دبي أرضٌ حُبلى بالمكتشفات والحكايات الثقافية

مساحات التكنولوجيا والابتكار تجاور الفنون والألوان في إمارة الطموح

مكتبة محمد بن راشد مشروع كبير لتعزيز اللغة العربية والإيفاء بمتطلبات العلوم والفنون وتقدمها

الخصوصية الثقافية التي تنشدها دبي وتسير إلى الاحتفاء بها بقوة، بعدما تحقق لها من الخصوصية الاقتصادية اللافتة والبراقة، تمثل أمراً ومحطة غاية في الأهمية، لاسيما أن الإمارة تملك في سياق أنشطتها الاقتصادية والتجارية بنية تحتية واسعة ومتنوعة تؤهلها لهذه المكانة الثقافية العالمية، فالأرض حُبلى بالمكتشفات والحكايات مثلما هي ممتلئة بالأرقام والمبيعات، خاصةً أن دبي الطموح والابتكار باتت أرض التكنولوجيا والتقنيات، مثلما هي أرض، كذلك، الفنون والألوان في كل مساحة من مساحاتها.. إذن أن يتم تسويق ما لدينا من تراث وثقافة وآثار وفنون وطموح ورفاهية، هو طموح كل إنسان يبحث عن ولادة فكرية جديدة.

لم تعد الثقافة أمراً كمالياً أو نخبوياً بعد أن تجاوزت مفهوم الحفر المعرفي والفكري، بل أصبحت كما نرى ممارسة يومية لدى معظم الشعوب، بدءاً من تلاميذ المدرسة الذين يمارسون البحث الإلكتروني الثقافي شبه اليومي من خلال أجهزة صغيرة تتجول طوال النهار بين أياديهم، إلى الموظف الباحث عن تقنيات جديدة.. لتصبح بأي حال من الأحوال من الضروريات للأفراد والمهنيين والهواة والمتطوعين والمستثمرين إلى المبدعين، والثقافة -بوصفها ماء الحياة- تبرز لتعيش بنا وننبض بها، وأصبحت الدنيا تحتفل بها، لتخرج مدن وقرى الثقافة المحتفلة وبحضور شعبي، لأنها باختصار لا تعني سوى بالجوهر الإنساني أولاً وأخيراً، ويلحظ بعد ذلك المتلقي لهذا الاحتفاء بفوائد الثقافة الاجتماعية التعليمية والاقتصادية والسياسية وحتى الصحية والنفسية، بالإضافة إلى أهميتها في فرص الالتقاء مع الآخرين من ثقافات الشعوب باختلافاتها لتخلق الثقافة هنا زيادة التسامح، وبالتالي تحسين نوع الحياة في حياتنا.

أين تكمن أدوات الثقافة؟

ولأن شأننا شأن الكثيرين من الكتاب والقراء، أصبنا بأعراض الثقافة منذ الصغر، قد تساءلنا طويلاً عن الأدوات التي تساعدنا على التعبير عن أنفسنا، وما بنا وما علينا وبكل الطرق الممكنة بدءاً من الحكايات الخيالية التي نريد أن نرويها، إلى النثريات التي تعتني بفضفضتنا عن الذي نعرف ولا نعرف، إلى أدوات الفنون المعبرة عن أفكار وعواطف تجاه الأشياء بجمالها وقسوتها الممتعة والمزعجة أو المشجعة على التأمل، والتفكير بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا بهدف صياغة هويتنا الحديثة الفردية والجمعية التي تساعدنا على تحديد ما نحن عليه من مفترق تساعدنا على رؤيتنا للعالم ورؤيتنا لأنفسنا، ومن حيث تعزيز هذا الإحساس والحفاظ عليه، تنمو الثقافة فينا وفي مجتمعنا المدني الاقتصادي الجديد. كما أن الثقافة لا تقتصر على فئة معينة، كما يعتقد البعض، فهي للجميع، تساعد على تطوير الذات بهدف العطاء لا الأخذ، وليس شرطاً أن يكون الفرد منتجاً للثقافة أو أن يكون مبدعاً أو مساهماً في الخلق والابتكار ليصبح مشاركاً، فالثقافة يسعف من يشاء في تطوير مهاراته وحياته، لأنها مرتبطة في أصلها بمحو الفكر الراكد، وتؤازره على الوعي وتسانده ليعبر الحياة.. ومن هنا ثمة اقتراحات أخرى لإمارة دبي التي باتت تلامس وتر قلوب المثقفين في العالم أجمعين.

الثقافة المدرسية

ومن أهم الأدوات التي ما يمكن أن تنادي به المدينة الثقافية هو خلق الثقافة أولاً في قلب المدرسة الحكومية، بوصفها المؤسسة المؤثرة على أجيال قادمة، ولا بد من الاعتناء بذهن البراعم. لقد آن الأوان استعادة النادي الثقافي المدرسي وإبراز ما به من الأنشطة المتمثلة في حركة مسرحية مدرسية ليصبح هناك سيناريو مسرحي كامل لكل مدرسة سنوياً يكتبه تلميذ برفقة أساتذته، حتى يتم التبارز للعرض على مستوى مدارس الإمارة واختيار الأجود والأكثر قيمة، وهلم جرى مع الفرق الموسيقية والفنية والقرائية والبدنية والرياضيات والمعلوماتية.. فقد أظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية دراسة بحثية تعليمية عن الفرق بين مستوى الطلاب الفكري في المدارس التي تدمج الفنون في مناهجها أو ناديها الثقافي عن المدارس التي لا تفعل ذلك، فلا شيء كالمدرسة تحرك العقول والمواهب والضمائر لأوطانها من خلال المهارات الثقافية التي ستضح فيما بعد التوظيف مستقبلاً كقوى عاملة منتجة ماهرة وفاعلة في الثقافة لتحسين نوع المستقبل.

مكتبة محمد بن راشد

والأمر الآخر هو أنه بلا شك أن المكتبات العامة المنتشرة في المدينة كفيلة بتحسين نوعية القراءة لمرتاديها، وفرصة لتعلم المزيد والتغلب على الفجوات الرقمية بوصفها داعمة للثقافة المعرفية والاقتصادية والسياسية... إلا أن مكتبة «محمد بن راشد» الضخمة التي في طريقها إلى الافتتاح، بات يتأمل فيها كل محب للغة العربية في أن تقوم هذه المكتبة بمشروعها الأكبر وهو تعزيز اللغة العربية أي تعني بسلامة اللغة من جديد في أن تفي مطالب مفردات العلوم والفنون وتقدمها، من خلال الترجمة أو التعريب في كل تلك المفردات التي أهملت في النصف الأخير من القرن العشرين إلى هذا اليوم، فقد نتج عن هذا الإهمال استخدام اللغات الأجنبية الدخيلة التي أدت إلى تدهور العربية، كما نأمل أن تنتج المكتبة موسوعة إماراتية تعني بما في أرض الدولة من مسميات تاريخية وجغرافية وطبيعية... ووضع المصطلحات العلمية واللغوية والاقتصادية والجيولوجية والقانونية والهندسية والفيزيائية والفلسفية والنفسية والتربوية... أي العمل على الأصول والمشاريع الثقافية المستدامة.

 

 

حتا.. القرية الجبلية

«حتا» الألوان والأزقة بارتفاعاتها وانخفاضاتها وما بها من كثافة في الخضرة، كفيلة بعمل سياحة مشاة للتجول والتأمل، ومن فوق تلالها أو صخورها فرصة لمحبي النجوم والأجرام السماوية وهواة مراقبتها، بعد ازدهار نشاط الاهتمام بالفضاء وما بها من أفلاك ونجوم على مستوى العالم.

 

مختبر كبير

تلد الثقافة بشكل عام بالتجريب، وكلما كانت الثقافة أكثر تجريبية كلما تقدمت وأنتجت أسلوبها الخاص، أما إن أردنا دبي مختبراً كبيراً للإنتاج الثقافي، فبالإضافة إلى ما لديها، من الضروري الخروج من التقليدية والاستعادة، وذلك من خلال المساحات غير الرسمية، أي باستغلال إدارة المدينة مساحات دبي المفتوحة في أطرافها الطليقة، كي ينمو التجريب في تلك المساحات الواسعة، وإعادة تطويرها وتوطينها شرط أن تتطور بشكل غير رسمي، فالتجريب مسألة مفتوحة وحرة، وبذلك تصبح الثقافة نقطة التقاء بين المتعة والارتقاء الشخصي والحرية.

الأمر الآخر أن إمارة دبي بعد كل هذا البناء الرائع في مساحتها المميزة، قد آن الأوان زرع غابات كثيفة من أشجار الغاف في أطرافها كاملة، هذه الشجرة الأم والرمز في احتوائها للإنسان بما لديها من صبر على العطش وامتصاص غبار المدينة، لتبدو الإطلالة خضراء في صحراء مترامية.

وأخيراً، تبقى رحلة الثقافة طويلة ولا تنتهي مهما كان عمرها وتراكماتها، ومهما انطلقنا فإن الثقافة معركة حقيقية تستحق اللعب فيها والخوض في أعماقها، لأنها تتجاوز مفهوم القناع المختبئ خلف وجوه الآخرين، لأنها حرة فلا تقمص ولا تماهي بل مقاربة للتفاصيل اليومية كما هي...

أما قبل إنهاء هذا المقال فلا بد من قول إن هناك ما يميز دبي عن غيرها، وهي أنها مدينة تكنولوجية تشجع على العلوم والابتكار، والآن تشجع على صناعة المنتج الثقافي، ونحن لا يمكن أن نرى مدينة ثقافية دون لقاء فيها بين الثقافة والعلوم، فالتأخير في التكنولوجيا هو تأخير للغات الفنية كلها، وبالتالي العلاقة بين الثقافة والابتكار استثمار في غاية الأهمية خاصة في المشاريع الفردية.

 

قرى ثقافية في العالم

 

«جوزكار» -أسبانيا

تقع على تلال الأندلس تم تلوين منازلها باللون المبهج والطبيعي، يعيش أهلها على الفطرة وهي جاذبة للسياحة الصغيرة الباحثة عن الطبيعة رغم ما فيها من عروض فنية وثقافية.

 

«بوبي» - مالطا

منازلها خشبية كقواربها، وفي أزقتها أنشطة ترفيهية من عروض وموسيقى ومتاحف صغيرة، يأتي السواح لاكتشافها مشياً على الأقدام مع وضع أطفالهم في ملاعبها.

 

«رين» - النرويج

لا يتعدى سكانها 300 شخص، يلجأ لها السائح الراغب بمشاهدة الحيتان أو صيد الأسماك أو التخييم أو التجديف ومشاهدة الطيور والتواصل مع الطبيعة.

 

«بورانو» - إيطاليا

جزيرة ملونة تبدو كالدانتيل وهي تحضن مياهها الخضراء كالزمرد في نقائها، يقال بأن الفنان ليوناردو دافنشي زارها عام 1400م.

 

«سيدي بوسعيد» - تونس

تم تلوين أبوابها ونوافذها بلون بحري مشع فسميت بالمدينة الزرقاء، وتم تعزيز الأكشاك الصغيرة في أزقتها وممراتها الملتوية التي رصفت بالحجارة.

 

سيمينان - فرنسا

ساحرة بمنازلها الحجرية التي تعود إلى قرون عدة، تقع فوق تل وتطل على حقول الخزامى وبساتين الزيتون والزهور، لتحيط بها الروائح من كل صوب.

 

19

حي الفهيدي التاريخي بدبي يحتوي على الكثير من المتاحف، وغدا قبلةً للفنانين ومرسماً لمحبي التعبير بالألوان، يعود تاريخ الحي إلى القرن الـ19 الميلادي.

 

2013

أكبر حديقة زهور على مستوى العالم توجد في دبي (حديقة دبي المعجزة) والتي افتتحت عام 2013 وما زالت تتجدد فيها مواسم الجمال.

 

1975

في منطقة الشندغة مبانٍ تراثية وتاريخية لا حصر لها، وقد أصبح متحفاً مفتوحاً للجميع منذ أن تم ترميمها وأنشئ فيها نفق الشندغة بين ديرة وبر دبي عام 1975.

 

 

reem.alkamali@albayan.ae

صفحة متخصصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون

في الإمارات والعالم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات