«الكتاتيب» منهل العلم الأول في الإمارات

كانت الكتاتيب النموذج الأول للمؤسسة التعليمية الأولى، التي عرفتها دولة الإمارات العربية المُتحدة قديماً، وكان المطوّع معلم زمانه، يُدير حلقات العلم في (كُتَّابه)، يُلّقن صِغار الفريج أدبيات التعليم الديني ومهارات التهجي، وبين تعليم الأمس وتعليم اليوم، تعبر بجسر الذاكرة في هذا التحقيق، إلى ثقافة لا تزال نابضة بالحُب فينا لكتاتيب الزمن الأول ومطاوعتها.

لمْ يعرف التعليم في الماضي تعقيدات العِلم الحديث، فكان التعليم في بواكيره مُتمحوراً بشكل أساسي حول «الكتاتيب»، كما ذكرنا آنفاً، وهو البوابة التقليدية التي عُنيت في جوهرها بتحفيظ القرآن الكريم والمُتون الدينية والأحاديث النبوية الشريفة، وفَكْ الحرف في تلقين أساسيات القراءة والكتابة، وأيضاً مبادئ الحساب.

المُطوّع

هو «المُلا» و«الشيخ» و«الفقيه»، اختلفت المُسميات، وشيخ الكتاتيب واحد، وهو مُعلم أيام زمان، وصاحب المكانة الخاصة في المجتمع الإماراتي، لتنوع ثقافته وسِعة معرفته ودرايته، وهو العارف بالمسائل الدينية والفقهية والرجل الصالح، الذي يوّظف نفسه لخدمة الناس كافة في مجتمعه، ويقوم كذلك بالوعظ والهداية، وهو حجر الأساس والزاوية في العملية التعليمية، ويتولى بجانب تعليمه لصبية «الفريج»، تربية الناشئة، وتهذيبهم وتأديبهم، ومن ثم تأتي عملية التعليم.

كان للمطوع تفرّد ملحوظ في النسيج المُجتمعي الإماراتي، فكان مُلقناً مُحفظّاً يغرس العِلم في العقول، ومنابت الخير في النفوس، وإلى جانب مكانته الدينية والثقافية الفريدة، كان محبوباً مُهاباً، مُصلحاً بين الناس، يفض نزاعاتهم، ويرشدهم لما فيه الخير والصلاح، وهو همزة الوصل بين الحاكم والمحكوم، وأيضاً إمام المسجد، يُبصر المؤمنين بأمور دينهم ودنياهم، والواعظ الهادي، والمُعالج المُداوي للمريض، يقرأ له آيات من القرآن، وبعض الأحاديث الشريفة.

وهو الشيخ الحكيم في المسرّات والمضرّات «مأذون المِلْكَة» والأفراح، وهو المُصلي على الميت في الأتراح.

منزلته عالية، وكان أفراد المجتمع، كباراً وصغاراً، يخضعون له بالطاعة، ويتقربون منه، لِما لهُ من فضل عليهم، وكانت الأمهات يُرسلن مع أبنائهن الطعام إليه، كما كان الصبية يؤدون بعض الخدمات لبيت المُطوع، مثل جلب الماء من البئر، والاحتطاب والقيام بتنظيف بيته.

كان الطفل يلتحق بالكُتّاب في عمر السادسة أو السابعة، ويبقى مُواظباً حتى يكبر ويشتد عظمه، ويكون قادراً على العمل لمساعدة والديّه، ونظراً لإنشغال الآباء في البحث عن لُقمة العيش أثناء رحلات الغوص والأسفار في البر والبحر، سعياً وراء الرزق، فقد كانت الأم هي من تتولى مُهمة تسجيل ابنها للدراسة على يد أحد المطاوعة في الفريج.

يقوم المطوع بتشجيع المُنتسبين الجدد إلى الكُتّاب بالحُسنى، وتعويضهم عن ما فاتهم من دروس، ويعتمد في تعليمه مبدأ التحفيظ والكتابة بطريقة اللحن في تهجيته حرفاً أو جملة، وكان كتّابه في بيته أو في المسجد، وكان المطوع يفضل تعليم دارسيه في بيته، أو في بيت يكون اشتراه أحد التُجار المُقتدرين وخصصه كُتّاباً.

كان المطوع يحمل عصا على مرأى تلاميذه، الذين يجلسون على «الحصر»، أو يفترشون الأرض، يمنعون الإصغاء والحفظ، فلا يطالهم نصيب منها إلا إذا لزِمَ الأمر.

وكان لكل ولد «مرفع»، يوضع عليه المُصحف الشريف الخاص به، حتى ينهل التلميذ العلم منه، كان الدرس 5 أيام في الكتاتيب، من يوم السبت إلى يوم الأربعاء، وبعض الدراسة كانت مسائية من بعد صلاة العصر، إلى قُبيل صلاة المغرب.

في الصيف، كان المُطوع وصبيانه يجلسون تحت الشجر في الباحة، يستظلون بظلها أو تحت العريش وقايةً من القيظ، وفي الشتاء، كانت الخيمة هي كُتّابهم، تُشعل بعض الدفء في قلوبهم، وفي يوم الخميس، كان المطوع يُجري اختباراً مُنفرداً لكل تلميذ، يستمع فيه إلى حفظه الدرس السابق.

اعتاد أهل الولد الدّارس في كُتّاب المطوع، أن يدفعوا له المصروف الدراسي، وكانت الأجرة تُدفع عموماً، ربطاً بمكانة المطوع الاجتماعية، ووضعه المادي، فكانت «الدَخلة» وهي رسم الانتساب إلى الكُتّاب، وهي رسم نقدي بسيط من مال، لا يتجاوز الدرهم في زمانه، وعيّنه من أرز وتمر ومكسرات، ولا ننسى «الخميسية»، التي يُنادي عليها المطوع يوم الأربعاء.

وكانت خمسة دراهم، يتقاضاها المطوع عن أسبوع التعلم، وفي بعض الأحيان، كانت لا تتجاوز الدرهم الواحد، بحسب قُدرة الأهل المادية. وإن اختلفت الأزمنة، وإن لبست المدرسة حلَّتها العصرية الجميلة، يبقى «الكُتّاب» مدرسة الأصالة، التي خرج من أبوابها وعريشها وخيمها، رجال صنعوا التاريخ في دولة الإمارات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات