جذور

منطقة الخليج العربي في مجلة مصرية (1)

تعد مجلة «الرسالة» المصرية إحدى أبرز المجلات الثقافية في العالَم العربي، وقد ترأس تحريرها منذ تأسيسها في 15 يناير 1933 الأديب المصري الشهير الأستاذ أحمد حسن الزيات (3 أبريل 1885 - 12 مايو 1968).

وقد وُصِف الزيات بأنه أديب العربية الأكبر، وأمير البيان في العصر الحديث، وأحد بلغاء القرن الرابع عشر الهجري في مصر والوطن العربي. وأشهر مَن جمع بين المجلة ومنشئها هو محمد سيد محمد، في كتابه الشهير:

«الزيات والرسالة» الذي صدر في القاهرة عام 2008. ما يدل على عمق الارتباط بين الرجل و«الرسالة»، وقد أحسن محمد سيد محمد في إظهار هذا الارتباط نصاً وأسلوباً واستشهاداً. ويشي تقسيمه لفصول الكتاب بعمق في الطرح ومعرفة بالموضوع.

الكُتاب الرواد

ساهم في كتابة مقالات المجلة وتعليقاتها وتعقيباتها وصياغة أخبارها كثير من رموز الأدب العربي وأساتذة الفنون، وعلماء التاريخ والفقه والحديث والبلاغة والنقد والشِعر آنذاك من أمثال:

الأستاذ زكي نجيب محمود، والأستاذ عباس محمود العقاد، والأستاذ توفيق الحكيم، والمؤرخ جواد علي، والأستاذ أحمد أمين، والشيخ علي الطنطاوي، والأستاذ زكي مبارك، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي، والدكتور طه حسين، والدكتور محمود محمد شاكر، والدكتور محمد عبدالله عنان وغيرهم كثير.

حاوية لكل فن

والمطالِع لهذه المجلة يجد ضالته في كل العلوم والفنون والآداب، ويجد فيها أدباً جماً، وعِلماً رصيناً، وتحليلاً دقيقاً، بل ربما يجد أموراً غريبة وإشارات عجيبة ما تخطر على بال. وكانت تدور بين الكُتاب سجالات وردود ونقاشات وحوارات رائعة تفيد المتتبع والقارئ والمطلع. وكانت تصل إلى الكثيرين من القراء العرب على مستوى الوطن العربي. وكانت مَعيناً للمعلمين والطلبة على حد سواء، كما كانت مصدراً للأدباء والباحثين.

تميز

تميزتْ مجلة «الرسالة» عن غيرها بعلو المضمون من حيث الصياغة والأدب والموضوعية والاقتباس والحوار والنقاش والاختلاف والاتفاق. وساعد على كونها أسبوعية الصدور على متابعتها من قِبل القراء المترقبين لصدورها، إضافة إلى كونها متتابعة الصدور ومتواصلة في الحضور.

وكانت ناقدة للأدب العربي والأدب العالمي، وكانت مقوِّمة للأفكار الأدبية والرؤى الفنية والآثار العلمية. وكانت تتم على صفحاتها ترجمات للعديد من القصص العالَمي، بل ونقد كثير مما صدر في الغرب. وأصبحت مدرسة أسبوعية للغويين والشعراء والنقاد. وظلت تصدر إلى أن توقفتْ عن الصدور نهائياً في 23 فبراير 1953.

بدايات

من الجدير بالذكر أنه من خلال متابعتي واطلاعي على أعدادها، أن عديداً من الذين كتبوا فيها مقالات وأبحاثاً شكلت تلك الأبحاث نواة كتبهم فيما بعد، وكانوا حين نشرها في بداية نضج بعضهم الفكري والعلمي. وما أجمل تقديم رئيس تحريرها في عددها الأول الذي سلط الضوء على الدور المستقبلي الذي سوف تقوم به «الرسالة» ضمن الخضم المتلاطم من المجلات مختلفة الاتجاهات آنذاك.

وأنهى تقديمه بقوله: «فإلى أبناء النيل وبَرَدى والرافدين نتقدم بهذه الرسالة، راجين أن تضطلع بحظها من الجهد المشترك في تقوية النهضة الفكرية، وتوثيق الروابط الأدبية، وتوحيد الثقافة العربية».

مجلدات حافظة

عبرت الدكتورة سعاد بنت محمد الصباح في تقديمها لمجلدات المجلة في عنوان فريد: «الرسالة.. مؤسسة لا مجلة»، وكتبت: «الرسالة ليست كأي مجلة أدبية ظهرتْ في العالَم العربي، لكنها مؤسسة ثقافية كبرى لا تقل من حيث الأهمية والتأثير، عن منظمة اليونسكو، وجامعة الأزهر، وكامبردج، وهارفارد، والأكاديمية الفرنسية».

ويذكر ناشر مجلدات المجلة الأستاذ محمد خالد القطمة، الأديب والصحافي والشاعر السوري الكبير، شيئاً من إشراقات وإبداعات الرسالة، وضرورة حفظها وتجليدها على اعتبار أنها جزء من التراث الأدبي الرصين.

ووضع الدكتور محمد يوسف نجم، الأديب والأستاذ الجامعي اللبناني، الفلسطيني الأصل، عنواناً مبهراً لتقديمه، وهو: «الرسالة.. الجامعة» ألمح في حديثه عنها إلى عظم دور هذه المجلة، وكونها جامعة درس عبرها كبار الأدباء والعلماء.

الخليج والمجلة

أما الموضوع الذي فكرتُ فيه، فَلَه علاقة بمنطقة الخليج العربي، وأخبارها وذِكرها والإشارة إليها في مقالات المجلة، وقد اضطرني ذلك إلى مراجعتها كاملة، ولحسن الحظ تحصلتُ على عدد من الإشارات والتلميحات دون التركيز والاستفاضة، مثلما هو حاصل مع بلدان عربية وإسلامية وآسيوية وأفريقية وأوروبية وأمريكية أخرى.

ففي المجلة أخبار الهند والباكستان وداغستان وروسيا والولايات المتحدة وألبانيا وتركيا. مع كثرة الإشارات وتعددها وتنوعها حول العراق وسوريا وفلسطين والجزائر وتونس، إضافة إلى مصر بطبيعة الحال. ويمكن تقسيم المقالات إلى عدد من الموضوعات، هي:

العرب من المحيط إلى الخليج

في مقال للدكتور عبدالوهاب عزام (توفي في 1 يناير 1959) بعنوان: «مكانة العرب بين الأمم» في العدد 570 (الاثنين 14 جمادى الآخرة 1363 هـ الموافق: 5 يونيو 1944 م)، (في مجلد السنة 12: 1 - 1944)، ص. 463، ترد في المقالة إشارة عابرة إلى اتساع الوطن العربي شرقاً وغرباً شاملاً: «سواحله على بحر العرب والبحرين الأحمر والأبيض..

وقد جعل الله مهد العرب جزيرة ممتازة محدودة بالبحار من معظم جهاتها»، وأن «جزيرة العرب خلاقة ولادة فياضة، مُمدة لأقطار العرب بالقبيل بعد القبيل». مع الإشارة بطبيعة الحال لحضارات العرب وممالكهم القديمة: مَعين وسبأ وحِمير.

البصرة

في مقال للدكتور عبدالوهاب عزام بعنوان: «البصرة» في العدد 267 (الاثنين 19 جمادى الآخرة 1357 هـ الموافق: 15 أغسطس 1938 م)، (في مجلد السنة 6: 2 - 1938)، ص. 1330. وهو مقال مطول حول مدينة البصرة العريقة، وتاريخها، وهوائها، ومائها، ونخليها، وأرضها، وأهلها. مع إشارة إلى مينائها المهم، حيث ترسو فيه بواخر الأوروبيين، ويرد فيه كذلك ذكر شط العرب.

الجغرافيا والتضاريس

في عرض لكتاب: «الربع الخالي» لعبدالله فيلبي، يذكر الأديب اليمني محمد بن عبدالله العمودي، ويشير إلى ما دونه فيلبي في مصنّفه، وفيها بلا شك تلميحات حول أرض الخليج، وقبائل المنطقة الرملية من بني مرة والمناصير.

ويعلق على فيلبي في رحلته إلى ذلك الإقليم الرملي الكبير. في العدد 219 (الاثنين 7 رجب 1356 هـ الموافق: 13 سبتمبر 1937 م)، (في مجلد السنة 5: 2 - 1937)، ص. 1518. ويرد في العرض عدد من الأسماء والمواضع التي ساقها فيبلي في كتابه.

وترد إشارة عابرة لمضيق هرمز، ورُمز له بالرأس البارز في الخليج شرق جزيرة العرب، وما فيه من طبيعة صخرية في مقال للدكتور العالِم الشهير عبدالوهاب عزام، بعنوان: «رحلة إلى الهند» في العدد 730 (الاثنين 11 شعبان 1366 هـ الموافق: 30 يونيو 1947 م)، (في مجلد السنة: 15 /‏ 1 - 1947)، ص. 720.

النفط والاقتصاد

في مقال للأستاذ فوزي طرزي بعنوان: «شركات الذهب الأسود» في العدد 863 (الاثنين 27 ربيع الأول 1369 هـ الموافق: 16 يناير 1950 م)، (في مجلد السنة 18: 1 - 1950)، ص. 81. وفيه يستعرض الكاتب استكشاف النفط في العراق وسواحل الإمارات العربية ابتداءً من الخليج العربي إلى محمية عدن.

ودور الشركات الأوروبية في التنقيب عن النفط من بريطانية وفرنسية وهولندية وأمريكية وغيرها. وألمح إلى خلافاتها، واستغلالها لموارد المنطقة. وفي اعتقادي أن استعمال مصطلح: «الذهب الأسود»، وهو مصطلح فريد في تلك الفترة. وفيما أظن أنه أحد السباقين لاستعمال هذا المصطلح للدلالة على النفط.

مجلدات

جمعت أعداد مجلة «الرسالة» في مجلدات ضخمة صدرت عن دار صادر في بيروت عام 1985، وتبلغ أعداد المجلدات 40 مجلداً.

إلا أنها غير مفهرسة بفهرسة عامة شاملة، ولهذا فإن الباحث عليه أن يراجع هذه المجلدات عله يظفر بما يريد. وهذه المجلدات من حُسن الحظ متوافرة في عدد من مكتبات الدولة، ومن ضمنها مكتبة دائرة الآثار والمتاحف برأس الخيمة، حيث وجدتُ فرصة للاطلاع عليها. ومن الجدير بالإشارة أنني سبق لي الاطلاع على محتويات هذه المجلة حينما كنتُ أتتبع مساهمات المؤرخ العراقي الكبير جواد علي - رحمه الله - في «الرسالة». 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات