جذور

دليل الخليج بين لوريمر وحقائقه المُدَوَّنة 4

يعدّ كتاب «دليل الخليج» موسوعة قيمة، جمع شتاتها جون لوريمر في عدة مجلدات، قسمها بين التاريخ والجغرافيا، باعتبارهما أصْلين للعلوم الإنسانية التي تتحدث عن الإنسان والمكان في كل ظروفهما، ومواقعهما، وأحوالهما.

وبذل لوريمر جهوداً مضنية في جمع كتابه مما تحصل عليه من معلومات دُونتْ في تقارير، ومضابط، وأخبار، تمتد زمنياً من نهاية القرن الثامن عشر إلى عام 1908. وهي فترة طويلة من الزمن، تمكن المؤلف من تغطيتها في هذا الكتاب الموسوعي المهم.

أفرد المؤلف للقسم الجغرافي ثلاثة مجلدات كبيرة، ضمّنها معلومات جغرافية وتضاريسية وبيئية وأنثروبولوجية وجيولوجية واقتصادية واجتماعية ومعمارية، جعلتْ منه مصدراً مهماً، لا يستغني الباحثون عن الرجوع إليه، مع الأخذ بعين الاعتبار المنطلقات البريطانية في ذلك الوقت، التي أحاطتْ بكل تلك التقارير.

وقد اتبع لوريمر منهجاً عاماً في كل القسم الجغرافي، من حيث ذِكر الموقع الجغرافي بما فيه من صفات وبمَن فيه من سكان، ووضعها حسب النطق العربي بالحرف اللاتيني.

حين أتمّ لوريمر جزأيْه الأول والثاني من كتابه «دليل الخليج»، شرع في إعداد الجزء الثالث وهو يقع بين صفحَتي: 1293 و1952، بدأه بجزيرة أمّ النّعسان (Nsn (Umm إحدى جزر البحرين، وأنهاه بـ«الزبارة» (Zubrah). وفيه نحو سبع صور كسابقتها. وفي هذا الجزء نحو 243 حاشية.

أكبرها الحاشية بين صفحتَي: 1382 و1385، وفيها يضيف معلومات بيئيّة وطبوغرافيّة وبشريّة حول إقليم عمان. ثم الحاشية بين صفحتَي: 1455 و1457. وفي هذه الحاشية يحلّل اسم الخليج ومساحته وامتداداته. ومن الأمور اللافتة أنّه عَنْوَن حديثه عن صحار (Suhr) بـ(Suhr: Wilyat and Sub-Wilyat) بمعنى أنّه استعرض صحار كمدينة، وكولاية، وكضواحٍ محيطة بها.

مع أنّه قد بسط القول حول عمان كإقليم وكسلطنة بما فيها من قرى وبلدات وولايات وجبال ووديان وسواحل وموانئ. ثمّ فرّق بين عُمان والإمارات، سواء في الجانب السياسي أو في الجانب الإداري. ووضع عنوانيْن مترادفيْن للمكانيْن. وهذا يدلّ على رغبته في الإحاطة بالمعلومات المتعلّقة بالأماكن التي يدوّنها.

ولا يمنعه ذلك من تكرار بعضها وإثباتها رسماً وصيغة وعلماً، مع أنها ربما تختلف في الصيغة الكتابيّة بعضه الشيء، إلا أنها تتوافق من حيث المكان والمكانة.

أثناء استعراضه لكلّ المواضع الجغرافيّة يستعمل جون لوريمر الأسماء المُتَعارف عليها في زمنه مثل: «العراق التركي»، «الحسا»، «سنجق الحسا»، «واحة الحسا»، و«قضاء سوق الشويخ». وهذا بطبيعة الحال يقدّم مصداقيّة للمادّة العلميّة التي يوردها في المعجم. والكاتب ابن عصره، يدوّن ويسجّل ما يحيط به من نواحٍ حياتيّة مختلفة.

وحين يذكر القبائل فإنّه يضع مثلاً اسم القبيلة ضمن السياق، ثم بين قوسين يضع لفظة: (بنو) أو يستعمل اسم القبيلة حسب ما هو متعارف عليه دون لفظة:

«بنو». وأقصى ما وصل إليه شرقاً هو إقليم مكران. أي أنه لم يتطرّق إلى إقليم مكران التابع للهند الموحّدة آنذاك تحت الحكم البريطاني إلا حين أشار إلى قبيلة البلوش القاطنة في هذه المنطقة الكبيرة. وحين حديثه عن الكويت تطرّق إليها تحت أكثر من عنوان، وهي: الكويت: الخليج والبلدة، وإمارة الكويت.

وأثبت للقطيف عنوانيْن: «واحة القطيف» و«بلدة القطيف». وأوجز حديثه عن القواسم، مع إشارات لوجودهم في أكثر من منطقة. وهو فيما يبدو قد اكتفى بالإشارة إليهم في الجزء التاريخي، وفي حديثه عن الشارقة ورأس الخيمة.

ومن الملاحظ أيضاً أنه حين يتحدّث عن منطقة كبيرة، ويتبعها بقائمة تشتمل على قراها وبلداتها، يضع إشارة تقول: «ارجع إلى مقال هذه البلدة أو القرية» في مكانه المستقلّ بذاته. كما أنّه أدرج الحديث عن أبوظبي تحت حرف «الدّال» (D) فكتبها بصيغة: Dhabi Abu.

وتحدّث حول أبوظبي الإمارة، والبلدة ثم بَسطَ القول في موضع آخر حول منطقة الظفرة. وكتب اسم دبي بصيغة: (Dibai)، وعنى بها الإمارة والبلدة. كما أنه أدرج الحديث عن أمّ القيوين تحت حرف (Q) فكتبها بصيغة: Qaiwain Umm - AL.

وتحدّث حول أمّ القيوين الإمارة، والبلدة. وحين تحدّث عن الشارقة رسمها: بصيغة: (Sharjah) ثمّ ألمح إلى أنها تُعرف بمسمّى: شارقة باللغة العربية. كما أدرج الحديث عن وادي السر تحت حرف (S) فكتبها بصيغة: Sirr Wadi. كما أدرج الحديث عن شطّ العرب تحت حرف: (A) فكتبها بصيغة: Arab Shatt- AL-. وهو كذلك قد أدرج الحديث عن وادي بني غافر تحت حرف: (GH)، بصيغة: Ghfir Wdi - Bani-.

وتناول الحديث عن نهر الحسينية في العراق تحت حرف: (H)، بصيغة: Husainiyah Nahr - AL. ويصرّح أنّ الاسم القديم لهذا النّهر، هو: «نهر السليمانيّة»؛ إذ أمر بحفره السلطان سليمان القانوني عام 1544. وهو هنا يتتبّع حتى الأسماء القديمة للمواضع ويثبتها رسماً وعِلماً.

وهو كذلك يتتبّع التغيّر الطبوغرافي الذي حصل على الموضع فَهَا هو يذكر شطّ الهندية في العراق على أنّه كان في السابق قناة مائيّة تنشقّ من نهر الفرات، ثم أصبحت بعد ذلك نهراً كبيراً. وأنّ اسم البحرين القديم هو «أوال».

وفي بعض الأحيان يشير إلى أنّ هذا الموضع صغير المساحة، ولكنّه عظيم الأهميّة والمكانة، مثل: القصيم. ويحدّد أكثر عن اسم إن وُجد مثل قوله: «الرفاع الغربي» (في البحرين)، ويُعرف أيضاً بـ«الرفاع القِبلي».

أوضاع وأحوال

يتحدّث لوريمر عن المواضع بناء على الأوضاع السياسيّة والإداريّة التي وضع فيها كتابه، فمثلاً تحدث عن دبا Dibah (حسب رسمه) الواقعة بالقرب من دبا البيعة، أنّها كانت تتبع إداريّاً إمارة رأس الخيمة ثمّ فصّل عن الجانب الإداري لهذه البلدة. ثمّ تحدّث في موضع آخر عن سيادة حكم الشيخ صقر بن خالد القاسمي على الشارقة وضواحيها وقراها في الوسط والشرق وفي رأس الخيمة كذلك.

وهو هنا يشير إلى ما تمّ من بسْط نفوذ الشيخ صقر على رأس الخيمة في تلك الفترة. وهو بالتالي وعلى الرغم من تركيزه على الجانب الجغرافي فإنه يربط ذلك بالتاريخ والتسلسل الزمني حتى عصره. وأشار إلى تبعيّة جوادر في بلوشستان لسلطنة عُمان. وأطلق على الساحل الواقع إلى الغرب من العراق اسم: «عربستان»، وهي تسمية سابقة للأهواز، وأقدم منها. ثمّ في موضع آخر يثبت اسم:

«الأهواز». وأسهب في وصف نهرَي دجلة والفرات كلّ حسب ورودوه ألفبائيّاً، مع رسومات وشروح وافية تدلّ على خبرة ومشاهدة مباشرة.

ومن دقّة التفاصيل أنه أورد ثلاث مقالات حول بلدة واحدة، وهي: جاشك أو جاسك على ساحل مكران، فالأول بعنوان: جاشك الجديدة، والثاني: جاشك القديمة، والثالث: مقاطعة جاشك. وفيما يبدو أن السبب وراء ذلك المعلومات المتوافرة لديه. وأفاض إفاضة هائلة في حديثه حول العراق، ذاكراً أدقّ التفاصيل.

إصدارات لاحقة

 

وقد صدر ضمن مجوعات الوثائق البريطانيّة: مصنَّف حمل اسم: جريدة الخليج (The Gulf Gazette) أو بمعنى الجريدة الرسميّة للخليج، في خمسة مجلّدات من عام 1953 إلى عام 1964. وما لفتَ نظري هو استخدام مصطلح (Gazette)، وهو قريب الصيغة من gazetteer التي تصدّرت كتاب لوريمر.

وبطيبعة الحال فإنّ هذا الكتاب يختلف في مضامينه عن كتاب لوريمر. وقد ذكرتُ ذلك فقط للتنبيه. ويوجد كتاب آخر يحمل عنوان: Gazetteer of Arabian Tribes، (دليل القبائل العربيّة)، من إعداد وتحرير ريتشارد ترنش (Richard C. Trench) صدر في 15 مجلّداً، إضافة إلى ثلاثة مجلّدات تضمّ عدداً كبيراً من الملاحق، عام 1996. واتبع فيه المؤلِّف طريقة لوريمر في التقسيم، وكان كتابه ضمن مصادره الرئيسة.

عمل لابدّ منه

الحديث عن هذا السِّفر العظيم في شقّه الجغرافي واسع، وما أوردتُه ما هو إلا نماذج وأمثلة تدلّ على الأسلوب والطريقة والمنهجيّة المتّبعة. وأقترحُ حين إعادة ترجمة القسم الجغرافي الالتزام بالترتيب الذي أعدّه لوريمر، بحيث يُكتب الاسم حسب اللغة الإنجليزية متبوعاً بالرسم العربي، حتى ولو خالف المعجم العربي في البداية والنهاية. وهذه الطريقة تحفظ لنا روح النّص الأصلي، وتجنّبنا الأخطاء والإيصال والقطْع والإكمال.. ولا يتمّ العمل هذا إلا ضمن إطار لجنة علميّة مؤهّلة تضمّ مختصّين في أكثر من عِلم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات