عبر الوثائق البريطانية وقبل الحرب العالمية الثانية

النشاط التجاري لليابان في الخليج العربي

شهدت اليابان قُبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وتحديداً بين عامَي 1931 و1937 نشاطاً كبيراً في ميادين الاقتصاد والتعليم والتقنية، دفعتْها للتطلّع نحو آسيا بهدف الامتداد السياسي والتداول التجاري مع العالَم الخارجي.

وفي هذه الأثناء بدأت عدد من السفن التجارية بالتوجّه إلى منطقة الخليج العربي؛ بهدف إيجاد صلة تجاريّة مباشرة بين اليابان وبين إمارات ودول الخليج العربي، في تلك الفترة المبكّرة من التاريخ، وقُبيل تسارع الأحداث نحو نشوب الحرب العالميّة الثانية.

في هذه الحلقة سوف نتطرّق لِمثل هذه النشاطات في منطقة الخليج العربي من خلال بعض الوثائق البريطانيّة المهمّة التي تضّمنت معلومات قيِّمة دوّنها المقيم السياسي في المنطقة المقدّم السير ترنشارد كرافن ويليام فاول (Trenchard Craven William Fowle; 1939-1946) أثناء مراسلاته مع عددٍ من المسؤولين البريطانيين في إدارة التجارة الخارجية.

إضافة إلى بعض المقتَطفات من الملخّصات واليوميات التي أعدّتْها الوكالات والقنصليات البريطانية حول منطقة الخليج العربي.

بداية

بدأت اليابان تتلمّس منطقة الخليج العربي في عام 1933، وذلك بعد أن وصل عدد من رجال الأعمال والصناعيين اليابانيين إلى موانئ إيران الجنوبية، ثم أسّسوا شركة استيراد وتصدير ونقل سمّوها شركة «التجارة الفارسية»، وجعلوا مقرّ مكتبها الرئيس في طهران، ثم زاروا العراق، ووصل اثنان منهم إلى البصرة، وهما: م. ج. أونو (M. G. Unno)، وهـ.

كاواباتا (H. Kawabata)؛ ليتعرّفا إلى إمكانيات ميناء البصرة، وكيفيّة الرسوّ فيه، والأرصفة، والخدمة، والحمل، والنّقل، وجمعا أكبر قدر من المعلومات من مصادر شتّى.

وكان من ضمن جمع المعلومات قيام مدير شركة (Osaka Mercantile Steamship Co. Ltd) من مكتبها الرئيس في بومبي بإرسال كتاب إلى مدير ميناء الكويت (Port Officer) بتاريخ 27 يوليو 1933، يسأله تزويده بقواعد العمل والأنظمة المعمول بها في الميناء والجمارك.

وأهم السلع المُصَدَّرة من الميناء، وكميات المنتجات المستورَدَة، وإمكانيات الشحن والنقل، وخرائط الميناء المتوافرة، وعمق المياه، والأرصفة، ومدى قدرة الميناء على استقبال سفن الشحن الضّخمة. ويختم رسالته سائلاً عن أيّ معلومات ذات فائدة حول ميناء الكويت.

وفعلاً، وصلت سفن النقل التجاري الياباني إلى البصرة والمحمّرة منذ عام 1934. وكانت هذه السفن محَمَّلة بأنواعٍ من المنسوجات القطنيّة والحريريّة، والأواني الزجاجيّة، والإطارات، والبضائع المطّاطيّة، والأدوات النّحاسيّة، والأسلاك الحديديّة، وأنواع من الصابون، والمساحيق، وعلب الكبريت الآمنة، وألعاب الأطفال، والسلع الكهربائية، والمصابيح، وغيرها.

ثمّ تطوّرت مواد التصدير إلى أن وصلت إلى الإسمنت الياباني. وقد صدّرت اليابان آنذاك كميات كبيرة من الإسمنت. وزار العراق عدد من المسؤولين اليابانيين منذ بداية عام 1934، وناقشوا خلال هذه الزيارات إمكانيات تصدير التمر العراقي، والقمح، إضافة إلى الخيول العربية إلى اليابان.

وفي 5 يناير 1934 وصلت سفينة الشحن اليابانيّة «يوشيدا مارو» (Yoshida Maru)، وهي في طريقها إلى البصرة (ثم وهي في طريق عودتها كذلك)، إلى ميناءَي دبي والشارقة، وهي المرّة الأولى التي تصل فيها سفينة شحن يابانيّة للإمارات آنذاك.

وأنزلت في ميناء دبي 105 أطنان من الإسمنت، وفي ميناء الشارقة 205 أطنان، كما رست في البحرين والكويت، وحازت البحرين أكبر كمية من الإسمنت بلغت 650 طناً، وفي الكويت أنزلت 105 أطنان من الإسمنت، بما عدده 5005 أكياس.

أرز ياباني

وتشير الوثيقة إلى أن قبطان السفينة اليابانية كان يتحدّث الإنجليزية بطلاقة، وتمكّن من النزول في مدينة الكويت، والتقى عدداً من التجار، وحاول مقابلة شيخ الكويت، وكان حينها الشيخ أحمد الجابر، ولكن لم يتمكّن من لقائه. وتنقّل في أرجاء مدينة الكويت، وزار أسواقها وتعرّف على طرق البيع والشِّراء فيها.

كما وصل الأرز الياباني إلى البحرين في تلك السنة، وبِيْع كيس الأرز الياياني بسعرٍ أرخص من الأرز الهنديّ.

كما وصلت سفن الشحن اليابانية الضخمة إلى ميناء الكويت، محمّلة بـ6000 كيس من الإسمنت، و12 ألف كيس من الأرز في إحدى زياراتها للكويت، ثم تبعتْ ذلك زيارات أخرى أودعت فيها مخازن الكويت آلاف الأكياس من الأرز، وكان التجار اليابانيون يأملون بدخول السوق الخليجي وفتح وكالات تجاريّة لهم في موانئ الخليج.

كما صدّرت اليابان للبحرين كذلك آلاف الأكياس من الأرز والإسمنت منذ شهر يونيو 1934، وقام تاكيو هامزاكي (Takeo Hamzaki)، ممثّل شركة «ميتسوي باسان كايسا» (Mitsui Bassan Kaisa)، إحدى شركات النقل الضخمة، بزيارة إلى الكويت في 19 مايو 1934؛ للقاء عددٍ من التجار الكويتيين؛ بهدف تصريف السلع والبضائع اليابانية ثم قام في الشهر نفسه بزيارة للبحرين.

ثمّ تبعه واي أكوكادا (Y. Okada)، ممثّل شركة «كانيچرافوشي سپيننج» (Kanegafuchi Spinning Co.)، إحدى شركات النسيج الكبرى في اليابان، بزيارة للكويت للهدف نفسه.

منافسة

وبين يومَي 21 و27 فبراير عام 1936 قام ك. أوهبا (K. Ohba)، ممثّل شركة (Mitsui Bussan Kaisha Line)، وهي شركة مواصلات بحرية كبرى في اليابان، بزيارة للبحرين؛ بهدف فتح وكالة للشركة فيها.

وذكر أثناء لقاءاته بالمسؤولين في البحرين أنه يرغب في أن تقوم إحدى ناقلات النفط في الشركة بزيارة البحرين لنحو 3 مرّات شهريّاً. ويقال إنّه التقط بعض الصور الفوتوغرافية أثناء مروره بالطائرة على بعض الأماكن، وكان من ضمنها قاعدة «الجفير» في البحرين، ومدينة الشارقة كذلك أثناء توقّفه في مطارها.

ولكن لم يدخل المدينة ولم يلتقِ بأحدٍ من الأهالي، ولم يتحدّث مع أحد من المواطنين فيها. ومنذ ذلك العام بدأت اليابان تصدير الشاي الياباني والصيني إلى المنطقة، وإلى البحرين تحديداً، منافسة بالتالي واردات الشاي الهندي، وكانت تبيعه بثمن أقلّ. ومن الجدير بالذِّكر أنّ الشاي الياباني شهد إقبالاً من الأهالي لشرائه وتذوّقه.

خط ملاحي مباشر

في يوم 10 نوفمبر عام 1936، تواصل اليابانيون مع الحكومة الإيرانية لاستغلال مناجم الملح في جزيرة هرمز، بل قام أحدهم بزيارة الجزيرة، ومعرفة إمكانية تصدير الملح إلى اليابان مباشرة.

وكان من ضمن النشاطات التجارية اليابانية هو فتح التواصل مع العالَم العربي عبر إنشاء خطّ ملاحيّ مباشر من منطقة الخليج العربي إلى طوكيو، كما تمكّنت بعض الصحف اليايانية الرائدة من إنشاء وكالات إعلاميّة لها في العراق، والتخطيط لإنشاء غيرها في بقيّة بلدان الخليج العربية.

إضافة إلى ذلك، فإن الحكومة اليابانية كانت تخطّط لفتح قنصليّات لها في بلدان الشرق الأوسط، مبتدئة بفتح قنصليّة لها في بغداد، وتزامن ذلك مع فتح مكتب أو ملحقية تجاريّة لها في بيروت، في أوائل فبراير عام 1938.

كما عملت الحكومة اليابانية على فتح تمثيل لها في مسقط رغبة منها في جمع المعلومات المناسبة عن المنطقة، وتحقيق دراسة واقعيّة على الأرض حول الإمكانيات الاقتصاديّة لها، بحيث تمكّن اليابانيين من الاستفادة من ذلك سياسيّاً واقتصاديّاً.

وفي أكتوبر عام 1938، تسلّم السلطان سعيد بن تيمور رسالة مكتوبة باللغة العربية من الممثلية اليابانية في بيروت، حول إقامة اليابانيين في سلطنة عُمان آنذاك.

وردّ السلطان بأنه لا توجد أيّ قيود مفروضة على اليابانيين للإقامة في عُمان وممارسة التجار نشاطاتهم المختلفة على أراضيها. وبطبيعة الحال، فإن السلطات البريطانية كانت تنظر بعين الريبة لهذه النشاطات الاقتصاديّة اليابانيّة في منطقة الخليج العربي، التي توقفت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.

دعاية مضادّة

غمزت إحدى الوثائق البريطانية من طرف خفيّ إلى أن بعض السلع اليابانية مضروبة، وغير جيّدة، إذ تورد مثالاً وحيداً عن امرأة أصيبت في في صدرها .

وذلك في شهر مارس من العام 1934، وأخذت تراجع المستشفى، حيث ذكرت الوثيقة أن صدرها «ياباني» كنايةً عن كونه رديئاً وضعيفاً، بما يعني أن لفظة «ياباني» أو «صناعة يابانية» تدل على الرداءة وعدم الجودة، وهذه بلاشك دعاية مضادّة، إذ تذكر الوثيقة ذاتها أن السلع اليابانية أكثر رخصاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات