أمس واليوم

مؤرخ إنجليزي بعقلية عسكرية جون لوريمر

جون غوردون

اشتهر المعتمد البريطاني جون غوردون لوريمر، بأنه لغوي ومؤرخ، ولكنه في الحقيقة ضابط عسكري وليس مؤرخاً أو لغوياً، نحن لا ننكر أنه كان لديه اهتمام بذلك، ليتم تكليفه حينها من بريطانيا أو الإمبراطورية العظمى كما كانت تسمى، بجمع معلومات عن الشخصيات المهمة في الخليج العربي، وعن القبائل والعائلات وأعدادهم، إضافة إلى الطرق والمواقع الاستراتيجية في المنطقة كلها، وإقامة علاقات جيدة معهم، واستخدام هذا التأثير المعرفي من التواصل لتعزيز السياسة البريطانية في المنطقة.

ووفقاً لبيان صحافي نشر في صحيفة «تايمز» الهندية، فإنه في صباح الأحد 8 فبراير 1914م، وجد المقيم البريطاني في الخليج العربي ميتاً وملقى على الأرض في غرفة ملابسه بمنزله الذي اتخذه مقراً ومستقراً له، في مدينة بوشهر الواقعة على سواحل الخليج الشمالية قرب الأحواز، وبالأصح أنه قتل نفسه بالخطأ وهو ينظف مسدسه الأوتوماتيكي الدقيق جداً، فأصاب نفسه بطلق ناري في معدته، لتتمزق الأوعية الدموية وهو لايزال في الـ43 من عمره، لكنه توفي تاركاً دليلاً سرياً ضخماً عن منطقة الخليج.

كان لوريمر ضابط استخبارات ومسؤولاً استعمارياً ودبلوماسياً وموظفاً مرموقاً يخدم مصلحة بلده من خلال وزارة خارجيته، فالوثائق الموجودة حالياً في أرشيف هذه الوزارة، وفي قسم محفوظات بريطانيا العظمى تحديداً، لتوضح لنا دور لوريمر في الخليج العربي، وتحديداً بين عامي 1903 و1909م، فلم يكن القصد الأصلي في بداية الأمر من كل ذلك سوى تزويد الوكلاء البريطانيين وواضعي السياسات في الخليج والهند بـ«كتاب» مناسباً يحمل معلومات عن جغرافيا الخليج، اقتداءً بما فعل لوريمر في البنجاب والأقاليم الحدودية في الهند، حين كان يعمل فيها، وإنجازه كتاباً ضخماً عن القانون العرفي للقبائل الرئيسة في منطقة بيشاور عام 1899م، وكتاباً آخر عن قواعد اللغة والمفردات عن «الباشتو» عام 1902م، ولكن يلاحظ المتتبع لتلك الحقبة، أن الإنجليز رغم ذلك لم يذكروا من أعمال لوريمر بعد وفاته وفي أثناء العزاء المهيب من أصدقائه، سوى هذين الكتابين المذكورين عن الهند، ولم يتطرق أحد عن كتابه الأهم «دليل الخليج» حتى في أثناء التأبين الذي جاء من أرفع المسؤولين في وزارة الخارجية الذين نقلوا نعشه من مقبرة «إدارة التلغراف الهندية الأوروبية» في مدينة بوشهر إلى مقبرة أدنبرة لدفنه هناك عن طريق السفينة الحربية وبحضور المجتمعات الخليجية، للتعزية والذين أبدوا تعاطفهم مع الإنجليز لهذه المأساة، إضافة إلى تنكيس الأعلام في البحرين وإعلان الوفاة بعد صدمة البريطانيين لهذا الخبر المفاجئ، حتى تم جلب الزمارين من فرقة الحرس الملكي البريطاني والبحارة لعزف «لحن الزهور» وهم يحملون النعش، ولم يذكر أحد كتابه «دليل الخليج» ولا حتى في الجريدة الرسمية التي أعلنت وفاته وأعماله.

وثيقة سرية

الحقيقة السرية وفوق هذه الأرض المزدحمة والقلقة، أن كتاب «دليل الخليج» كان عبارة عن وثيقة سرية للغاية، وهذا سبب غياب هذه الإشادة للدليل الذي طلبوا منه كتابته، ليمنحوه مدة 6 أشهر كي ينهيه، لكنه لم يكتفِ بهذه المدة، فأطالها لتبلغ 10 سنوات، فلم يكن كتاباً بل خرج بعمل موسوعي مكون من 6 مجلدات، وأصبح بمثابة معجم ضخم عن الخليج بأكمله من جنوب إيران وعُمان والإمارات والبحرين والبصرة، وكذلك جزيرة العرب الوسطى، حيث استعرضت المجلدات الستة تاريخ المنطقة وجغرافيتها، مع مسح دقيق وشامل وبالتفصيل الدقيق، ليصبح متاحاً لدى المخابرات الاستعمارية فقط للاستخدام الرسمي، ولم ترفع عنه السرية ولا حتى أي تلميح حتى عام 1955م، بموجب قاعدة الخمسين عاماً.

إرث

كان الخليج العربي ذا قيمة عظيمة للحكومة البريطانية، وهذا المرجع كان من أهم أعمال لوريمر التوثيقية في المنطقة، فقيمة الدليل عظيمة لحكومته لما فيه من دراسة استقصائية شاملة ومسح جغرافي مبهر، منذ عام 1908 إلى 1915م، ليترك إرثاً باسمه، لكن دعونا نتساءل، هل يستطيع شاب مثله أن يقوم بإعداد هذا المجلد بنفسه؟ بالطبع نحن لا ننكر سجل أعماله الطويل منذ التحاقه بالخدمة المدنية الهندية وشغله مناصب في البنجاب وعند الحدود الشمالية الغربية قبل أن يخدم في الخليج العربي، لذا نقول وعلى الرغم من أهمية ذلك، علينا ذكر نكران لوريمر أسماء من وظفهم أو من قاموا على خدمته من أدلاء ومستخدمين من سكان المناطق، وتم طمس دورهم وخدماتهم التي قدموها وما زودوه به من معلومات وإن فعلوا ذلك بأجر، وهذا يجعلنا نتيقن بأن البحث كان عملاً عسكرياً بحتاً.

وجهة نظر

أما من جهتنا اليوم، وبعد مرور أكثر من قرن على كتابة هذا الدليل الضخم عن الخليج، وبعد تحريره في منتصف القرن الفائت، فإننا نتحفظ على مصطلح مؤرخ؛ لأنه لم يكتب كتاريخ نستطيع أن نتخذه مرجعاً إنسانياً، فالمؤرخ عالم إنساني يدرس ويدون عن تاريخ المكان وجغرافيته، وتفاصيل البشر كمرجع علمي، وبلا شك هو فعل ذلك، لكنه لم يسرد سرداً منهجياً متتالياً ولم يبين علاقة كل ذلك بالجنس البشري كما يفعل المؤرخ المعتمد لكونه باحثاً إنسانياً وكاتباً واقعياً ومحللاً منهجياً، بينما لوريمر الذي كتب الدليل بشكل منهجي لم يكتبه بمعايير احترافية إنسانية بعيدة عن النزاعات السياسية والفكرية والعقائدية كما هو المفترض، بل إن نعته كان جارحاً لبعض الأفراد في الخليج، حيث وصفهم بمسميات عنصرية وغير لائقة، ما يؤكد المصلحة الخاصة التي غلبت على أسلوبه، لذا كان «دليل الخليج» خطوة تحضيرية لإعداد وثيقة تضمن لبريطانيا العظمى آنذاك خدمتها العسكرية في المنطقة، ولاستخدامها الرسمي فقط، ويصبح هذا الدليل بضخامته مرجعاً سياسياً فقط يخدم مصلحتهم، والشاهد أنهم لم يطبعوا منه حينها سوى عشرات النسخ لأفراد في الوزارة، لأنه كتب بمنظور إمبراطوري توسعي بريطاني.

نصب تذكاري كتبت عليه زوجة لوريمر كلمة وفاء حيث شاركته بحثه في الكثيرمن الجوانب

 

سيرة ذاتية

ولد جون لوريمر عام 1870م في غلاسكو، ودرس في جامعتي «أدنبرة» و«أكسفورد»، وعمل في الخدمة المدنية الهندية، البنجاب تحديداً، كان شغوفاً باللغات وأنجز هناك كتابين، وعائلته مرتبطة بالخدمة الاستعمارية كذلك، حيث إن جده القاضي أعدم في الهند أثناء تمرد وشغب في الهند، وشغل شقيقه الصغير ديفيد منصب نائب القنصل البريطاني في عربستان، وله دور في التطور المبكر لصناعة النفط، وشقيق آخر كان في الخدمة المدنية الهندية. لدى عائلة لوريمر سمة أخرى وهي الترجمة وحب اللغات وإنقاذهم اللغات المهددة بالانقراض بتسجيلها، كما أن شقيقه الصغير وليام وشقيقته الصغرى هيلدا من العلماء.

 

دقة «دليل الخليج»

مجموعة كبيرة من البيانات احتواها كتاب «دليل الخليج»، لا يستطيع أي باحث معاصر في الخليج العربي وغيره أن يتجاهلها اليوم، لما فيه من التغطيات الجغرافية والإحصائية الهائلة لتلك الفترة، فلا بديل حديثاً أو جديداً له حتى يومنا هذا، وهذا ما كتبته مجلة «تايمز» الأدبية عام 1971م، في ملحقها عن مجلد «دليل الخليج» للوريمر، كما أقر الأكاديميون والنقّاد هذا الحكم إلى اليوم.

يحتوي الدليل على تفاصيل التفاصيل السياسية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، فهو أشبه بإحصاء دقيق، كما أبدى اهتماماً كبيراً باللهجة والفولكلور في المنطقة وعن اللهجات، وفي هذا ذكر البعض بأن زوجته عاونته، بقضائهما الأمسيات الطويلة مع المسنين، وصنعهما مسودات طويلة لم تطبع إلا لاحقاً، للتعريف بالنطق لدى أهالي الخليج والدلالات في كل لهجة أو جملة، أي كان لوريمر يبلور اللهجات واللغات بنظام صوتي وميول اللغة الداخلية في فترات معينة، وعن خصائص اللغة العربية التي وضعت فيما بعد في المكتبة البريطانية.

لم يدع لوريمر شيئاً في الخليج العربي إلا وكتب عنه بدءاً بالمراكب الشراعية في الخليج والمغاصات وتجارة اللؤلؤ، إضافة إلى تاريخ رؤوس الجبال وتجارة الأسلحة والديانات والحياة الاجتماعية والعادات والمذاهب والتاريخ الداخلي لكل مدينة وقرية، ولوحات نسب وفرع كل قبيلة وعدد العوائل المنحدرة منها وعدد كل عائلة مع ملاحظات مناطقهم السكنية والأحياء بأسماء ربما لم تعد كما هي، وأسماء القرى ومواردها والمواصلات والتجارة والوضع الإداري، مروراً بطبوغرافية المنطقة وتضاريس الأمكنة من واديان وتلال وأفلاج وسهول وجبال بأسمائها، إلى أرقام رؤوس الحيوانات في كل بقعة، إلى تفاصيل الجزر في الخليج مع المظاهر الطبيعية وأسماء المغاصات في مداها ومواقعها وأنواع القواقع المنتجة للؤلؤ بأنواعها ونموها وأسباب تكوينها، وتجار اللؤلؤ والعملاء والممولون للآلئ وفرزها وحجمها وأسمائها وأسعارها، ودرجات الغواصين والمراكب ومواسم الصيد والنواخذ.

 

«دليل الخليج» عن الإمارة نموذجاً

دقة وصف تفاصيل دبي قديماً

تقع دبي على جانبي خور ضحل مدخله صعب، ويوجد رصيف بحري للمراكب الصغيرة التي تستطيع العبور إلى الداخل، وفيها 3 أحياء أهمها ديرة ويقع على لسان أرضي، وفيها مزرعة نخيل تقع خلفها على امتداد ميل واحد، وفي ديرة 1600 منزل ويضم السوق 350 حانوتاً، وهناك حي الشندغة وحي دبي الرئيس ويقعان على الجهة الجنوبية الغربية من الخور، ولكن الشندغة أقرب إلى البحر، وفيها مقر إقامة شيخ الإمارة، وفيها 250 منزلاً، وتحتوي مدينة دبي على نحو 200 منزل و50 حانوتاً ومسجد رئيس، وبقايا قلعة برتغالية، كما تعمل قوارب النقل بين ديرة ودبي، ويعبر أهالي ديرة يوم الجمعة مجاناً لأداء الصلاة في المسجد الكبير، ومياه دبي صالحة للشرب وعمق آبارها بين 5 و30 قدماً، وكان يحيط بالمدينة سور ولكن لم يبقَ منه سوى آثار، وعلى الجهة المقابلة للبر عدد من الأبراج للدفاع عن المدينة.

يبلغ عدد سكان دبي 10 آلاف نسمة وربما أكثر، ومنهم آل بوفلاسة والسبيع من قبيلة بني ياس، ولهم 440 منزلاً، وآل بومهير ولهم 488 منزلاً، وقبائل مختلفة معظمها من العرب وخصوصاً من المزاريع، وبعض الناس من البحرين والكويت ولهم 40 منزلاً، وقبيلة السودان ولها 250 منزلاً، والبلوش ولهم 200 منزل، والإحسائيون ولهم 50 منزلاً، وقبيلة المرر ولهم 30 منزلاً، والشياهين ولهم 10 منازل، وفي دبي 4000 نخلة، و 1650 جملاً و45 حصاناً و380 حماراً و430 رأساً من الماشية و960 رأساً من الماعز، ويبلغ عدد قوارب صيد اللؤلؤ 335 قارباً، إضافة إلى 50 مركباً لصيد السمك و20 مركباً بحرياً للسفر من نوع السمبوكة والبُدن، ويبنى سنوياً بين 10 و12 مركباً.

أما تجارة دبي فهي كمستودع للتجارة الأجنبية وتتردد عليها البواخر من الهند وإيران والسفن البريطانية، أما سفن الشركات الأخرى فتأتي إليها حسب الفرصة المتاحة، والصادرات المحلية هي التمور من البصرة وميناب والباطنة، وكذلك الأرز والقمح والسلع والبهارات والمعادن وحبال الليف والأخشاب الجندل من الهند، وفي المدينة نحو 400 دكان و200 مخزن، ويرسل جزء من الواردات إلى الداخل وخصوصاً إلى البريمي، وهناك 23 تاجراً هندوسياً، و7 من الخوجة، ويتمتعون بالحماية البريطانية.

 

1908

كتب جون لوريمر الخصائص الجغرافية للخليج في مجلد «دليل الخليج» عام 1908م، الموجود بالمكتبة البريطانية في لندن لمن يريد الاطلاع عليه.

 

1909

يوجد في «دليل الخليج» ملف مذكرات يعنى بالشأن التاريخي، وهو قسم خاص بأجزاء عدة، جمعها لوريمر عام 1909م تحديداً.

 

1914

أنهى لوريمر هذا العام جداول وخرائط أنساب العائلات في الإمارات تحديداً، ويتوافر ذلك في المجلد الأول وبالجزء الثالث منه.

صفحة متخصصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون في الإمارات والعالم

reem.alkamali@albyan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات