(2-3)

طائرات في سماء الخليج.. أعطال المحركات ونفاد الوقود أبرز أسباب السقوط

مطار الشارقة

تعددت أسباب وعوامل تهاوي الطائرات في فترة الأربعينات تحديداً، نتيجة للظروف المناخية أحياناً، ونتيجة لفقدان السيطرة في أحيانٍ أخرى، ونتيجة لتعطّل المحركات فجأة أو بفعل نفاد الوقود، ونتيجة لعدم معرفة بالأوضاع التضاريسية في المنطقة.

وقد استعرضنا في الحلقة السابقة مجموعة من هذه الحوادث المؤسفة ونواصل في هذه الحلقة الحديث بالخصوص، لنقدّم للقارئ العربي معلومات هي موجودة في الوثائق البريطانية، وفي بعض المقالات المنشورة باللغة الإنجليزية هنا وهناك.

فقد صنّف نيكولاس ستانلي برايس (Nicholas Stanley-Price) كتاباً بعنوان: القواعد الإمبراطورية في الخليج: المطار في الشارقة (الإمارات العربية المتحدة)، 1932-1952 (Imperial Outpost in the Gulf: The Airfield at Sharjah (UAE)، 1932ـ 1952).

ومؤلِّف الكتاب عمل مستشاراً للتراث الثقافي في إدارة متاحف الشارقة بين عامي 2007 و2008. ويتناول الكتاب تاريخ تطور المطار بين عامي 1932 و1952. ويستعرض فيه مصنّفُه بالتفصيل كيف تم بناء مطار الشارقة بالقرب من البحر. ويحتوي الكتاب إشارات لعددٍ من حوادث تهاوي الطائرات.

كما يحتوي متحف سلاح الجو الملكي البريطاني في لندن (Royal Air Force Museum) على نماذج من الطائرات الحربية التي استُعمِلت في سلاح الجو الملكي في حقب زمنية مختلفة، كما يضم المتحف عدداً كبيراً من الوثائق في أرشيف خاص.

وكالة متخصصة

ومن الأمور اللافتة للنظر أن الحكومة البريطانية أنشأت وكالة أو مفوضية تُعنى بتدوين كل الذين شاركوا أو فُقدوا في الحروب عرُفت بأرشيف مفوضية مقابر حرب الكومنولث (Commonwealth War Graves Commission)، واختصاراً (CWGC)، وركز هذا الأرشيف المهم على أولئك المحاربين في الحربين العالميتين الأولى والثانية الذين خدموا تحت راية التاج البريطاني، وتسعى جاهدة لتحديد هُوياتهم وأماكن دفنهم وقبورهم وأهم الأحداث المتعلقة بهم، وقد تجاوزت أعدادهم المليون والسبعمئة ألف من الرجال والنساء. وتدوّن أخبار مدافنهم في أكثر من 150 بلداً من بلدان العالم، كما تقدّم للباحثين خدمة للحصول على المعلومات حول هؤلاء الأشخاص.

ويهدف الأرشيف كذلك إلى جمع وإدارة وحفظ المواد التي توثّق تاريخ المنظمة، والأفراد الذين يُحتفل بهم، والمقابر إضافة إلى النصب التذكارية التي يحتفظ بها الأرشيف، وجعل كل هذه السجلات في متناول الجمهور.

وتنقسم مجموعة الأرشيف إلى قسمين: أرشيف الوكالة، وأرشيف الحوادث. والأرشيف يرحب بالزوار، ويشجع ويدعم الباحثين لاستخدام مجموعة الأرشيف الخاصة بالوكالة. يوجد المكتب الرئيس للأرشيف في مايدنهيد (Maidenhead)، ببيركشاير (Berkshire) في المملكة المتحدة. وهو مفتوح للباحثين وعامة الناس.

فقدان التوجيه

سقطت طائرة من نوع: Boston Aircarft، إلى الشمال من البحرين في 31 مايو 1942، وفُقدت في المياه القريبة على بُعد حوالي 60 كيلومتراً شمالاً، وكان آخر اتصال ببرج المراقبة في تمام الساعة 7.30 صباحاً بتوقيت غرينتش.

وقامت السلطة البريطانية في البحرين بعمليات بحث موسّعة قامت بها أعداد من السفن والقوارب. كما تواصل بليحريف مستشار حكومة البحرين مع المقيم السياسي في الكويت للقيام بالبحث من جهة إمارة الكويت. ولكن لم يتم العثور على أية آثار لحطام هذه الطائرة ثم تبيّن أنها هبطت اضطرارياً على الساحل الإيراني بالقرب من ميناء طاهري الواقع على بُعد 145 كيلومتراً جنوبي ميناء بوشهر.

ولم يصب طاقمها الأربعة بأذى. وأقاموا في أحسن حال في ميناء طاهري، وقاموا بتبديل ملابسهم، وإعطائهم بعض السجائر والمال. ثم وصلتهم سفينة إمداد نقلتهم إلى البحرين في 11 يونيو. وكان من أهم أسباب سقوطها نفاد ما فيها من وقود. وكان قائدها قد فقد وجهة طريقه ولم يجد نفسه إلا على الساحل الإيراني وبعد سقوطها بـ40 دقيقة وصل إلى مكان سقوط الطائرة ثلاثة من القرويين الذين نقلوا الطاقم إلى بيت قريب، حيث تناولوا هناك بعض الأطعمة ثم عادوا إلى مكان سقوطها وحاولوا تحريكها، إلا أن المحرك قد تلف تماماً.

وهناك وصل إليهم شيخ إحدى البلدات القريبة الذي أكرمهم، وأمر بوضع الحراسة على الطائرة المحطمة ثم أوصلهم الأهالي إلى ميناء طاهري، وهناك جرى الاتصال مع الجهات المختصة. ثم وصلتهم باخرة خاصة (Sea Belle H.MS.) في 12 يونيو نقلتهم من طاهري سالكة البحر بالقرب من الساحل حتى وصلت إلى مكان الحادث، وهناك نقل الطاقم ما بها من أشياء ثمينة ثم جرى تدمير جسم الطائرة.

إقلاع واختفاء

وفي 13 سبتمبر 1942 أقلعت طائرة من نوع (Blenheim, No. Z7418) من مطار الشارقة في جولة روتينية مراقبة على مياه بحر عمان للبحث عن الغواصات المعادية هناك، وفجأة اختفت إشارتها من على الرادار، ويبدو أنها تهاوت في مياه البحر، ولم يُعثر لها على أثر.

وفي إشارة عابرة وردت في تقرير من كتبية 244 وسرب الطائرات في قاعدة جاسك على الساحل الإيراني، تذكر أنه عُثر في 23 سبتمبر 1942 على قطعة من المطاط العائم في البحر، وتم تحديد ذلك لاحقاً على أنها جزء من غطاء خزان الوقود في طائرة من نوع بلينهايم. ولكن لم يتم التأكّد أو التأكيد هل هي نفسها الطائرة ذات الرقم المتسلسل: Z7418 الوارد أنها مختفية ولا يُعرف مكان تهاويها أم لا.

ومن الجدير بالذكر، أنه كان على متن هذه المركبة الجوية تحديداً ثلاث شخصيات عسكرية مهمة، هي: ضابط طيار أنطوني هولس پونتيوس (Anthony Hollis Pontius)، ورقيب أول آرثر هنري جورج جِنّي (Arthur Henry George Genny) أحد أفراد السلاح الجو الملكي، ورقيب أول هُنتر روتليدج ماكراون (Hunter Rutledge McGowan)، أحد أفراد سلاح الجو الملكي الأسترالي. وثلاثتهم تم الاحتفاء بحفر أسمائهم في نصب معركة العلمين بمصر.

حادثة الذيد

وفي 1 فبراير 1943 سقطت طائرة من نوع: (Blenheim) (Bisley aircraft B. A. 101)، تابعة للسرب 244، على بُعد حوالي 45 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مدينة الشارقة. وكانت في طريقها من الشارقة إلى قاعدة جاسك، وقد عانت هذه المركبة الجوية من عطل في خزان الوقود في المحرك أدى إلى توقّف المحرك نهائياً، ثم تهاوت الطائرة إلى الأرض. ومن المحتمل أن هذه الطائرة عانت من سوء تخزين نظراً للظروف البيئية في المنطقة.

وأول مَن وصل إلى مكان الحادث بدويّ وزوجته من أهالي المنطقة اللذين أنقذا اثنين من الركاب الخمسة، الذين كانوا يستقلّون تلك الطائرة، وهلك ثلاثة في الحادث. ونَقل الرجل وامرأته الناجيَيْن عدة كيلومترات بعيداً عن مكان الحادث إلى محل إقامتهما حيث قدّما لهما الطعام والمأوى لليلة واحدة، ثم وصل أحد البدو إلى الشارقة لإبلاغ المسؤولين عن هذا الحادث. وأمر القائد العسكري البريطاني لهذا الرجل البدوي بــ200 روبية، مكافأة له.

قتلى ثلاثة

وكان قتلى هذه الحادثة الثلاثة هم: رقيب أول أنتوني هنري وليامز (Anthony Henry Williams)، وهو كان قائد الطائرة، وهو قائد القوات الجوية المجنّدة في الشارقة. ورقيب أول طيار وليام جميس هوبارد (William James Hubbard)، وهو أحد الملّاحين، والملازم أول ألان بالزانو هايلي (Allen Balzano Hailey)، وهو كان ضمن فيلق الرواد الملكي، كما كان ضابطاً في مفرزة سلاح الجو الملكي البريطاني في الشارقة ودبي.

ودُفنوا في قبور متقاربة من بعضها البعض في مواضع لا تبعد كثيراً من مكان التهاوي ثم اندرست معالم القبور الثلاثة واختفت مع الرياح المتربة والعواصف الرملية، وعلى الرغم من محاولات التحديد والزيارات الميدانية الكثيرة لمكان الحادث إلا أنه لم تفلح في العثور على القبور الثلاثة. ويقال إنه التُقِطت صور لهذه القبور، ولكن لا يوجد لها على نسخ ولم يُعثر عليها.

 

طيار من أسرة نبيلة

ينتمي الملازم أوّل ألان بالزانو هايلي، الذي مات في حادث سقوط الطائرة عام 1943 شمال شرقي الشارقة، إلى عائلة مؤثّرة، وذات شأن من نبلاء الإنجليز، وُلد في لاهور بإقليم البنجاب عام 1900، وهو الولد الوحيد لوالده اللورد هايلي، الذي كان له شأن عظيم في الإدارة والقيادة العسكريّة والمدنيّة البريطانيّة، سواء كان في الهند أو في أفريقيا.

وانخرط أفراد من هذه الأسرة في الخدمة العسكريّة، وبلغ بعضهم مراتب عليا في الإدارة والجيش البريطاني. والاثنان النّاجيان مع بعض الإصابات، هما: ميكانيكي المحرّكات آي. ت. كروك، (I. T. Crook)، ومشغّل لاسلكي رقيب أوّل بيرنارد لي لاندون (Bernard Lee Landon). وقد وصل إلى النّاجييْن مسعف طبّي، قام بتقديم ما يلزم من علاجات وإسعافات أوّليّة، قبل نقلهما إلى الشارقة. ويُذكَر أنّ الأهالي أطلقوا على مكان الحادث اسم: «ند الطّيّارة».

 

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان

تصدر كل خميس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات