ترسم ملامح حياة البادية قديماً

السراح.. مهنة قديمة تلاشت مع النفط

واظب أهل الإمارات منذ القدم على تربية الماشية، وكانت تعد من أهم مصادر الدخل التي أغنت المجتمع بخيراتها وفوائدها المتعددة، ابتداءً من حليبها ولحومها وجلودها وصوفها، الذي دخل في العديد من الصناعات القديمة، ناهيك عن بيعها أو شرائها، وكان «السراح» أو «المسرح» هو الشخص المعني بتربية ورعاية هذه الماشية، وتحديداً من الماعز والأغنام، وعلى الرغم من الأدوار الكبيرة التي كان يقوم بها «السراح» فإن هذه المهنة انقرضت تماماً، ولم يبق منها إلا ما تختزنه ذاكرة أبناء ذلك الجيل فقط عنها، ومن بينهم الوالد سعيد سبت الظهوري، من البيئة الجبلية، المطلع والشاهد على الكثير من تفاصيل هذه المهنة.

ويقول الوالد الظهوري إن مهنة السراح من المهن المنقرضة والتي كانت معروفة ومنتشرة في ذلك الزمن عند أهل البدو، والسراح هو الراعي الذي يهتم بالماشية من الغنم والماعز فقط دون البقر، إذ كان يمر بعض السُّراح سواء كان داخل منطقة السكن في البلاد شتاء أو عندما يكون الناس في التصييف ويأخذ من كل بيت ما لديهم من ماعز وأغنام ويذهب بها إلى الخلاء خارج منطقة السكن ويدعها ترعى من نبات الأرض النادر إذا كانت هناك نباتات من جراء الأمطار أو من بعض النباتات القليلة الجافة في وقت الصيف ومن خشاش الأرض، وقبل المغرب بقليل يجمع السراح ماشيته ويعود بها إلى البراحة أو البلاد، ويسلم كل بيت ما يخصهم من ماشيتهم ويفرح الأهالي بعودته.

المسرح والمروح

ويشير الظهوري إلى أن مهنة السراح، ويطلق عليها أيضاً «المسرح» وكذلك «المروح» كانت تشتهر في المناطق الجبلية البدوية، واشتهرت عدد من القبائل بهذه المهنة، منها قبيلة الظهوريين والشحوح، ويقول: «ارتبطت هذه المهنة بمواسم السنة، ففي فترة الشتاء يقوم صاحب الأغنام والماعز بعد تسريح ماشيته من (الزرب) أو (الحظيرة) وهو المكان التي تقيم فيه الماشية، ليبدأ (السراح) برحلة تسريح الماشية ورعيها بعيداً عن البيوت، حيث يَخرج من كل فريج شخص واحد وهو المسؤول عن هذه المهنة، ويأخذ معه ماعز وأغنام البيوت المجاورة، وفي بعض الأحيان يتم ترك الأغنام والماعز في المكان ويرسلون لها شخصاً يسمى (مروح) من أجل إعادة هذه الماشية إلى أهلها وحظيرتها».

أما في موسم الربيع، فيتم تسريح راعٍ يلازم الماشية في جميع خطواتها حتى لا تسبب الأخيرة خسائر في الحبوب، ويقول الظهوري: «كان المسرح يسرح وراء الماشية من الصباح وحتى فترة الظهيرة، ومن بعد صلاة العصر وإلى المغرب، وكان يراقبها عن كثب حتى لا تأكل الحبوب والزراعة».

ويوضح الظهوري أن مهنة السراح كانت تستمر طوال مواسم العام، ويقول إن أهل المناطق الجبلية كانوا في أيام من فصل الصيف يتركون منازلهم الكائنة في سفوح الجبال وينتقلون للعيش في السواحل، وهنا كانوا يلجؤون لشخص يرعى ماشيتهم ويسمى «المودع» أو «المقيض» الذي كان يهتم بالماشية ويرعاها ويقدم لها السقاية والطعام، في المقابل كان يستفيد من حليبها ويقدم له بعض الدراهم نظير خدمته، وبعد انتهاء تلك الأيام كان أصحاب الماشية يستلمون «حلالهم» منه، ويقدمون له التمر الذي يجلبونه من الساحل.

ويشير الظهوري إلى أن النساء وكذلك الأطفال من سن 10 سنوات فما فوق، يشاركون في هذه المهنة. أما أعداد الماشية التي يتم تسريحها فكانت تصل إلى 100 رأس من الخرفان والماعز.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات