جذور

الألقاب والنعوت في الوثائق والمراسلات البريطانية (1-2)

الدّارس لتاريخ منطقة الخليج العربي الحديث يجد كمّاً هائلاً من الوثائق، سواء كانت الأجنبيّة أم المحلّيّة، وتحديداً الوثائق البريطانيّة التي تزخر بها مكتبات المملكة المتحدة والهند ومكتبات دول الخليج، والمكتبات الرقميّة والأراشيف الخليجيّة المختلفة.

وقد استفاد منها الباحثون كثيراً بما يتعلّق بالأحداث والوقائع والأخبار السياسيّة والاقتصاديّة والأوصاف الجغرافيّة والبيئيّة والتضاريسيّة. إلا أنّه وبعد متابعتي وقراءاتي لعددٍ كبير من المراسلات الموثّقة بالخطّ والرسم، لاحظتُ صياغات الديباجة والعبارات المدوّنة التي تداولها شيوخ وأمراء وسلاطين وملوك الخليج العربي بلا استثناء مع المسؤولين البريطانيّين في فترة طويلة امتدّت منذ توقيع معاهدة الحماية عام 1820 وإلى عهد الانسحاب البريطاني من منطقة الخليج.

وخلال هذه الحقبة ظهرت العديد من المكاتبات والمعاهدات والمراسلات التي تطوّرت ديباجاتها ومقدّماتها كثيراً، وفي اعتقادي أنّ مثل هذه العبارات والصّياغات يتمّ كتابتها بناء على الحقبة الزمنيّة وما كان متعارفاً عليه في مثل هذه التداولات الخطّيّة. وهي أساليب متوارثة منذ القدم، واستعمالها في المنطقة يدلّ على معرفة الأهالي بها، أو على الأقلّ أنّ كتّاب الدواوين أو كتّاب الحكّام العرب في عموم منطقة الخليج كانوا على دراية وعلى علم بهذه الألقاب والعبارات والمصطلحات.

كتاب صبح الأعشى

ومنذ زمن طويل فإنّ الألقاب والنّعوت والأوصاف قد تداولها الكتّاب وصنّفوا فيها كتباً، كان من أشهرها كتاب: صبح الأعشى في كتابة الإنشا لأبي العبّاس شهاب الدين أحمد بن علي القلقشندي، المتوَفّى عام 821 هـ /1418م. وقد أبدع القلقشندي في تحليل الألقاب وأضاف عليها، وأشار إلى أنّ اللقب والنّعت يستعملان في المدح والذّمّ جميعاً.

وهذا الكتاب ثريّ، شامل، زاخر، وضع فيه مؤلِّفه فصولاً خاصّة بالألقاب والأوصاف والنّعوت، وفيها أشار إلى أنّ الكتّاب على مرّ التاريخ قد توافقوا على وضْع صفات المدح في صدور المكاتبات، ونحوها بصيغة الإفراد كالأمير والأميري، والآجل والآجلي، والكبير والكبري، ونحو ذلك من الألقاب، إضافة إلى صفات المدح التي يوردونها على صورة التركيب، كسيف أمير المؤمنين، وظهير الملوك والسلاطين، ونحو ذلك من النّعوت. ويضيف إلى أنّه لا يوجد خلاف بينهم في إطلاق اللقب والنعت باعتبارين: فمن حيث إنها صفات مؤدّية إلى المدح، ومن حيث إنها صفات لذوات قائمة بها يطلق عليها اسم النعت. ولما انتهى الحال بالخلفاء إلى التعظيم بهذه الألقاب والنعوت المستعارة، وأدّى بها الحال إلى مجاوزتها الحدّ في الكثرة.

نعوت مُتَدَاوَلَة

وسوف نتحدّث هنا حول الألفاظ التي وجدناها مدوّنة في مراسلات أهالي الخليج، ومن هذه الألقاب أشار القلقشندي إلى لقب: «الجَنَاب»، وهو كما يقول: من ألقاب أرباب السيوف والأقلام جميعاً فيما يكتب به عن السلطان وغيره، من النواب ومَن في معناهم. وأصل «الجناب» في اللغة الفِناء أو ما قرب عن محلّة القوم، ومنه قولهم، لذنا بجناب فلانٍ، وفلانٌ خصيب الجناب، فيعبّر عن الرجل بفِنائه وما قرب من محلّته تعظيماً له.

ومن الألقاب التي ذكرها لقب: «الحضرة»، والمراد بها حضرة صاحب اللقب، وحضرة الرجل قربه وفناؤه. وهي من الألقاب القديمة التي كانت تستعمل في مكاتبات الخلفاء، وكان يقال فيها الحضرة العالية والحضرة السامية والحضرة الشريفة العالية والحضرة الكريمة العالية والحضرة العليّة بحسب ما تقتضيه الحال. وكانت مما يُكتَب بها لأعيان الدولة من الوزراء وغيرهم. وتستعمل أيضاً في مكاتبات الملوك والحكّام والزعماء غير المسلمين.

عموميّة الألقاب حسب الأزمان والأحوال

ويختم استعراضه لعشرات الألقاب بقوله: وقد تبيّن مما تقدّم من الألقاب والنّعوت الإسلاميّة وألقاب غير المسلمين ونعوتهم، أنها ليست واقفة عند حدّ، بل هي راجعة إلى اصطلاح الكتّاب واختيارهم في زيادة الألقاب ونقصها، والإتيان بلقب دون لقب، مع رعاية المناسبة لكلّ مقام وما يحتمله من الألقاب، إلا أن لذلك أصولاً يرجع إليها، وقوانين يوقف عندها، إذا اعتمدها الكاتب ومشى على نهجها ونسج على منوالها.

في المكاتبات المحلّيّة

لقد تخيّرت هذه الألقاب والنّعوت تحديداً من حيث ورودها في المكاتبات والمراسلات والمعاهدات بين إمارات الخليج والمسؤولين البريطانيّين. مع الإشارة إلى أنّ كثيراً من هذه النّعوت والألقاب كانت ترد فقط في المراسلات باللغة العربيّة، بل إنّ المسؤولين البريطانيّين حين يبعثون برسالة إلى أحد شيوخ الخليج وسلاطينهم وأمرائهم فإنّ الترجمة الإنجليزيّة للألفاظ والعبارات غير متوافقة وغير متّفقة، وسوف نضرب أمثلة على ذلك لاحقاً. بل حتى إن المسؤولين البريطانيين في توقيعاتهم يضعون صفة ملازمة لهم بالعربيّة تختلف عن مقابلتها في اللغة الإنجليزيّة.

قائمة أولى للنّعوت

من المعلوم أنّ السلطات البريطانيّة قد وضعت كتيّباً خاصّاً بالألقاب التي تنصح المسؤولين البريطانيين في شبه القارّة الهنديّة ومنطقة الخليج العربي باستعمال نعوت معيّنة دون غيرها، وهو بعنوان:

«List Showing the Names, Titles and Modes of Address of the More Important Sovereigns, Ruling Princes, Chiefs, Nobles etc., Having Relations with the Indian Government, ALQABNAMAH»

«قائمة توضّح الأسماء والألقاب وأساليب المخاطبة الرسميّة لأهم الملوك والأمراء الحاكمين والرؤساء والشخصيّات البارزة، إلخ، أصحاب العلاقات مع الحكومة الهندية، ألقاب نامة» (مطبعة حكومة الهند، نيودلهي، 5 أكتوبر 1935). وهي مكتوبة باللغات العربيّة والإنجليزيّة والفارسيّة. وأدرجت ألقاب حكّام المنطقة ضمن عنوان: (B): الحكّام تحت الحماية.

وفيه ألقاب:

I. صاحب السموّ السّيّد، ويتبعه: صديقي المبجّل والعالي، وفيه أيضاً باللغة العربيّة: حضرة الأفخم الأكرم صاحب الشِّيَم صاحب العظمة السّيّد، بعد التحيّة والاحترام اللائقيْن بعظمتكم. وختام الكتاب: صديقكم الخالص المقيم السياسي في الخليج.

ــ  وفيه أيضاً: صاحب السموّ السّيْر.

ــ  وفيه: صاحب السّعادة. وبالعربيّة: إلى حضرة الأفخم الأكرم صاحب العظمة الشيخ. ثم بعد التحيّة والاحترام اللائقين بمقام عظمتكم.

ــ  وأيضاً إلى حضرة الأكرم الأفخم حميد الشِّيَم صاحب المعالي سمو الشّيخ.

ــ  وأيضاً إلى حضرة الأكرم الأفخم حميد الشِّيَم صاحب السموّ الشّيخ السيْر.

ــ  وأيضاً إلى حضرة الأكرم الأفخم حميد الشِّيَم صاحب السعادة الشّيخ.

ــ  وأيضاً إلى حضرة الأجلّ الأكرم الأفخم الشّيخ.

 

قائمة ثانية للنّعوت

وفي قائمة بريطانيّة أخرى بعنوان: «أساليب المخاطبة في المراسلات مع الزعماء المحلّيّين في الخليج»

«File 13/166 Forms of addresses while corresponding with native chiefs in the Gulf»

وتحتوي القائمة مراجعات لمضامين «ألقاب نامة» ُجريت في أعوام: 1912، و1916 / 1917، و1925 / 1926، و1931، و1934، و1945. وصدرت في 3 يوليو 1945 بصيغة نهائيّة. وهنا نودّ أن نشير إلى أنّ السلطة البريطانيّة الحاكمة تراجع بين فترة وأخرى مقتضيات الأحوال والأوضاع في المنطقة بحيث تكون متوافقة تماماً مع الوضع السياسي لكلّ بلد، وهذا يدلّ على الحرص للوصول إلى أفضل المخاطبات المناسبة لكلّ حقبة زمنيّة، وفي الوقت نفسه مناسبة لكلّ تغيّر سياسي يحدث في البلدان التي يتعامل معها البريطانيّون. ولهذا نلاحظ في هذه القائمة تحديداً تشطيبات وإزالة وإعادة كتابة بخطّ اليد لما تمّ استعماله في السابق وتطلّب إعادة صياغته مرّة أخرى. وبلغ من دقّة العرض أنّه تمّ تدوين الألقاب بالعربيّة وبالحروف اللاتينيّة.

وفي هذه القائمة يرد:

ــ  سموّ السلطان المعظّم المحبّ الأكرم والمودّ الأفخم حميد الشِّيَم والمكارم السّيّد السّيْر.

ــ  وفيها: سرحدار شطّ العرب وعربستان.

ــ  وفيها أيضاً: إلى جناب الأجل الأكرم الأعزّ الأحشم الأفخم المفخّم عمدة الأصحاب المحبّ الشيخ السّيْر. بينما ما يقابله باللغة الإنجليزيّة: «صاحب السعادة».

ــ وفيها أيضاً: إلى جناب الأجل الأكرم الأعزّ الأحشم الأفخم المحبّ الشيخ.

ــ وأيضاً صاحب السموّ الإمام. وبالعربي يرد: الأكرم الأفخم حميد الشِّيَم صاحب العظمة الإمام.

ــ  وفي القائمة كذلك: إلى سموّ حضرة المعظّم صديقنا المودّ المكرّم حميد المكارم والشِّيَم ذوي الشّوكة والاقتدار سعادة السّيّد.

وفي قائمة أخرى صدرت عام 1950 بعنوان: «تحيّات للحكام العرب»، (Salutes to Arab Rulers)، وفي هذه القائمة ألقاب باللغة الإنجليزيّة لا تتجاوز لقبين هما: صاحب السموّ، وصاحب السعادة.

ولكن كلّ هذه القوائم تعود إلى القرن العشرين، ولم اطّلع على قوائم أقدم منها زمناً إلا إذا فاتني ذلك من غير قصد، أو على الأقل لم أتمكّن من العثور عليها. مع أنّه منذ توقيع معاهدة الحماية مع شيوخ إمارات الخليج عام 1820 ظهرت نعوت وألقاب في مراسلات البريطانيّين معهم.

 

نماذج

من النّعوت نعت: «الأجل» وهو في الاصطلاح من ألقاب السلطان كما يقال السلطان السيّد الأجل ويكون من ألقاب السامي بغير ياء فما دونه فيقال: السامي الأمير الأجل. ونحو ذلك. ويشير إلى أنّ هذا اللقب تحديداً كان في الدولة الفاطمية هو أعلى الألقاب وأرفعها قدراً، ثمّ عمّ استعماله للجميع. ولقب: «الأعزّ»، وهو أفعل التفضيل من العز. ولقب: «الأعظم»، وهو من ألقاب السلطان، يقال فيه السلطان الأعظم، وهو أفعل التفضيل من العظمة: وهي الكبرياء. ولقب: «الأفخم»، وهو أفعل التفضيل من الفخامة: وهي العظمة والقوة. و«الأمجد»، وهو أفعل التفضيل من المجد: وهو الشرف أو الأصالة. و«العالي» وهو من الألقاب التي يشترك فيها أرباب السيوف والأقلام، وهو من العلاء بالمدّ وهو الشرف. ولقب: «المعظّم»، وهو اسم مفعول من العظمة وهي الجلالة وربما استعمل في ألقاب الملوك غير المسلمين.

 

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان

تصدر كل خميس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات