وثيقة بريطانية تصف العيد في الإمارات قديماً

شجرة الرولة عبّرت عن دفء العلاقات وجمعت الأهالي تحت ظلّها | أرشيفية

منذ عام 1820 وبسْط بريطانيا نفوذها على منطقة الخليج العربي وحتى عام 1971، وخلال تلك الفترة الطويلة تتابعت الوثائق والتقارير البريطانية واصفةً، ومبينةً، وشارحةً، ومفسرةً، وناقلةً، ومدبرةً، وشاهدةً وموثقةً كل ميادين الحياة، وفي خصوصيات محددة.

ولهذا كانت هذه الوثائق تشكل ميداناً كبيراً للباحثين والدارسين. ومن هذه الوثائق ما يُعرف بأوراق أو وثائق هاولي (Hawley Papers) تتضمن ما دونه وما احتفظ به السير دونالد فردريك هاولي (Donald Frederick Hawley) طوال خدمته في سلك الدبلوماسية والسياسة البريطانية. وأثناء عمله في السودان والإمارات وماليزيا وغيرها. ويحتفظ الأرشيف الوطني في أبوظبي بهذه المجموعة حيث زودني بوثيقة هذه الحلقة.

وُلد، صاحب هذه الوثيقة، دونالد فردريك هاولي، في مقاطعة إسيكس بالمملكة المتحدة عام 1920. ودرس في مدرسة رادلي بأكسفوردشاير ثم في نيوكولدج بجامعة أكسفورد، ثم حصل على البكالوريوس في القانون عام 1941 ثم انخرط في العمل الحكومي بسفره إلى السودان، حيث أقام فيها مدة ليست بالقصيرة انتهت عام 1956، وهناك تقلبتْ به الأحوال في الترتيب الإداري والسياسي في الإدارة الاستعمارية البريطانية في السودان، ثم انتقل للعمل في منطقة الخليج العربي كمقيمٍ سياسي في المنطقة بين عامَي 1958 و1961. ثم عين رئيساً للبعثة الدبلوماسية البريطانية في القاهرة بين عامَي 1962 و1964 ثم في لاجوس بنيجيريا بين عامَي 1965 و1967، ثم ملحقاً اقتصادياً أو تجارياً في بغداد بين عامَي 1968 و1971 ثم قنصلاً عاماً في مسقط عام 1971 ثم سفيراً بين عامَي 1971 و1975، ثم تواصل عمله في الدبلوماسية البريطانية في أوغندا وباكستان والهند وبنغلاديش، وكان آخر وظائفه الرسمية في ماليزيا بين عامَي 1977 و1981. ثم عاد إلى بريطانيا حيث عمل عضواً ثم رئيساً لمجلس أمناء جامعة ريدينح بين عامَي 1981 و1994، وبعدها تقاعد وتفرّغ لحياته الشخصية والتأليف مصحوباً بخبرة طويلة في العمل السياسي والدبلوماسي. ومات في 31 يناير 2008.

يوم العيد

الوثيقة التي نحن بصدد قراءتها تندرج ضمن وثائقه في الإمارات «Eid in the Trucial States, 10 Apr 1959 »، تحت رقم: HAW 10/‏‏‏‏‏3/‏‏‏‏‏25-26. نطلع من خلالها على طريقة الساسة البريطانيين في توثيق الحدث، مع تفاصيله وشخوصه وأشخاصه وزمنه ومكانه. كما نتعرف من خلالها على كيفية احتفال الأهالي بيوم العيد. وهذه الوثيقة مؤرخة بــ10 أبريل 1959 الموافق ليوم الجمعة 2 من شوال 1378 هــ. ومعنونة بــ«العيد في إمارات الساحل». وكان العيد بالتالي في يوم الخميس. وذكر أن يوم الأربعاء كان آخر أيام رمضان، وهو اليوم الثلاثون للشهر الفضيل حسب تحويل التاريخ الميلادي إلى الهجري، إلا أن الوثيقة تشير إلى أن يوم الأربعاء كان اليوم الـ29 من شهر رمضان، إذ بات الناس ليلتهم على اعتبار أنهم سيتمون اليوم الثلاثين في يوم الأربعاء، ولهذا تسحروا استعداداً ليوم الصيام. وفجأة في ليل يوم الأربعاء وصل تلغراف إلى دبي يخبر أن هلال شوال قد رُؤي في السعودية، وبناءً عليه فإن المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، أعلن أن يوم الخميس هو غرة شوال وهو يوم العيد. وتذكر الوثيقة أن الناس لم يكونوا مستعدين لهذا الأمر لأنهم كانوا ينتظرون يوم الخميس للتبضع الأخير قُبيل يوم العيد، وهو حسب اعتقادهم سيكون يوم الجمعة. وأن كثيراً منهم لم يكونوا مستعدين أيضاً لإعداد وجبات العيد من الأطعمة والمأكولات.

تهنئة بالعيد

يذكر هاولي أنه ذهب في صباح يوم الخميس للسلام على المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، وتهنئته بالعيد السعيد ثم ذهب إلى الشارقة لمقابلة الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، رحمه الله، للسلام عليه كذلك. وهناك التقى أيضاً بعدد من الوجهاء، وزارهم في بيوتهم، وشاهد فن العمارة فيها، وما بها من زخارف وحِليات، ويصف بدقة بيت خان صاحب في الشارقة. ثم يقول إنه زار الشيخ محمد بن صقر القاسمي، رحمه الله، للسلام عليه، فوجده متوعكاً بعض الشيء، ولكنه يتمتع بنفسية رائعة. وهناك دار نقاش مع الحضور حول ما حدث من تحديد يوم العيد، وأنه ربما حدث خطأ في الرؤية من بعض الناس الذين شهدوا برؤية هلال شوال. ثم زار الوجيه إبراهيم المدفع، رحمه الله، للسلام عليه والتحدث إليه عن بعض الأمور. ولاحظ هاولي أن كثيراً من الشيوخ والوجهاء في الشارقة يضعون صورة الرئيس المصري جمال عبدالناصر في مجالسهم كتعبيرٍ عن حبهم له. ويذكر أن صباح يوم العيد كان الطقس لطيفاً، ولكن اتجه صوب الحر قليلاً في نهاية اليوم. ثم يتحدث هاولي عن الحركة التجارية النشطة في دبي، وأن التجار كانوا يقدمون العصائر والحلويات والبسكويت والبيبسي كولا لضيوفهم القادمين لتهنئتهم بيوم العيد، وبنهاية اليوم امتلأت معدته بالمشروبات وما تناوله من مأكولات. وبعد الظهر غادر دبي إلى عجمان للقاء الشيخ راشد بن حميد النعيمي، رحمه الله. وهناك وصف الحصن الذي يقيم فيه، ووصف مجلسه، وفناء الحصن، والزخارف التي تزينه، بل وصف هيئة الشيخ وملابسه.

ملابس جديدة

ثم يعود هاولي أدراجه إلى الشارقة مع وقت العصر، وهناك شاهد احتفالية يوم العيد حيث تجمع الأهالي في ساحة الرولة، حيث الشجرة الكبيرة الوارفة الظِلال. هو حسب قوله منظر رائع وبديع. ولاحظ أن الساحة تعج ببائعي الحلويات، والأطفال من الجنسين بملابس العيد الجديدة، وكان الجمهور يرحبون ببعضهم البعض، ويحيون بعضهم البعض ويباركون لأنفسهم بالعيد السعيد. وشاهد الأرجوحات (المريحانات) مشدودة على أغصان الشجرة القوية، والبنات الصغيرات يتمرجحن عليها، بملابسهن الزاهية الألوان: الأصفر والأخضر والبنفسجي، وتبدو عليهن السعادة والفرحة. ويلمح إلى أن الأولاد الصغار هم الذين يقومون بدفع البنات وهن في الأرجوحات. وهو هنا يؤكد أن مَن يستخدم المراجيح هن الإناث وليس الذكور. ويقول إن هذه فرصة للصغار للعب قد لا تتهيأ لهم عندما يكبرون.

تناسق جميل

ويشير إلى أنه في جانب من الساحة توجد مجموعة من المغنين والراقصين، ويشير إلى الليوه تحديداً، ويلفت النظر كذلك إلى الهبان. كما يصف أداء العيالة ووقوف الرجال في صفين متقابلين، وبيدهم العصي، وهم يتمايلون رافعين العصي، وخافضينها في تناسق جميل وتام. وبينهما ضاربوا الطبول والدفوف يتحركون جيئة وذهاباً. وأشار إلى مَن سمّاه رئيس الموسيقيين وهو يتمايل في وسط العيالة. ويقول إن غناءهم كان متناسقاً بشكلٍ مدهش، أثار إعجابه. ومن ملاحظاته الملفتة للنظر إشارته إلى المفرقعات التي سماها «المفقرعات الصينية» (أو الشلج حيث تسمى محلياً) التي يطلقها الأطفال فتحيل المكان وكأنه في أتون معركة ضخمة تصيح فيها أصوات البنادق. ويعلق على أن أكثر الآباء متساهلين في استخدام هذه المفرقعات، ومتسامحين في تعامل أبنائهم معها، إلا أن طائفة قليلة منهم يرون فيها خطراً على أولادهم.

ويشير إلى أن النظر إلى هذه المفرقعات بشكلٍ سلبي بحيث يؤدي في النهاية إلى منعها سيؤثر كثيراً على التجار الذين يبيعونها ويسوقونها ويربحون بالتالي من المتاجرة بها.

ويقول هاولي إن من أكبر الصعوبات في رمضان مقابلة الحكام لأنهم صائمون في النهار ويقللون ساعات اللقاء بهم، ولكن بحلول العيد فإن كل شيء يعود كما كان قبل رمضان، ويستطيع بالتالي إجراء اللقاءات مع كبار المسؤولين وتحديد المواعيد معهم. وفي موضع من الوثيقة يلمح هاولي إلى أن هذا الاحتفال كان يتم بأمن وسلام دون إشكاليات، وكان في السابق كما يذكر أن بعض الطرقات الخارجية تتعرض لهجمات بعضهم، ولكن مع وجود الكشافة بدأت تضعف هذه الهجمات بل وكادت تختفي. وبالتالي كان الاحتفال في جو آمن ومسالم ضمن فرحة الناس وسعادتهم بالعيد.

ملاحظة قوية

وفي ختام هذه القراءة نلاحظ كيف كان الساسة البريطانيون شديدي الملاحظة، دقيقي النظر، حادي الانتباه، يدونون ما يرونه وما يسمعونه وما يُنقل إليهم. وكما رأينا كيف كان الاختلاف في تحديد بداية شهر رمضان ونهايته يسبب إرباكاً للناس. كما عرفنا كيف كان الأهالي يستقبلون العيد، وكيف يتم الإعلان عنه والتبليغ به. وكيف كان السياسي البريطاني حريصاً على التواصل مع القادة والوجهاء وعامة الناس، فيعينه ذلك على معرفة المجتمع وكيفية التعامل معه بدقة ومن خلال فهم عادات أهله وتقاليدهم وتراثهم واستيعاب سلوكياتهم، ولهذا حين يتحدث معهم يعرف من أين يبدأ وأين ينتهي ويتوقف.

أهل الخير والتسامح

يروي دونالد فردريك هاولي، في وثيقته، صدق وجماليات مشاعر الفرح الجماعية للناس في يوم العيد، ومشاركة بعضهم البعض في منظومة واحدة تدل على أُصر التعاون ووشائج المحبة في المجتمع المحلي. وهذه بطبيعة الحال أحد أهم دعائم ترابط ولحمة المجتمع في الإمارات منذ القدم، والتي تدل على سمات أهلها، المرحة والخيرة والمتسامحة والمتآخية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات