كان صباحاً غير معتاد، تسلل القلق إليها عندما شعرت بأنها اليوم تحديداً تبدو أوهن من كل يوم، وأقل قدرة على الاتزان، حاولت النهوض مراراً، أيقنت أخيراً بأنها ليست على ما يرام، فكان لا بد من زيارة إلى العيادة القريبة.
(سلامات يا أمي .. لازم ترتاحي في البيت، ضغطك مرتفع ولازمنا شوية تحاليل عشان نطمن عليكي) .. (لا ما اقدر ارتاح .. عندي تسميع وحفظ قرآن ولا تكتبيلي اجازة مابا).. (يوم واحد يا أمي عالأقل .. ) اضطرت أم راشد للغياب عن درس اليوم حين انتصف النهار وهي لا تزال بانتظار نتائج التحاليل. بدت الطبيبة مستغربة من إصرار امرأة في العقد السادس من عمرها على الذهاب إلى مركز تحفيظ القرآن، رغم أن حالتها الصحية لا تسعفها على التركيز، حتى أصبحت تلك المرأة نموذجاً استشهدت بها الطبيبة مرات عديدة أمام مرضاها المتكاسلين ممن يستجدون الحصول على إجازة مرضية.
تُمضي أم راشد يوماً غير اعتيادي، فمنذ تعود من مركز تحفيظ القرآن ظهراً لتستريح قليلاً، لا تبدو ميّالة لحضور أي مجلس نسائي، أو تجمع عائلي..
بعد صلاة العصر تتأكد من أن الباب مقفل بالمفتاح.. والمسجّل القريب موصّل بالكهرباء، والشريط يقف عند الآية الأولى من سورة الدخان، لتبدأ درسها اليومي في مراجعة المقرر من سور القرآن. بينما أحفادها في الصالة القريبة يصارعون هم حل الواجب اليومي، وعوشه الصغيرة تردد جملتها المعتادة (الحين شو الفايدة من الدراسة.. ومتى بتخلص هالمدرسة ؟؟ ) .. (حلي وانتي ساكتة يدتج تبا تدرس في هدوء باجر عندها تسميع).. (أصلاً ليش اليدات يسيرن مدارس .. تراهم بيموتون؟) ..
كأي سؤال حول جدوى التعلم في أي عمر أو زمان، بقي سؤال عوشة دون إجابة. وانتهى المشهد اليومي كفصلٍ من ذاكرة مهملة، لم يقف أحدهم عندها متأملاً شغف العجوز وطموحها الذي يتسابق وسنوات عمرها، على الظفر بأكبر مساحة من الذاكرة لتملأها بآيات القرآن.
بعد صلاة المغرب، تقصد الجارة أم سعيد منزل أم راشد، لتطمئن عليها بعد غيابها غير المعتاد عن الفصل. (سلامات يا عوشة، ما تشوفين شر هميتيني .. ماحيدج تنقطعين عن القرآن).. (غصباً عني يا عذيجة، أصبحت مب صاحية وسرت المستشفى، وما رديت إلا عقب أذان الظهر).. (مأجورة ياختيه).. تستعد أم راشد لصباح دراسي جديد، تلتقط تفاصيله بجد لم تألفه زميلاتها، تستعيد الحياة بأذكار الصباح، تراجع حفظها اليومي وتتجه إلى مركز التحفيظ.
تزور المعرض الخيري في المدرسة حيث تفوز بمسابقة أفضل طبق منزلي عن الخبيصة التي تجيد تحضيرها منذ كانت شابة، ثم تتجول لتلقي السلام على صديقات مقاعد الدراسة، مسرعة تعود إلى المنزل لتبدأ فصلاً جديداً في سباق الهمم العالية.. بعد أن انتهت من التسميع النهائي استعداداً لإعلان نتائج هذا العام.
في الحفل الختامي، تفوز عوشة بالمركز الأول في الحفظ، وتتفوق على القارئات من زميلاتها بحفظ متقن، وصدر منشرح للتجويد..
عوشة .. جدة بهمة شابة وطموح لا يهدأ .. في زمن الشباب المتعكّز على همم خاوية.
