جذور

الوجود النسطوري في منطقة الخليج .. نصوص وشواهد آثارية 3- 3

تشير المصادر إلى أن ثيوفيلوس الهندي، المبعوث البيزنطي، أنشأ 3 كنائس، هي:

(1) كنيسة واحدة بُنيت في العاصمة الحميرية ظفار، لتصبح بالتالي إحدى أقدم الكنائس تشييداً في هذه البلدة.

(2) كنيسة في محيط ميناء عدن لِتكون مقراً دينياً للتجار الرومان المارين والنازلين في الميناء الذي أصبح ملتقى للتجار والملاحين والبحارة البيزنطيين القادمين من مصر البيزنطية والحبشة، وهم على الأغلب من النصارى، المتجهين صوب الشرق ونقطة الوصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

(3) الكنيسة الثالثة في منطقة الخليج العربي، وتحديداً بالقرب مِن مدخل الخليج، وعلى الأرجح في موضع بلدة دبا القريبة من مدخل الخليج، وهي في الوقت نفسه قريبة مِن شبه القارة الهندية. ويعد إنشاء هذه الكنيسة علامة دينية وتاريخية فارقة ومهمة مِن حيث موضع بنائها.

ومن الجدير بالإشارة إلى أنه كان في نجران كنيسة تعود للقرن السادس الميلادي ربما شُيدتْ بإشراف بيزنطي أو بدعم مِن الحكومة البيزنطية ولكن لم يعثر على آثار لها في الاستكشافات الآثارية في منطقة نجران. كما ضم ميناء حضرموت الرئيس «قانا» 3 كنائس. وهذا الميناء تحديداً كان على صلة وثيقة بمنطقة الخليج العربي منذ القرن الأول الميلادي فلا يُستبعد أن شيئاً مِن المؤثرات المسيحية قد بلغت منطقة الخليج عن طريق ميناء «قانا».

في الفترة الإسلامية

أحسن القس أندرو ثومپسون (Andrew Thompson) في كتابه: Christianity in the Untied Arab Emirates, Culture and Heritage في إثارة التساؤل الذي كثيراً ما يطرحه ويتداوله الباحثون الغربيون، وهو ماذا حلّ بمسيحيي المنطقة؟ وأين ذهبوا بعدما كان لهم حضور قوي؟

إذ طرح المصنِّف نظريتين: الأولى، أن هؤلاء المسيحيين قد تعرضوا للاضطهاد من قِبل المسلمين منذ العهد النبوي وخلال العهد الراشدي، ما اضطرهم إلى ترك المسيحية والدخول في الإسلام خشية على أنفسهم. والثانية، أن تحول المسيحيون إلى الإسلام كان نتيجة طبيعية لتغير الأحوال في عموم شبه الجزيرة العربية، بعد أن أسلمتْ الغالبية العظمى من العرب، ومسيحيو الخليج كانوا من ضمنهم فأسلموا طائعين غير مكرهين، وهو يميل لهذا الرأي. وهو رأي منصف، وحكيم، وموضوعي.

والأطلال البارزة

بعد كل هذا الاستعراض عن تأريخ الوجود المسيحي في منطقة الخليج العربي، سوف نتطرق بإيجاز إلى الدلائل الآثارية لهذا الحضور من خلال ما تم اكتشافه والعثور عليه من أطلال لكنائس، وملتقطات ومعالم مسيحية. ومن الملاحظ أن أكثر الآثار موجودة في 3 جزر كبيرة، ومهمة، هي جزر خارج، وفيلكة، وصير بني ياس. ومن المرجج أنه كان بين هذه الجزر شبكة مواصلات يتم عن طريقها تبادل السلع والمنتجات المحلية والمستوردة.

ما يدل على وجود ازدهار اقتصادي في القرون الميلادية الأربعة الأولى حتى القرن السابع الميلادي. وما كان ذلك ليتم لولا النشاط النسطوري في هذه الجزر، وفي الوقت نفسه فإن هؤلاء النساطرة كانوا على تواصل مع أهالي عُمان والبحرين في البر الرئيس.

أولاً: جزيرة خارج (خرج)

لا تبعد خارج كثيراً عن الساحل الإيراني للخليج، فهي تقع إلى الجنوب الغربي عن بلدة بوشهر، على بُعد حوالي 52 كم. ويبلغ طول هذه الجزيرة حوالي 4.6 كم، وعرضها نحو 8.4 كم، وأعلى مكان فيها يبلغ ارتفاعه فوق سطح الأرض نحو 284 قدماً.

كما كانت جزيرة خارج محطة متقدمة في الخليج العربي، يتوقف عندها المسافرون والمبحرون، إذ كانت هذه الجزيرة على الخط الملاحي بين بلاد الرافدين مِن جهة، وبين حوض نهر السند مِن جهة أخرى، وكانت موضعاً لإقامة المبحرين في طريقهم إلى الهند إضافة إلى الموقع فيبدو أن توفر المياه العذبة على جزيرة خارج وغيرها مِن الجزر تعتبر دافعاً قوياً للاستيطان والتموضع على الطريق الملاحي.

وقد كشفتْ التنقيبات الآثارية عن ديْر، ذي غرف متعددة، ومواضع للتعبد والخلوة، إضافة إلى عددٍ من المقابر لرجال ونساء بالغين وأطفالاً ما يدل على استمرارية في المعيشة، وتواصل في الإقامة، وحياة دائمة على الجزيرة وليست إقامة موسمية.

وكان الهدف من هذه الإقامة الحيوية المتفاعلة هو ممارسة أنشطة معينة، ربما ترتكز على الغوص على اللؤلؤ، والمتاجرة بمنتجات هندية وخليجية. كما عثر الآثاريون على عددٍ مِن الصلبان نُحتتْ بطرائق متعددة، غائرة، وبارزة إضافة إلى زخارف جدارية ذات أشكال هندسية بديعة، تشي بما تمتع به أولئك النساطرة من ذوق فني، وإتقان معماري.

فخاريات ملتقطَة

وأما فيما يتعلق بالفخاريات الملتقطَة في موضع الدير والمجمع السكني فهي متنوعة، محلية، ومستوردة من أماكن أخرى في منطقة الخليج العربي، فبضعها جُلب مِن سيراف، وبعضها أُتِي به مِن قصري أبو نصر في إيران، ومِن صحار في سلطنة عُمان، وبعضها استُورِد مِن الحيرة في العراق، ومِن موقع القصور على جزيرة فيلكة في الكويت. وهذا يدل عليه التماثل الشكلي والتقني بين هذه الكسر الفخارية، وبين فخاريات تلك المواضع.

ثانياً: جزيرة فيلكة

هي إحدى أشهر الجزر في منطقة الخليج العربي، ولها أهمية تاريخية وآثارية كبيرة، وهي الجزيرة الوحيدة المأهولة من جزر دولة الكويت. وفيها العديد من المواقع الآثارية، ومئات القطع الآثارية. ومن ضمنها موضع يُعرف بالقصور، يقع في منتصف الجزيرة وله شهرة بين سكان فيلكة الذين كانوا على علم تام بالحوائط الحجرية الكثيرة الموجودة على السطح.

وقد رُصد الموقع من قِبل البعثة الإيطالية في عام 1976 ونشرته خريطة في عام 1984. ويقع صحن الكنيسة المركزي بطول 19 متراً وعرض 6,5 أمتار. واكتشف في الممشى الجنوبي في عام 1988 بعض الصلبان.

ثالثاً: جزيرة صير بني ياس

وفي الجهة المقابلة مِن الخليج العربي يوجد حضور مسيحي مكثف على جزيرة صير بني ياس، في إمارة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. وقد قام فريق آثاري بالتنقيب في الجزيرة فتمكن من العُثور أيضاً على مجمع سكني متكامل بغرفه وممراته، ومخازنه إضافة إلى ديْر واضح المعالم، ما يمكننا أن نطلق عليه: «المجمع الكنسي المتكامل».

ونتيجة لهذه الاستكشافات الآثارية المهمة على الجزيرة فإننا لا نستبعد أن تكون هذه الجزيرة هي نفسها ما يُعرف بــ«الجزيرة السوداء» الواقعة بين بيت قطرايا والهند التي أشار إليها القديس إفرام، وأنها تضم كنيسة ودير القديس توما.

كما توصل إلى هذه النتيجة الدكتور جيفري كنغ ( G. R. D. King) في بحثه: A Nestorian Monastic Settlement on the Island of Ṣīr Banī Yās, Abu Dhabi: A Preliminary Report. ويعد المجمع الكنسي في جزيرة صير بني ياس أثبت الدلائل المسيحية التي اكتُشِفت في جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية.

رابعاً: جزيرة عكاز

هي إحدى جزر دولة الكويت، وهي جزيرة صغيرة تتموضع في داخل جون الكويت. وقد سُجلت بعض المعالم المسيحية مِن أهمها صليب مجسم على لوح مِن الجص، وآثار مبنى توحي هندسته بكونه كنيسة تتشابه مع تلك المكتَشَفَة في جزيرة فيلكة. وقد شُيدتْ أسس هذه الكنيسة مِن الحجارة البحرية. وكان مِن ضمن المعثورات كسرة لجرة فخارية عليها حرفان بلغة المسند، هما: «م» و«ث».

خامساً: شمال شرقي شبه الجزيرة العربية

يوجد في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية حضور مسيحي جلي مماثل لِمَا هو مُكتَشَف في جزر خارج، وفيلكة، وصير بني ياس، إذ اكتُشفت آثار كنائس في مواقع ثاج وجبيل وجبل بري إضافة إلى تشابه كبير في اللقى الفخارية وأشكال الصلبان وزخرفة الكنائس.

الوجود النسطوري في منطقة الخليج نشاط ودلائل

توحي مُلتَقطات مسيحية، مثل: شواهد قبور مشكلة على هيئة تماثيل، إلى وجود مسيحي قديم في جزر البحرين.

فإضافة إلى النشاط التجاري لا يُستبعد أن هذه المستوطنات كانت منخرطة في أعمال اللؤلؤ مهنة وتجارة وبيعاً وتبادلاً، خاصة أن تجارة اللؤلؤ كانت رائجة في المنطقة. وهو ما يشير إلى تواصل هذه المناطق، آنذاك، ويدل على ذلك أن جزيرة خارج كانت مشهورة بنوعية جيدة مِن اللؤلؤ تُعرف بالخارجي (أو الخاركي).

كما أن المواد الخام مِن النحاس والفضة في المنطقة، والإنتاج الزارعي في البحرين أدت إلى حدوث نشاط اقتصادي في المنطقة. ومِثل هذه التجمعات أطلق عليها جيفري كينغ: «المواقع المسيحية». وكانت تلك الكيانات النصرانية على تواصل فيما بينها، وفيما بينها وبين منطقة الحيرة وجنوبي العراق وإيران «بلاد فارس».

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات