جذور

الحرب العالميّة الثانية.. تحدّيات وفرة الغذاء في الخليج

عدد كبير من الوثائق البريطانية العائدة إلى سنوات ما بعد الحرب العالميّة الثانية، ترصد تجارة الأرز وبعض أنواع من الحبوب كالقمح والشعير، وتوحي مثل هذه التجارة إلى نشاط كبير في استيراد الأرز والقمح، تحديداً من الهند وبعض بلدان شرق آسيا.

وقد وضعت الحرب العالميّة الثانية بِكَلْكَلِها (ثقلها) على منطقة الخليج العربي، مّا أدّى إلى حدوث نقص كبير في مخزون الحبوب في المنطقة وبالذّات في الأرز والقمح، ما تسبّب في حدوث أزمة غذاء في المنطقة عانى منها الأهالي والمقيمون على أرضها.

وبناءً على ذلك، بعث المعتمد السياسي في الشارقة الكابتن م. پ. أو سي تاندي (Captain M. P. O’C Tandy) إلى الرائد توم هيكينبوثام (Major Tom Hickinbotham) الوكيل السياسي في البحرين رسالة بتاريخ 10 نوفمبر 1943 يخبره فيها أن الـ7 آلاف كيس من الأرز التي وصلت إلى دبي في أواخر أكتوبر لم يتبقَّ منها سوى 430 كيساً، لا تكفي حتى إلى نهاية أكتوبر، وأنّه من ضمن تلك الأكياس، ذهب منها ألف كيس إلى دولة مجاورة، و500 كيس نُقِلتْ إلى أبوظبي، وأنّه كان من نصيب عجمان ورأس الخيمة وأمّ القيوين 100 كيس لكلّ منها.

وهذا يفوق 2500 كيس، وبالتّالي فإنّ سكّان دبي الذين تزيد أعدادهم على 100 ألف نسمة إضافة إلى المناطق المحيطة بها. وهذا النّقص أدّى بالتالي إلى قلّة نصيب الفرد من الأرز. وطالبه بأنّ يسمح لإمارة دبي استيراد 2000 كيس من القمح البريطاني أسوة بالبحرين التي استوردت من القمح الأسترالي.

مع التلميح بضرورة تخفيض أسعار القمح وإلا لن يتمكّن الفقراء من شراء القمح. إضافة إلى استيراد كمّيّات من الشعير. ويمكن في هذه الحالة خلط دقيق الشعير والقمح كإجراء لتخفيف الأزمة على الناس حتى تصل شحنات القمح البريطاني.

كما ألمح إلى أنّ هذه الكمّيّات من شحنات القمح سيتم توزيع جزء منها على الشارقة وبقيّة الإمارات، ولذلك يجب أن تكون الكمّيّات كافية، مع لفت الأنظار إلى ضرورة تخفيض الأسعار ليتمكّن جميع الأهالي من شراء الحبوب التي يحتاجونها.

مكانة

وبناء على هذه الرسالة قام المقيم السياسي البريطاني بمخاطبة السلطات البريطانيّة في الهند وفي مصر، وتلقّى رسالة من السفير البريطاني في القاهرة بأنّ الحكومة البريطانيّة قرّرت إرسال مئات الأطنان من الدقيق إلى الإمارات.

ومن دقّة الإحصاءات أنّ الوثائق البريطانيّة أظهرتْ ما هو موجود في المخازن لاستهلاك الأهالي في الإمارات في شهور يوليو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر 1943، من المواد الغذائيّة من القمح والأرز والشعير والسّكّر والشاي.

وتشير بعض المراسلات بين المسؤولين البريطانيين إلى مكانة دبي في المنطقة، وأنّ كثيراً من أهالي البلدات والقرى والجزر في منطقة الخليج العربي كانوا يأتون إليها للتبضّع والشراء، ولذلك يجب أن تكون كمّيّات الحبوب فيها كافية للجميع.

وفي تلك الفترة أيضاً سمحتْ الحكومة البريطانيّة في الهند بتصدير أطنان من العدس إلى المنطقة للاستخدام المحلّيّ إضافة إلى استخدام بقيّة الجاليات في الإمارات الذين يفضّلون أكل الخضراوات بدلاً عن اللحوم.

وبسبب وطأة الحرب العالميّة الثانية أنشأتْ بريطانيا وزارة خاصّة بالنقل في وقت الحرب أسمتْها: (Ministry of War Transport)، ومن هنا نتلمّس خطورة الوضع السياسي والعسكري في المنطقة أثناء تلك الحرب.

ضابط التصدير

وفي حقيقة الأمر فإنّ سنوات الحرب العالميّة الثانية بين عامَي 1939 و1945 كانت سنوات عجاف على المنطقة، حيث انصرف همّ السلطات البريطانيّة لتوفير الأطعمة والغذاء للقوات المقاتلة على الجبهات المختلفة، والمتوزّعة في أكثر من قارّة.

ومن هنا حدث نوع من النّقص في إمدادات الغذاء في منطقة الخليج، خاصّة تلك السّلع والمنتجات القادمة من شبه القارة الهنديّة ممّا تطلّب الأمر اتباع عدد من الإجراءات الكتابيّة والحسابيّة والعمليّة في إرسال شحنات الأغذية إلى المنطقة. وأدّى بالحكومة البريطانية آنذاك إلى ابتكار وظيفة سمّتْها: ضابط التصدير التجاري (The Export Trade Controller) في بومبي وكراتشي ونيودلهي وغيرها من مدن الهند.

كما أنشأت الحكومة البريطانيّة آنذاك، وزارة خاصّة تعنى بإمدادات الغذاء، سمّتْها وزارة التغذية أو وزارة الغذاء (Ministry of Food) ممّا اضطرّ المعتمدون السياسيّون في الخليج لمخاطبة هذا المسؤول مباشرة، سائِلِيه الإفراج عن بعض الشحنات، وإرسالها إلى منطقة الخليج.

الوضع الغذائي

ومن هنا نلاحظ أنّ أغلب هذه المراسلات كانت تتتبّع الوضع الغذائي في الخليج، وما يتوفّر منها في المخازن. وفي رسالة للمعتمد البريطاني في البحرين بتاريخ 17 يناير 1944 أنّ دبي تسلّمت 1600 طنّ من الدقيق، و320 طنّاً من الشَّعير، وتسلّمت الشارقة 400 طنّ من الدقيق، و80 طنّاً من الشَّعير.

وفي آخر يناير 1944 سمحت وزارة مواصلات الحرب بإيصال ألف طنّ من الدقيق إلى دبي، و250 طنّاً من الدقيق إلى الشارقة. ثمّ تكرّر الأمر نفسه في فبراير من العام نفسه، إذ وصل إلى ميناء دبي من البصرة 1040 طنّاً من القمح، إضافة إلى 240 طنّاً من الشَّعير، وإلى ميناء الشارقة 260 طنّاً من الدقيق، و40 طنّاً من الشَّعير.

وفي مايو من العام نفسه وصل إلى ميناء دبي 7385 كيساً من الدقيق، و3600 كيس من الشَّعير، وإلى الشارقة 1200 كيس من الشّعير. وفي شهر يونيو وصل إلى ميناء دبي 13868 كيساً من الدقيق، و3200 كيس من الشَّعير، بينما وصل ميناء الشارقة 2160 كيساً من الدقيق، و900 كيس من الشَّعير. وفي سبتمبر 1944 تسلّم ميناء دبي 6413 كيساً من الدقيق، و3200 كيس من الشَّعير، بينما وصل ميناء الشارقة 3267 كيساً من الدقيق، و1800 كيس من الشَّعير.

وهذه الشحنات تمّ تصديرها من ميناء البصرة. وفي ديسمبر وصل ميناء دبي 7680 كيساً من الدقيق، و1700 كيس من الشَّعير، ووصل إلى ميناء الشارقة 2164 كيساً من الدقيق، و900 كيس من الشَّعير.

وبطبيعة الحال فأطنان الحبوب هذه لم تكن بالمجّان بل دفع التّجّار في دبي والشارقة آلاف الروبيّات مقابل استيرادها، وحالت ظروف الحرب دون وصولها بسهولة إلى الإمارات، علماً بأن هذه حبوب القمح والأرز والشَّعير، كانت تنقل من دبي والشارقة إلى بقيّة الإمارات على ظهور الإبل إن كانت متجهة نحو المدن الداخلية، أو على متن القوارب إلى المناطق الساحليّة.

لائحة

المطلع على الوثائق البريطانية الصادرة في ذلك الوقت، يكتشف أنها تضمنت أيضاً لائحة بعدد من السلع التي نالها حظر التصدير إلا بإذن من السلطات البريطانيّة في الهند، مثل: القنب، والخشب، والألوان الجافّة، والصناعات القطنيّة، والجلديّة، والصابون، ومنتجات الزيوت، والسجائر، والمكسّرات، والمخلّات والخل، والسّكّر.

 

1944

بلغت تشديدات الحكومة البريطانيّة آنذاك على التصدير حدّاً كبيراً، لدرجة لم تتمكّن معها شركة «كري مكنزي» من جلب سيّارة لمندوبها في دبي من العراق أو من المملكة المتحدة، ممّا اضطرّ سكرتير المقيمة في بوشهر إلى مخاطبة الحكومة البريطانية في الهند في 1 يوليو 1944، للسماح بشراء سيّارة مستعملة وتصديرها بعد ذلك إلى دبي.

ومن ضمن وثائق تلك الفترة رسالة بعثها المعتمد السياسي في البحرين إلى ضابط التصدير التجاري في كراتشي، بتاريخ 23 نوفمبر 1944، طالباً منه تصدير 80 طنّاً من الفلفل الأسود للبحرين، و24 طنّاً للإمارات، نظراً لقلّة المخزون في المستودعات.

وفي رسالة أخرى بتاريخ 8 يناير 1945، موجّهة إلى حكومة الهند في نيودلهي يرد فيها: طلب السماح بإرسال شحنات من الفلفل الأسود، إلى البحرين 80 طنّاً، وإلى الإمارات 24 طنّاً، وإلى الكويت 20 طنّاً، ومسقط 15 طنّاً، وفي رسالة سابقة بتاريخ 16 ديسمبر 1944 وافقت حكومة الهند على تصدير 250 طنّاً من حبوب الهيل للمنطقة.

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات