وثائق تروي أولى حوادث أعطالها وسقوطها (1-3)

طائرات في سماء الخليج

الامارات-مطارات مطار العين الدولي

منذ أن أصبحت سماوات الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية ميداناً للطيران الملكي البريطاني، حدثت نقلة نوعيّة في الميدان العسكري بحدّ ذاته، إذ سيطرت بريطانيا على سماوات الخليج وبلاد العرب بعدما بسطت نفوذها على البرّ والبحر خلال حقب زمنيّة طويلة.

وأثناء هذه السيطرة الكبرى على منافذ الحياة في المنطقة تمكّنت السلطة البريطانيّة من تأكيد نفوذها الكبير في المنطقة مع بدايات القرن العشرين، وزاد تأكيداً مع حلول الحرب العالميّة الثانية وما بعدها.

وأثناء ذلك رصدت الوثائق البريطانيّة عدداً من أحداث سقوط طائرات في المنطقة، أدّت إلى إصابات بين الطيّارين، وخسائر في الطائرات كذلك. وفي حلقتين سنطلع القارئ الكريم على بعض أحداث سقوط طائرات حربيّة في المنطقة نتيجة أعطال تقنية أو سوء توفيق من قِبل الطيّارين.

وكانت السلطات البريطانيّة في عموم منطقة الخليج العربي وشبه القارّة الهنديّة حريصة على تتبّع الطائرات العسكريّة في سماوات المنطقة، نظراً لظروف الحرب العالميّة الثانية وما كانت تحتّمه من ضرورة المتابعة لخطوط سير هذه الطائرات، والأجواء المحيطة، والتضاريس، والبيئات سواء منها الطّبيعيّة أو البشريّة من حيث العداء أو التوافق مع بريطانيا.

وثائق وأرقام

أشارت العديد من الوثائق إلى أحداث متعدّدة ومتكرّرة لسقوط طائرات حربيّة ومدنيّة، كانت تحلّق في سماوات الخليج وعلى أراضيه، مع الإشارة في بعض الأحيان لأسباب تهاوي هذه الطائرات، وعدد المصابين فيها، كما تطرّق لهذا الموضوع بعض الباحثين، مثل: پيتر هيلير (Peter Hellyer) وعلي إقبال (Ali Iqbal)، ولورانس چاري (Laurence Garey)، وبراين هولمس (Brien Holmes)، كما ألمح لهذا الموضوع الدكتور سيف البدواوي.

البداية الأولى

في صباح 18 سبتمبر 1939 غادرت مطار الشارقة ثلاث طائرات تابعة لسلاح الجوّ الملكي البريطاني باتجاه كراتشي، وحطّت اثنتان منها سالمة في مطار كراتشي، بينما الثالثة حين كانت على ارتفاع نحو 3050 متراً فقدت وجهتها فسقطت بالقرب من الساحل الإيراني الواقع على بحر عمان، بالقرب من ميناء جاسك.

وكان على متنها الطيّار الرقيب تورڤيل (Turvil)، والميكانيكي كورپولار كوپلاند (Corporal Copeland)، والطيّار تورنر (Turner)، والطيّار برايس (Brice) خبير الاتصالات اللاسلكيّة. وقد بذلت الحكومة البريطانيّة جهوداً كبيرة في التواصل مع الحكومة الإيرانيّة آنذاك للوصول إلى الركّاب الجرحى، وإسعافهم.

وكان مكان السقوط قريباً جدّاً من قرية كالاج الواقعة على بُعد حوالي 112 كيلو إلى الغرب من ميناء شابور. وكانت الطائرة وهي في طريقها عانت من عطل مفاجئ في المحرّك، ممّا أدّى إلى هبوطها اضطراريّاً وبعنف، إلا أنّها لم تتحطّم تماماً، ولهذا لم يمت أحد من أفراد الطاقم الذين نقلتْهم إحدى بواخر شركة الهند البريطانيّة للملاحة، وأوصلتْهم إلى مسقط، كما تمّ استعادة حقائبهم ومتعلّقاتهم الشّخصيّة.

اللغز المحيِّر

ومن غرائب الأحداث التي ظلّت لغزاً مجهولاً ومحيّراً إلى الآن هو سقوط طائرة رحلة (Imperial Airways Handley HP42E) المعروفة بـ«هانيبال» (Hannibal) رقم: CW197، من نوعيّة الطائرات ذات السطحين، إذ يبلغ طول الجناح 130 قدماً، ومزوّدة بأربعة محرّكات من تصنيع شركة بريستول جوبيتر، ولكلٍّ منها 550 ساعة.

وتمنح سرعة قصوى تبلغ 128 ميلاً في الساعة، وسرعة انطلاق تبلغ 100 ميل في الساعة، وكانت تقوم برحلات طويلة بين كاليكوتا في شرقيّ الهند إلى الإسكندريّة في مصر ثم إلى لندن. وبطبيعة الحال كانت تتزوّد بالوقود بين مطار وآخر حتى تصل إلى وجهتها الأخيرة.

وكان حين إقلاعها من كراتشي مع إشراقة يوم الجمعة الأول من مارس 1940، وتحديداً في تمام 5.54 صباحاً، ثمّ حطّت في مهبط للطائرات في مرفأ صغير يدعى جيواني يقع على بحر عمان في إقليم بلوشستان الباكستاني، بالقرب من الحدود مع إيران، تحمل على متنها طاقماً مكوّناً من أربعة أشخاص، هم: الكابتن نويل تاوسِند (Noel Townsend)، قائد طيران متمرّس، عمره 27 عاماً حينها، وضابط أوّل تشارلِز ج. وُلش (Charles J. Walsh)، وهو أيضاً طيّار متمرّس، ومهندس طيران أرضي، وعمره كان 34 عاماً حينها، وضابط راديو أنچوس إيتش. تايدبوري (Angus H. H. Tidbury)، ذو الـ25 عاماً، والمضيف تشارلِز إف. ستيڤِنتون (Charles A. F. Steventon)، إضافة إلى الركّاب، وهم: راس بهادور السير أروچايسوامي ت. پانيرسِلڤام أڤارجال Ras Bahdur Sir Arogyaswami Thamaraiselvam Pannirselvam Avargal، مسؤول رفيع المستوى في الحكومة الهندية، وكان محامياً في المحكمة، وعضواً في المجلس التنفيذي للحاكم، ووزارة مدراس، شارك في مؤتمر المائدة المستديرة الهندي في لندن عام 1930، وكان مسافراً إلى لندن لتولّي منصب مستشار في مجلس وزراء الحرب، بقيادة لورد زيتلاند، وهو آنذاك لورانس جون دونداس (Lawrence John Lumley Dundas) وزير الدولة لشؤون الهند، والعميد الجوّي هارولد أ. ويسلر (Harold. A. Whistler) أحد كبار القوّات المسلّحة البريطانيّة، وأحد أبرز القادة في الحرب العالميّة الأولى، حصل على العديد من نياشين الشرف العليا والأداء العسكري والإداري المتميّز.

وبحلول عام 1940، كان قد تولّى رئاسة أركان سلاح الجوّ الملكيّ البريطانيّ في الهند، والقبطان النرويجي آلف براين (Alf Bryn)، ذو الـ43 عاماً، المشرف البحري لإحدى شركات النفط الأمريكية، وتدعى: (The Standard-Vacuum Oil Company)، وهِنري هوتشينسون (Henry Hutchison)، ضابط صفّ من الدرجة الأولى، وقائد سلاح الذخائر الملكي الهندي، عمل في المواصلات وفي إدارات الذخائر والمفوّضيّة والأشغال العامّة، وكان بحوزته حينها وثائق مهمّة.

آخر رسالة

وكانت آخر رسالة من قائد الطائرة إلى الشارقة في تمام الساعة 1.35 بعد الظهر من مطار جواني، وكان مرورها فوق جاسك بإيران ثم تقطع البحر صوب دبا وبعدها تواصل طريقها عبر رأس الخيمة ثم تنزل مطار الشارقة.

ومن المرجّح أنّها سقطت في البحر قُبالة ساحل دبا، هذا إن لم تكن تعدّت اليابسة عبر أراضي الإمارات، وهي بالتالي سوف تعبر الأجواء فوق المناطق الجبليّة وصولاً إلى الشارقة. وتشير بعض الوثائق إلى أنّ آخر اتصال مع المطار كان وهي على بُعد حوالي 65 كيلو في البحر، وقد قامت السلطات البريطانيّة ببحث موسّع وكبير في محاولة للعثور على حطام الطائرة، امتد البحث من المياه البحريّة المقابلة لدبا إلى خورفكان ثمّ كلباء، بل تعدّى ذلك إلى البحث في القرى الساحليّة القريبة في منطقة الباطنة، وتواصل البحث في المناطق البرّيّة، واستمرّ البحث ليلاً ونهاراً، وكان للسفن الحربيّة دور في عمليّات البحث على طول سواحل مسندم ومضيق هرمز ومرافئ دبا وخورفكان، واشترك في البحث ثلاث طائرات حربيّة، وتواصل البحث إلى السواحل الإيرانيّة لمدّة خمسة أيّام، ولكن دون جدوى، إذ لم يتم العثور على أثر لهذه الطائرة، وكأنّها تبخّرتْ في الأجواء، وإلى الآن لم يحلّ اللغز المحيّر، بل لا توجد في الوثائق ما يشير إلى أيّة معلومات مفيدة حول هذا الحادث الغريب.

ضبّاط الاتصال

ويرد في المراسلات بين المسؤولين البريطانيّين، في غير الحادثة السابقة، إشارة إلى ضبّاط الاتصال الجوّي (Air Liaison Officers) وهم من كبار ضباط سلاح الجو الملكي الذين تمّ نشرهم في خدمة عسكريّة أو مدنيّة أجنبيّة أو محليّة منفصلة، يقومون بتوفير التواصل بين تلك الخدمة والقوات الجوية الملكية في الحرب العالمية الثانية، وهم في الأصل أحد فروع الطيران الملكي البريطاني يعملون كحلقة وصل بين الطيران المدني العادي والطيران العسكري المحلّي وبين الطيران الملكي البريطاني، وبين بقيّة الإدارات في البلدان الخاضعة لنظم الحماية البريطانيّة.

فقدان التوجيه

وسقطت طائرة أخرى من نوع: Boston Aircarft، إلى الشمال من البحرين في 31 مايو 1942، وفُقدت في المياه القريبة على بُعد حوالي 60 كيلومتراً شمالاً، وكان آخر اتصال ببرج المراقبة في تمام الساعة 7.30 صباحاً بتوقيت غرينيتش، وقامت السلطة البريطانيّة في البحرين بعمليّات بحث موسّعة قامت بها أعداد من السفن والقوارب، كما تواصل بليحريف مستشار حكومة البحرين مع المقيم السياسي في الكويت للقيام بالبحث من جهة إمارة الكويت، لكن لم يتمّ العثور على أيّة آثار لحطام هذه الطائرة، ثم تبيّن أنّها هبطت اضطراريّاً على الساحل الإيراني بالقرب من ميناء طاهري الواقع على بُعد 145 كيلومتراً جنوبي ميناء بوشهر، ولم يصب طاقهما الأربعة بأذى، وأقاموا في أحسن حال في ميناء طاهري، وقاموا بتبديل ملابسهم، ثم تم إعطاؤهم بعض السجائر والمال، ثمّ وصلتْهم سفينة إمداد نقلتْهم إلى البحرين في 11 يونيو.

وكان من أهمّ أسباب سقوطها نفاد ما فيها من بترول، وكان قائدها قد فقدَ وجهة طريقه ولم يجد نفسه إلا على الساحل الإيراني، وبعد سقوطها بـ40 دقيقة وصل إلى مكان سقوط الطائرة ثلاثة من القرويّين الذين نقلوا الطاقم إلى بيت قريب، حيث تناولوا هناك بعض الأطعمة ثمّ عادوا إلى مكان سقوطها وحاولوا تحريكها، إلا أنّ المحرّك كان قد تَلَفَ تماماً، وهناك وصل إليهم شيخ إحدى البلدات القريبة الذي أكرمهم، وأمر بوضع الحراسة على الطائرة المحطّمة ثمّ أوصلهم الأهالي إلى ميناء طاهري، وهناك جرى الاتصال مع الجهات المختصّة، ثمّ وصلتْهم باخرة خاصّة (Sea Belle H.MS.) في 12 يونيو نقلتْهم من طاهري سالكة البحر بالقرب من الساحل حتى وصلت إلى مكان الحادث، وهناك نقل الطاقم ما بها من أشياء ثمينة ثمّ جرى تدمير جسم الطائرة.

1941

كانت كلّ الكتابات التي وثقت لحوادث سقوط الطائرات باللغة الإنجليزيّة، إضافة إلى أنّها كانت على أحداث جزئيّة. وسوف نقدّم للقرّاء بعضاً من هذه الأحداث في إشارات شاملة، لكنّها مقتضبة ومركّزة، تفي بغرض التعريف.

ومن أوائل حوادث سقوط الطائرات ما جرى في 16 ديسمبر 1941 إذ سقطت إحداها على بُعد حوالي 15 كيلومتراً جنوب غربيّ مرتفع دخان الواقع إلى الشمال الشرقيّ من منطقة سلوى السعوديّة، وهذه الطائرة من (BLENHEIM Z7907)، وقد جرح على إثرها طاقم الطائرة، وتحطّمت كلها تقريباً، وتحرّز عليها مسؤول المنطقة هناك، ووضع عليها حرّاساً من عنده، وهذا ما شكره عليه المعتمد السياسي البريطاني في البحرين. ودفع 50 روبية لكلّ حرّاس الطائرة البالغ عددهم ثمانية، وكانت الطائرة تقوم بجولة اعتياديّة في المنطقة.

 

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان

تصدر كل خميس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات