الألقاب والنّعوت في الوثائق والمراسلات البريطانية 2-2

لقد كانت تلك القوائم التي أشرنا إليها في الحلقة السابقة دليلاً مهمّاً على اهتمام السلطات البريطانية بطرق وأساليب التخاطب مع الشيوخ والأمراء والسلاطين في منطقة الخليج العربي، مما يشير إلى حرص البريطانيين كذلك على التماشي مع الوقت والتوافق مع الأحوال السياسية في المنطقة.

«حكم باليوز»منذ الصغر كنّا نسمع عن: «حكم باليوز» ولم أكن أعي معنى هذا الاسم سوى كونه يشير إلى حكم الغبلة والقهر، حيث تقال العبارة حين يجبر شخص شخصاً آخر على تنفيذ حكمه وأوامره، ويقهره على ذلك، وقد سبق لي أن تحاورت مع الباحث المجدّ سلطان العميمي، حول هذا الموضوع تحديداً، وأكّد لي ما تحصّلتُ عليه من معلومات، وأفادني ببعض الأمور. وحين قراءاتي للوثائق والمراسلات تكشّفتْ لي حقيقة العبارة وأنّها فعلاً تشي بالغلبة والقهر والقوّة والتحكّم وإن كانت في المراسلات والمخاطبات تعني منصباً معيّناً إلا أنّ هذا المنصب يحمل في طيّاته معاني القهر والغلبة والمجد والسلطة وهو ما يتمتّع به صاحبه في حقبة من الزمن مرّت على المنطقة. وظلّ الاسم متداولاً بين الأهالي كمعنى وليس كمنصب.

 

باليوز اللقب

من أكثر الألقاب شيوعاً هو مسمّى: «بَلْيوز» أو «بالْيوز»، ويقال: هي لفظة إيطالية الأصل من (balio) بمعنى القنصل أو الحاكم، وكانت تطلق على رؤساء المستعمرات التابعة للبندقيّة ثمّ تطوّرت لتشير إلى السَّفير تحديداً، وقيل: إنّ الباليوز كلمة كانت تطلق على القنصلية البريطانيّة في بغداد أو تشير إلى القنصل العام أو المعتمد السياسي العام. كما هو مذكور في معجم الألفاظ العامّيّة. وقيل كذلك أنّ أصلها يوناني أو فرنسي من بايلوس baylos. وقيل: إنّها لاتينيّة الأصل من (bajulus). وكان البليوز هو المعتمد السياسي البريطاني العام في الخليج.

 

پريدوكس

من الجدير بالذِّكر أنّ الكابتن پريدوكس، المولود عام 1871، يعدّ من القادة العسكريين البريطانيين المعتبرين منذ التحاقه في شبابه بالجيش عام 1890 ثم خدمته في السلطة البريطانية في الهند ثم عمله في الإدارة البريطانية في الخليج العربي منذ عام 1895 ثمّ تواصلتْ خدماته في سلطة الاحتلال البريطاني في المنطقة في بوشهر ثم في البحرين إلى تقاعده عام 1927، وتوفّي عام 1938. وفي رسالة بتاريخ 14 سبتمبر 1905 بعثها پريدوكس نفسه إلى المقيم السياسي البريطاني في بوشهر، يستفسر فيها عن لقب: «بليوز» التي تُطلق عادة على المعتمد السياسي في البحرين، فأجابه بأنّ هذه اللفظة تستخدم في عُمان وبقيّة أرجاء منطقة الخليج العربي للدّلالة على رئيس الممثّليّة البريطانيّة في أيّ مكان. وأنّ الأهالي يرون في هذا اللقب أكثر تبجيلاً من لقب «القنصل». ويشير إلى أنّ هذا المسمّى يُطلق فقط على الممثّل السياسي والدبلوماسي البريطاني فقط دون غيره من الأجانب.

 

صلاحيّات فائقة

ولهذا كانت الصلاحيّات الإداريّة التي اكتسبها في هذا المنصب تنمّ عن ثقة كبيرة من حكومة الهند البريطانيّة لهذه الشخصيّة القياديّة المتميّزة بغضّ النّظر عن تمثيله لقوّة احتلال في المنطقة. ولهذه الحقبة التي تولّى فيها پريدوكس المنصب سُكّ ختم معدني خاصّ نُقشت فيه عبارة بالعربيّة: «باليوز دولت الإنكليس في الخليج». ويؤرّخ الختم بـ10 أغسطس 1909. ومن الإشارات التاريخيّة المهمّة أنّ من أوائل مَن حمل هذا اللقب الكابتن لويس پيللي (Lieutenant General Sir Lewis Pelly)، أحد أبرز القادة والعسكريّين البريطانيّين في الهند وفي منطقة الخليج العربي منذ عام 1853 حيث توضّح إحدى مراسلاته حمله لقبه بليوز الخليج. وكانت مراسلات وتوقيعات المسؤولين البريطانيين في الخليج تحمل لقب: «باليوز دولة بريطانيا» وخاصّة في عقد الثلاثينيات. ومن الاسم ظهر مسمّى: «وكالة الباليوزيّة، ومسمّى: «باليوزيّة الدولة».

 

الألقاب المستعملة والنّعوت المتداولة

من خلال قراءاتي واطلاعي على مراسلات حقبة طويلة من الزمن، لاحظت استعمال هذه الألقاب:

1- تكرّرت كثيراً ألفاظ: «جناب» و«حضرة» و«عالي الجاه»، و«عالي الجناب»، و«عزيز الجناب».

2- ذو الشوكة والإجلال أو الجلال أو ذو الشوكة والاقتدار أو ذو الشوكة عالي الجاه.

3- جناب المحبّ الناصح.

4- عالي الجاه.

(5- الأحشم.

6- الأفخم المكرّم أو المكرّم الأحشم أو المفخّم أو وعميد الأكارم أو صاحب الفخامة.

7- الأشيم.

8- الأجل الأمجد.

9- حميد المكارم والشِّيم أو حميد الشِّيم أو حميد السجايا.

10- المحترم المودّ.

11- صاحب العدالة والمجد.

12- المقام السامي.

 

ألفاظ أجنبية

كما لاحظت استعمال الألفاظ الأجنبية للدلالة على الشخص: المسيو والمستر والجنرال والكولونيل والميجور والكابتن وأحياناً يكتب عوضاً عنها: قبطان.

 

مراسلات وخطابات

وحين تتمّ المراسلة من جهة السلطة البريطانيّة إلى شيوخ الخليج العربي فغالباً ما يرد:

1- «لحضرة الأجل الأفخم الأعزّ الشيخ…».

2- «حضرة الأكرم الأفخم حميد الشِّيَم المحب الشيخ…».

3- «حضرة رفيع المقام الموقّر فخامة الشيخ…».

4- «إلى حضرة الأجل الأكرم المكرّم المحبّ الشيخ…».

5- «حضرة الأكرم الأفخم الشيخ….. المحترم».

6- «حضرة الأفخم الأمجد المودّ الشيخ… الموقّر» أو «المحترم».

7- «حضرة الأفخم الأمجد المكرّم صاحب السعادة الشيخ…..».

8- حميد الشِّيَم صاحب المعالي.

9- أو تضاف: «حميد المكارم».

10- أو تضاف: «المحبّ العزيز».

11- أو يضاف لقب: سير إذا كان الحاكم يحمل لقب فارس أو ما يعادل هذا اللقب.

12- وفي مراسلات عام 1962 نجد خطاب المقيم السياسي يرد فيه بالعربيّة: «حضرة المكرّم الفاضل صاحب السمو الشيخ…»، بينما هي في الإنجليزيّة: «صاحب السعادة» أو «صاحب المعالي». وفي مراسلة أخرى يكتب المقيم السياسي: «حضرة الأكرم المكرّم صاحب العظمة الشيخ….»، بينما هي في الإنجليزية: His Highness.

تغيّر في الأساليب:

وفي عقَدي الخمسينيات والستينيات تغيّرت أساليب المخاطبة والاكتفاء ما يلي:

أ. «حضرة صاحب السعادة المستر…».

ب. «حضرة صاحب السعادة الأفخم المستر..».

ج. «حضرة صاحب السعادة المعتمد السياسي» أو صاحب الفخامة.

وهذا أمر ملفت للنّظر بحيث اختفاء الألقاب الطنّانة القديمة، واستعمال عبارات أكثر واقعيّة، وتوافقيّة مع التاريخ والمنطق.

 

مع المسؤولين من غير البريطانيين

وإذا كان المخاطب أحد أبناء المنطقة من العاملين في السلطة البريطانية في الخليج فترد العبارات التالية:

إلى جناب المكرّم الأجل الأشيم الأحشم الأمجد الوفيّ الصفيّ الولد..

جناب الأجل الأكمل الأحشم الأفخم الأمجد الوفيّ الشيخ الولد…. وكيل الدولة البهيّة القيصريّة.

الفاضل الشيخ العزيز والكهف الحريز خان بهادر.

و«إلى جناب الأكرم الأمجد خان بهادر..»

 

خلاصات وخاتمة

خلال مدّة زمنيّة طويلة تداول قادة ومسؤولو الخليج العربي من الشيوخ والحكّام ومن بريطانيين ألفاظاً وكلمات وعبارات تتوافق مع العصر في عقوده المختلفة. وكان استعمال هذه المصطلحات مناسباً في زمانها إذ لم تكن منكرة في وقتها بل كان العصر بعمومه متعارفاً عليها، ولهذا حين حلّ عقدا الخمسينيات والستينيات تغيّرت الأساليب، وأصبحت أكثر موضوعيّة واتّزاناً وتوافقاً مع الواقع.

 

البليوز

كان البليوز هو المعتمد السياسي البريطاني العام في الخليج العربي، وكان يقيم في ميناء خرم شهراً ثم انتقل مقرّه إلى البحرين وكان الناس يسمّون زوجة الباليوز بولُو. (من معجم الألفاظ). وقيل: إنّها كذلك في التركية «باليوز» بمعنى مطرقة ضخمة، وهي أيضاً لقب لسفراء الدول الأجنبية. وحمل سفير البندقيّة بإسطنبول لقب بليوز، كما أطلقتْ اللفظة في فارس على رئيس أو مدير شركة الهند البريطانيّة الشّرقيّة. وتطوّر المنصب ليضمّ لصاحبه صلاحيات أكبر عبر الوقت ثمّ مُنح تفويضات أشمل عام 1904 ليحمل بعدها مسمّى: «المعتمد السياسي البريطاني» وأول مَن شغله من المعتمدين البريطانيين في الخليج هو الكابتن فرانسيس بيفيل پريدوكس، عام 1909، وظلّ منصب المعتمد قائماً حتى استقلال دول الخليج العربي.

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان

تصدر كل خميس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات