. ما هذا يخوز عن هذا».. «الحين ودك حد يوايج عليك.. والله اني شاريه صحون وكوبات يداد أبا حد اييني بحطهن.. لين الحينه بكراتينهن».. «أسميج بتبطين»..

«الله يهديكن قومن روحن.. يلا في أمان الله وسلمن على أمكن يا بنات».. تعالت ضحكات الحاضرات على حديث راكم من العبث بجو مجلس عزاء يغيب عنه أهل البيت، فلاتزال صاحبة المنزل حبيسة المطبخ، تخدم ضيوف العزاء.

في عصر السرعة، وعندما يكون العالم قرية صغيرة يمكن التجول في أزقتها بلمسة على الشاشة الكريستالية، تُلغى أفعال كثيرة، وتُخترع أخرى تخاطب زمنا جديداً، وفي الزمن الأقل تمدناً وتطوراً.. تبدو الحياة أطول عمراً، والصور أكبر حجماً، بينما الأحداث حيّة في الذاكرة، بتفاصيلها، بحكاياتها وأسماء أبطالها ومسرح أحداثها الذي لا يمحوه أثر، وعندما يُغيّب.. فمياه الذاكرة اليوم اشد اندفاعاً في عروق زمن لا يغيب، ومجلس لا يتجاوز فناء المنزل القريب.. ونخلة تفيأتها الأماني يوماً.

وبين الزمنين تداخلت مفاهيم الفرح والحزن، الخيبة والأمل، الحب والعاطفة، وبقي التعبير عنها بصيغتها الأقرب إلى الحقيقة رهن أهواء البشر.