حضور الهوية و«اللاهوية» في الفن والحياة

غياب وجوه رينيه ماغريت

«ابن آدم».. تعريف رينيه ماغريت الوحيد لانتمائه إلى بني البشر

«الهوية» انتماء لمكانٍ تجسده بطاقةٌ «بلاستيكية» بحجم بطاقة الائتمان، تختزل بياناتك مثل اسمك وصورتك، وجهك وملامحك، ميلادك ووطنك، توقيعك الخاص أو بصمتك، ومعلومات إضافية أخرى، لتصبح صالحاً للتداول ودون «الهوية» أو البطاقة الشخصية التعريفية، فتصبح كائناً شاحباً وغاضباً على كل شهم كيف ينكرك وينكر جوهرك الإنساني، وما يكرس فيك من غياب، فاللاهوية هي اللاصورة، واللاصورة هي اللاانعكاس في مرآة العالم، وبالتالي حياة مزيفة، بلا ذاكرة وبلا مشاعر، وربما بلا صديق، فتتحول دنياه إلى يأس، على أن سؤال الهوية قد طُرح في الفنون منذ زمن بعيد، لوجه هذا الإنسان الموجود الغائب الواضح الغامض.

إخفاء الهوية

طرح فنانو العالم بمدارسهم المتعددة فكرة الإنسان والهوية، وأكثرهم غزارة في هذا الموضوع هو الفنان البلجيكي رينيه ماغريت الذي عاش في القرن 20، ورسم هذا المفهوم كما يبدو وهو في اللاوعي من العطاء، أو قد يكون من عقله الباطن الذي صوّر معظم لوحاته الجاذبة والمختلفة، رجالاً ونساءً بلا وجوه واضحة أو مغطاة بأغطية بيضاء وأساليب أخرى عديدة مفاجئة للجمهور حينها، لناس بلا وجود ومجرد أشباح تتنفس، وعلى الرغم من تتطابق الفكرة واختلاف السبب في مسألة تغطية الوجه لدى بعض النساء في الشرق، تبقى فكرة إخفاء هوية الشخص حاضرة.

تقليب الصور وفراغ الحضور

في عام 1964، لم تكن مسألة الهوية مطروحة بشكلها المعاصر، أو بشكلها الفلسفي (من هو؟ ومن يكون؟)، لكن في المقابل رسم في ذلك العام الفنان البلجيكي، رينيه ماغريت لوحته المشهورة الملهمة بعنوان «ابن آدم»، الذي أبدع في طرحها كفكرة غرائبية على الرغم من بساطتها، لتعد اللوحة عاكسة لكل ما يرى الإنسان المجهول في نفسه من بنية تحتية ثابتة أو واهمة لهوية مفتعلة، حيث لا شيء واضح أثناء النظر إليه سوى تفاحة خضراء على وجهه، لتصبح الدلالة أنه ينتسب إلى آدم بتفاحته، أو ينتمي إلى تلك الأساطير والحكايات القديمة لمعنى التفاح كثمرة ممنوعة.

 

هوية ولاهوية

ملابس الرجل في اللوحة وقبعته الشعبية تجعله يلتحق بالطبقة المتوسطة، ولكن التفاحة التي حجبت هوية وجهه أظهرته كاللغز، ليتعرض في شخصه للانتقاد وقلة الاحترام، طالما يفتقر إلى صورة وجهه الذاتي الثابت للهوية، وإن أمكننا رؤية عين الرجل على حافة التفاحة، ومع ذلك يبقى تعريفه الوحيد انتماءه إلى بني البشر، فلا ميزة له سوى أنه (ابن آدم) كصفة خفية وظاهرة، فالإنسان بشكل عام يرغب في معرفة كل ما هو خفي، حتى يصبح نوعاً من الصراع على المخفي والمرئي، على المطموس والبارز، على الهوية واللاهوية كما هو سؤال اليوم.

انطباعية وسوريالية

كانت الظروف الاجتماعية مختلفة لرينيه ماغريت، ليناقش فكرة الوجود فناً، وذلك بسبب ما مرَّ بحياته وطفولته من أحداث، كانتحار أمه ورؤيته لجثتها بعد انتشالها من النهر، ولباسها يغطي وجهها، فلم يتسنَّ له النظر إلى وجهها، وكأن هذا الحَدَث أصبح مصدراً لجميع لوحاته التي رسمها فيما بعد، لأشخاص يرتدون ملابس ويحجب وجوههم بالأقمشة أو بتفاحة أو حمامة أو يدعهم بلا ملامح، كرد فعل على مشاعره من الاغتراب العاطفي وتخلي أمه عنه، ولكن بعد قراءتنا لسيرته الذاتية نستطيع القول إن بإمكان الإنسان صناعة هويته الخاصة ويثبت وجوده وحقيقته وصفاته الجوهرية، دون الهرب من معالم هذه الفرضية وهذه التشابهات المخيفة للعموم، حتى لا يبقى في القعر، ومع ذلك يحضر السؤال (كيف ستكون الحياة بلا هوية؟)، أما لدى رينيه ماغريت، كان هذا السؤال مطروحاً كما يبدو لنا في رسمه، وخاصة بعد احتلال الألمان بلجيكا في الحرب العالمية الثانية، لتنتسب لوحاته إلى الانطباعية في البدء، وفيما بعد أخذ أسلوباً سوريالياً تلقائياً تمثيلياً، بهدف خلق صورة شعرية وفي أمكنة غير مألوفة، حيث لا هوية لها، كالسماء والناس والأشجار والجبال والأثاث وأبراج القلعة والنجوم، ليتغاضى عن هوية المكان المحتل، من خلال الشخص الذي يرسمه، بأن يكون بلا أي رمز أو دلالة قديمة أو حديثة وبالتالي بلا هوية.

سأل كثيرون ماغريت عن أعماله ولماذا هي بهذا الشكل، كانت إجابته تنحصر حينها في: «إنها مجرد صور مرئية لا تخفي شيئاً». ولكن هل ما فعله هو استحضار للغموض؟ وإلا لمَ برأيكم يتأرجح بين الواقع والوهم وهو يقلب الصور والوجوه وضوحاً وخفاءً؟

الموناليزا.. الهوية الواضحة الغامضة

وضوح وغموض

الشاهد أن الفنانين السابقين لم يتنصلوا من تحديد ملامح سيرة الإنسان وهويته، ومثالاً على ذلك وقبل 5 قرون أي في زمن الفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي مثالاً، حين كانت الفلسفة الفنية حينها غامضة، خاصة في الثقافة الشعبية وما يتعلق في مناقشته إبراز الهوية فناً، وهذا ما حدث من خلال لوحته «الموناليزا» أو«الجيوكندة» الشهيرة بهويتها الواضحة جداً والغامضة جداً في آن، وبفلسفته الفنية لأشهر ملامح وأوضح وجه، لكننا لا نكف عن طرح النظريات حولها، بعد سؤال وحيد، وهو (من هي؟)، إنها غامضة على الرغم من وضوحها ليبقى السؤال مختصراً وعالمياً، وبما أننا لا نزال لا نعرف هويتها، فقد أصبحت «الموناليزا» اليوم اقتراحاً فنياً إعجازياً، ووسيلة لإثارة اللغز، فعلى الرغم مما ذكر عنها فلا حقائق حول هويتها، لتصبح الهوية علامة اللوحة وموضوعاً عالمياً شائكاً، وتخرج نظريات عديدة حول امرأة واضحة لكنها مجهولة.

لغز واقتراح

رسم «ماغريت» وجوهاً بلا هوية، لإبراز كل ما هو غامض وفي حضور كبير، ها قد أصبحت لوحاته مقترحة لتفسير معضلة هذا الإنسان منذ أصله البشري، لتصبح الهوية مسألة داخلية جوهرية تم تأطيرها في أشكال متعددة، في حين يبقى الغموض في الفن وسيلة لإثارة اللغز، فالفن إبداع وضرورة وبحث، وإن كان نوعاً من أنواع الاقتراح.

 

جرأة وحكمة وطموح

ناقش فنانون عالميون الهوية كشأن ثقافي مهم بأسلوب فني لفترة طويلة أمام الديمغرافيات القائمة على خصخصة الأمور من توزيع وتركيب وكثافة وأعراق وكل ما هو قائم بين الأصيل والدخيل، ومع كل تلك الرموز الجامدة والمغلقة، بقي الفن يفكّر ويلوّن ويحاصر كل امتلاك، وضرورة قيام عدالة لا بد منها بعد تفسير الهويات ومعانيها المعادية، كما هي اللوحة الشهيرة «الرجل اليائس» التي رسمها الفرنسي غوستاف كوربيه عام 1845، وهي صورة لشاب ينظر إلينا بيأس ويشد شعره، معبراً عن ذاته وجزء من داخله بمهارة رائعة ودون تجميل، لعلمنا بأن ما في داخلنا هوية فطرية وممنوحة، وعلينا التعبير عنها بمرونة وحرية بعيداً عن الأنظمة الفكرية السائدة.

لوحة "الرجل اليائس" للفرنسي غوستاف كوربيه

استخدام الصورة الذاتية والهوية الداخلية الإنسانية كانت رسائل تعبّر عن حالات نفسية مختلفة للواقع، تماماً كما فعل الفنان الهولندي «رامبرانت» في القرن 17 الميلادي، واكتشاف وهويته الحقيقية الخارجة من التمثيل الذاتي، بعد أن رسم «بورتريه» لوجهه في كل مراحل حياته وصلت إلى أكثر من 24 لوحة شخصية ليشاهد ملامحه كيف تتغير، فيصوغ بالتالي هويته المبكرة وتطوره النفسي، ومعرفة النبرة الذاتية لشخصيته ونفسيته العميقة.

مروراً بلوحة «امرأة مع مروحة» للنمساوي غوستاف كليمت التي رسمها عام 1916، وتوضيح هوية الحب والموت والتجديد بشكل غير مباشر، ومن خلال الألوان الصفراء الزاهية والطيور على اللوحة بكاملها، إلى الإنجليزي جون سنجر سارجنت، ولوحاته للملابس الفاخرة وسيدات مخمليات، وكأن الهوية صناعة المجتمعات الفاخرة.

وهكذا مع إصرار الفنانين المتميزين في بداياتهم، من أجل الاستقلال ونقل الحقيقة على مصراعيها بجرأة وحكمة وطموح واحتجاج وعزم، والابتعاد عن الفن الرسمي، بقصد تغيير مسار تاريخ الفن، كانت رغبتهم شديدة لتبقى فكرة الهوية متأصلة في جوهر الإنسان، لا في مكان آخر.

 

هوية مجازية للمجهول الباهت

لوحة "رجل في قبعة بولر"

لم يكن ثمة ما يصد الفنان رينيه ماغريت، فهو يرسم التفاصيل الغامضة والمثيرة للجدل، خاصة في لوحته «رجل في قبعة بولر»، التي رسمها عام 1964، هذا الرجل وغرابة الطائر الذي يطير على وجهه من يساره إلى يمينه، وكأن الطائر قد خطف وجهه نحو النور، نحو الحقيقة، الصدمة، فكيف يتحرك بفكره وكيف يتناول الأمور، وهو بربطة عنقه الباهتة المفترضة، وحسب وقوفه أثناء مشاهدتنا له وتخيلنا وجهه المخفي، فلا بد أنه في حالة اختطاف، ذهول أو تعجب ربما في صورة جامدة ونابضة، وهوية مجازية لمجهول، ولطير أبيض يحرك اللوحة ويدهش المشاهد وهو في شعوره اللا وعي.

 

«جولوكندا».. السماء تمطر رجالاً

 

لوحة "جولو كندا" 1953م

في لوحة «جولوكندا» مشهد غير مألوف لم يُرسم في عالم الفن، لرجال يتساقطون من السماء، وكأنها فكرة إشكالية، ونتساءل أليس من الممكن أن نتخيل أيضاً أنهم لا يتساقطون، بقدر أنهم يتمركزون في الجو، فالتساقط لا يكون منظماً هكذا، بينما هؤلاء يستسلمون وقوفاً وبلا حركة، وإذا ألقينا النظر إلى السماء الغائمة فالأقرب للخيال تفسيراً أنهم ينهمرون كحبات المطر، وبالتالي نتصور كيف هي الهوية المتساوية في بيئة متماثلة وفي ضواحي المدينة، وأخيراً وحدة وجهات النظر، وزيف بعض القواعد المنظمة وعماية الغرور، لكن تبقى اللوحة ممتعة.

 

«أسرار الأفق».. فرادة وتطابق

 

لوحة «أسرار الأفق»

تظهر لوحة «أسرار الأفق» عام 1926، 3 رجال يتطابقون في قبعات الرأس، ويتشاركون مساحة محدودة، فمن هؤلاء يا ترى، وهم في الهواء الطلق ينظرون إلى أسرار الأفق؟ كما أن لكل منهم هلالاً منفصلاً ومتشابهاً، على الرغم من اختلاف اتجاهات الوجوه، فهل هذا التكرار والتطابق والاختلاف واقعي في عمل رينيه ماغريت؟ أم قاصداً تشويه الهوية المعنوية والقانونية لهؤلاء الموظفين؟ أم توضيح لهوية مكانتهم ومواقعهم الضائعة؟ لكونهم لم يتمكنوا من أداء أدوار أخرى، رغم أننا نستطيع رؤيتهم بصورة مختلفة، حيث الوجوه متأملة، وبهوية انفرادية إن صح لنا التعبير.

 

reem.alkamali@albyan.ae

صفحة متخصصة بعلوم التاريخ والتراث والفنون في الإمارات والعالم

طباعة Email
تعليقات

تعليقات