جذور

للرحلات آداب وللرحّالة مآرب وأسباب

لقد أثار الحديث عن الرحلات قراءتي لكتاب «لِلّيل طائره.. وللنّهار المسافات»، للأديب الأريب الأستاذ ناصر الظاهري، الذي أبدع في صياغته وأجاد في كتابته.

وأحسن في تقديمه للقرّاء بصورة سهلة ميسّرة، سرد فيه حكاياته في أسفاره المختلفة بصيغة العناوين التي أدرج فيها تجاربه ومآربه وهواياته ورؤاه وأحلامه.

وبأساليب جميلة لا تخلو من الإبداع والفكاهة واللطافة والصراحة. ومن هناك شرد ذهني نحو كتابة الرحلات والإعداد لها وتحريرها من قِبل الرحّالة أنفسهم أو من آخرين قاموا بتحرير هذه الرحلات وكتابتها أدبياً، وتأهيلها علمياً ثم طباعتها ونشرها وبثّها بين القرّاء ليتعرّفوا إلى حكايات وقصص أولئك الرحّالة.

ولي تجربة في تدوين سفراتي وتسجيل رحلاتي التي تجاوزتْ حتى الآن 40 حلقة نشرتُها في «مجلّة بلديّة رأس الخيمة» بتشجيعٍ من الأديب الدكتور هيثم الخواجة حين كنتُ متردّداً في الكتابة في بداية التجربة.

لذا نضع بين يديكم مقتطفات من أدب الرحلات والرحالة الذين أطلّوا على منطقتنا، وجالوا فيها، وعايشوا أهلها، وتعرّفوا على عاداتها وتقاليدها وآثارها، وألّفوا كتباً عن رحلاتهم وتجاربهم.

زائرون في كُتيّب

وممّا أثار اهتمامي بالموضوع كذلك كُتيّبٌ وضعتْه السلطات البريطانيّة في الهند بعنوان:

" Record of Some Travelers in Asia East Africa and Arabia whose Works Have Been of Interest to the Government of India Commencing from 1875"

ويحتوي هذا الكُتيّب على سجلٍّ وافٍ وموجز في الوقت نفسه عن الرّحّالة الذين تجوّلوا أو كانوا يتجوّلون آنذاك في أفغانستان وآسيا الصغرى والصين وشرقيّ أفريقيا وشبه الجزيرة العربية والهند الصّينيّة وروسيا الآسيوية وسيام وهضبة التبت والحدود الشمالية والشمالية الشرقية والشرقية للهند.

أولئك الرّحالة الذين حازت أعمالهم اهتمام الحكومة في الهند، ابتداءً من 1875، وحتى تاريخ النشر عام 1910.

وهم كثيرون من البريطانيين والهنود والألمان والفرنسيّين والدانماركيّين وغيرهم من الأوروبيّين والأمريكيين.

ويسجّل الكُتيّب معلومات في جدول ذي أعمدة متوازية تحمل الرقم المتسلسل، والاسم، والتاريخ، والبلدان التي تمّت زيارتها أو التي تمّ اجتيازها باختصار، والنّتائج أو الملاحظات.

إضافة إلى عمود أخير يدوّن النتائج والملاحظات، والتقارير الرسمية أو المنشورات الأخرى للرحلة أو أيّ معلومات إضافية إن وُجدتْ. وجاوزتْ أعداد الرحّالة إلى بلاد العرب الثلاثين شخصاً حتّى عام 1910.

أهداف وغايات

لكلّ واحد مِن هؤلاء الرحّالة قصّة، ولكلّ واحد مِنهم حكاية، ولكلّ واحد مِنهم هدف وغاية، ولكنّهم يلتقون كلّهم على رغبة في استكشاف بلاد العرب بين القرنين السابع عشر والعشرين. لأنّها بالنّسبة لهم وبالنّسبة لعلمائهم وساستهم.

وبالنّسبة لمفكرّيهم وقادتهم كانت بلاداً غريبة، غامضة، بعيدة، مجهولة. ومهما كانت أهداف الرّحّالة فإنّها لا تقلّل من الأهمية العلميّة والتاريخيّة والآثاريّة والأدبيّة لهذه الرّحلات؛ لأنّ أصحابها كانوا مغامرين متمرّسين وعلى معرفة بتاريخ المنطقة القديم والحديث.

طرق وأساليب

وممّا يلفت النظر أنّ بعض الرحالة اتبع طرقاً صحيحة في نسخ الرسوم الصخرية والنقوش والكتابات، ما أكسب عملهم طابعاً علمياً يستفاد منه عند كتابة التاريخ القديم للمنطقة.

وكوّنت معلوماتهم مصدراً للدراسة العلمية، ولا تزال أعمالهم تثبت دقّة كاتبيها يوماً بعد يوم، وتعد عنصراً مهماً لكلّ باحث في تاريخ المنطقة.

وهذا أسهم في الكشف عن آثار الشرق الأدنى القديم، كما ساعد حبّ المغامرة على الوصول إلى الأماكن التي ورد ذِكرها في المصادر الدّينية والكلاسيكية.

وفي الوقت نفسه قاموا بتدوين الروايات الشفهية التي ساعدت في عمليات الكشوف الآثارية، وحفظ هذه المرويات من الاندثار. ومنحهم تنقّلهم بوساطة وسائل نقل محلية الوقت لتسجيل ملحوظاتهم وتوقيتهم لمراحل الأسفار التي يمكن مقارنتها بالعصور الغابرة.

اكتشافات مهمّة

وكذلك جرى عن طريقهم اكتشاف عدد من المدن المجهولة، والإشارة إليها موقعاً وآثاراً ووصْفاً. وتحديد عدد كبير من مواقع الاستيطان القديمة خلال جولاتهم الميدانيّة.

ونالت اهتماماً عظيماً من الباحثين اللاحقين. ومن حُسن الحظّ أنّ كثيراً من هذه النقوش محفوظ في الكتب الآن.

وعملوا على توثيق معالم آثارية لم يعد لها وجود؛ إذ اندثرت بفعل عوامل الطبيعة أو التدخل الإنساني.

وشجّعتْ نتائج الكشوف الآثاريّة ونشر التقارير والكتب عدداً أكبر من المغامرين والمتخصّصين على زيارة المواقع المكتشفة والكتابة عنها. وتركّزت تقاريرهم على:

* تجارة البخور.

* تقديم وصْف مفصّل عن المصادر الطبيعيّة لكل منطقة والتعرف إلى نوعيّة الحيوانات والطيور.

* توثيق المقومات الزراعية والمحاصيل السائدة والأساليب المستخدمة ومصادر المياه والسدود.

* وصْف العقاقير والأدوية وطرق العلاج.

* وصف الصناعات المحلية كصناعة الأدوات المنزلية والزراعية.

التمثيل والتمثّل

إذاً؛ ماذا كانت تمثّل بلاد العرب بالنّسبة إليهم؟ هي عالَم جديد أو هي ميدان فريد. وفي اعتقادي هي بالنسبة إليهم الاثنان معاً، ولهذا بذلوا مجهوداتهم في الاستكشاف والتدوين والنسخ والتصوير والرسم. فبعضهم هالَهُ ما رأى، وبعضهم انتقصَ ما شاهد، وبعضهم أُعجِب بما عرف، وبعضهم أحبّ ما اطّلع.

ماذا سجلوا؟

وكان مِن نتائج هذه الرحلات والزيارات والتنقّلات تسجيل عدد كبير مِن المواقع الآثاريّة في شبه الجزيرة العربية بما فيها مِن عمائر ومدافن ونقوش وكتابات ورسوم ومبانٍ وتضاريس وأشكال وطبيعة وسكان.

وشكّل ما وصفوه ودوّنوه وسجّلوه ورسموه مصدراً مهمّاً لكلّ مَن جاء بعدهم مِن الباحثين والمؤرّخين والآثاريين واللّغويين والدّارسين. وكانوا يقدّمون هدايا لشيوخ القبائل منها البنادق والأسلحة في سبيل الوصول إلى المواضع البعيدة.

رفْض وقَبول

أصبحت كتاباتهم في الوقت نفسه ميداناً للنقاش والحوار والنقد والقبول والرفض والتفنيد، ما يدلّ على عمق وتأثير ما قاموا به. وليس كلّ ما كتبوه هو الحقّ، إِذ اختلفتْ رؤاهم وتعدّدتْ تفسيراتهم وتنوّعتْ آراؤهم. فَمِنهم مَن هاجم بعنف كلّ ما يمتّ إلى الإسلام بصلة، وأعلى بعنف كلّ ما يتّصل بالجاهلية. وركّز بقوّة على كلّ ما له علاقة بالمحتلّين ديناً وجنساً.

وأبرز كلّ ما له صلة بالديانات الأخرى ديناً وهويّة. ومِنهم مَن ركّز على الجوانب العلميّة والثقافيّة والاجتماعيّة والبيئيّة دون تعصّب أو ازدراء للآخر أو إعلاء طرف على طرف. ومِنهم مَن تعمّق في دراسة النّقوش والكتابات ورسمها وتصويرها فأبدع في ذلك أيّما إبداع.

عِلم ونقْد

قارنَ الرحّالة وقرؤوا وفسّروا وبيّنوا، فلذلك نتج عنهم علم غزير للباحثين مِن بعدهم.

وقد أَخذَ بعض المحدَثين على أولئك الرحّالة أنّهم أساؤوا فهْم أوضاع بلاد العرب أثناء تجوالهم ولم يقدّموا للعالم الغربي صورة واضحة عن آثارها ونقوشها وسكّانها، خاصّة أنّ بعضهم كانت تحرّكهم روح التعصّب والانحياز، وأنّ بعضهم قد قرأ الكتابات القديمة حسب فهمه وهواه. وأنّهم ربطوا وقائع بلاد العرب بأخبار العهد القديم. كما يقال إنّ لهم صلة بقوى الاحتلال الأجنبي.

مناطق وزيارات

تركّزت بدايات الزيارات الغربية على المنطقة الشمالية الغربيّة والجنوبيّة الغربيّة مِن بلاد العرب. ثمّ شملت بقيّة أرجائها وبالذّات منطقة الخليج العربي ونجد وصحراء الربع الخالي.

ويكاد يكون الدّانماركي كارستن نيبور (Carsten Niebuhr) أوّل هؤلاء الرحّالة البارزين، إذ زار شبه الجزيرة العربية عام 1761. على الرغم مِن وجود زيارات سابقة لهم قام بها سائحون ورحّالة برتغاليون، إلا أنّ زياراتهم تكاد تكون عارضة وسريعة.

رحّالة وزائرون

ومن أمثلة هؤلاء: الألماني أورليخ سيتزن (Ulrich Jasper Seetzen) الذي تنقّل في ربوع فلسطين والأردن وشماليّ بلاد العرب والحجاز بين عامَي 1809 و1810.

والسويسري يوحنّا لودويك بركهاد (Johann Ludwig Burckhard) عام 1828، الذي قام برحلة إلى الحجاز، وتزيّا بزيّ رجل مسلم يدعى «إبراهيم بن عبدالله». وقد صحب الحجّاج، ووصف موسم الحجّ وصفاً دقيقاً، وكتب عن مكة والمدينة ثمّ زار آثار الأنباط وعاصمتهم البتراء. والضابط البريطاني جيمس ويلستيد (James Raymond Wellsted) عام 1835.

قام الصيدلي الفرنسي توماس جوزيف أرنو (Thomas Joseph Arnaud) برحلة إلى اليمن.

وتمكّن بفضل علمه بالعقاقير، من اكتساب صداقة مشايخ القبائل وزعماء المقاطعات، وعن طريق هذه الصداقة استطاع أن يتجوّل في بعض أنحاء اليمن ومدنها، وزار آثارها واستنسخ عدداً من نقوشها وكتاباتها. وتبعه اليهودي الفرنسي جوزيف هالڤِي (Joseph Halevy)، المولود في أدرنة عام 1827 الذي أتقن العبرية ودرّسها.

جنسيات ولغات

كان الرحّالة والزائرون الذين زاروا الجزيرة العربية، في البواكير، من جنسيّات متعدّدة، من بريطانيين وفرنسيين وهولنديين ودنماركيين ونمساويين وسويسريين وتشيكيين وطليان وإسبان وروس. وهم كتبوا أيضاً بلغات مختلفة، ونتج عن مِثل هذه الرحلات كتب ومصنّفات عدة طُبع معظمها، وتُرجِم كثير مِنها إلى لغات عدة. واتّضح أنّهم يعرفون اللّغات الأخرى كالآرامية والعبرية والسريانية والبابلية والآشورية.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات