الحاصلة

سيرة مصحف شريف

ريشة طاووس جميلة شدتني وأنا أشتري بعض احتياجاتي، وأخذتني التفاتة اللحظة لذكرى ريشة أثيرة صحبتني في سنواتي الأولى، ريشة جليلة مذيلة بعنبر كانت تسبح خاشعة في قلب مصحف !

مصحفي القديم الذي مذ وعيت وبركته تنثر نداها في بيتنا الطيني الصغير، رافقني في طفولتي الباكرة وأنا أتلقى دهشة الحروف الأولى عند مطوعتي الحبيبة «عذيجة»، رحمها الله.

فور وصولي للبيت توجهت للمكان الذي أحتفظ فيه بالمصحف، احتضنته، تحسست غلافه الأخضر الذي انفصل عن جسمه مرات عدة، وكانت جدتي الغالية، رحمها الله،» تأخذه في كل مرة لمن يصلحه، تحسست الخيوط الطيبة التي قامت بفخر، إلى الآن، بمهمتها الشريفة بالوصل بين المصحف وغلافه، وارتمت عيني في حضن الكلمات التي وثقت محاولاتي الأولى لخط الكلمات التي غدت شغفي، ونبض قلبي مشفق وهو يتتبع انحناءات الحروف التي دونت بها اسمي للمرة الأولى! وأبتسم بحنان للطريقة الطريفة التي كتبت بها اسم والدي الحبيب، رحمه الله.

قلبت الصفحات البنية ففاحت رائحة زكية، وارتجفت روحي عندما رأيت عنبراً متحجراً وبقايا من ريشة في موضعين مختلفين من المصحف!

غمرت قلبي سحابة حنين فاض نداها في عيوني وأنا أستعيد لطف وصايا جدتي بأن ريشتي الصغيرة المذيلة بالعنبر والتي أتتبع بها تلاوتي ستكبر كلما قرأت، وتذكيرها لي دوماً بأن أقول: «وهبت المصحف: وليس «اشتريت المصحف» توقيراً وتعظيماً، تذكرت «الحِفيظة» تلك الحقيبة القماشية التي خاطتها أمي لأضع فيها مصحفي حفاظاً عليه، ومرفعي الذي طالما مرجحت جذعي أمامه وأنا أكرر الآيات للحفظ.

هذه السحابة تلونت بفضول لمعرفة عمره التقي!

هنا سأتتبع معكم سيرة زكية عطرة لمصحف شريف، تمتد جذوره في التاريخ مرتبطة بذاكرة وطن.

عمر مبارك

هو مصحف ذو غلاف كرتوني أخضر مزين بنقوش إسلامية بسيطة باللون البني الفاتح، دُوّنت عليه عبارة «قرآن مجيد»، واسم جهة الطبع وهي «مطبع محمدي بمبئي»، وفي صفحته الأخيرة دُوّن اسم الخطاط الكاتب الشهير «محمد عبدالخالق شاه أبادي» وتوقيعه، وأسماء المدققين والمصححين وتوقيعهم.

أمّا سنة الطبع فأُرّخت بتاريخ 1342 هجرية، هذه السنة امتدت في التقويم الميلادي بين سنتي 1923 و1924م، وبذلك يكون عمره أربعة وتسعون عاماً، أي ما يقارب قرناً من الزمان!

وانطلاقاً من هذه المعلومة المحفّزة وددت أن أعود للعشرينيات من القرن الماضي، أستلهم من هذه المعلومات القليلة التي منحني إياها مصحفي المبارك ملمحاً من ملامح الحياة في وقت أصيل.

كيف وصل المصحف لبيتنا؟

في العشرينيات.. والعالم ينفض يديه من مآسي الحرب العالمية الأولى محاولاً استعادة توازن روحه، كانت هذه الأرض الطيبة تعاني عزلة لم تخترها.

وحياة شحيحة الموارد تكيفت معها بصبرها الجميل، ويقينها الذي تجلّى واقعاً عاشته بسلامة فطرتها ويقين إيمانها، هذه الروح شكلت وعياً ثقافياً لجيل تلك الحقبة دفعها لفتح نوافذ جديدة يطلون منها على أفق أرحب، مجابهين الضيق الذي فُرض عليهم باستغلال ما أمكن من وسائل لتلقي المعرفة، وتعليمها لأطفالهم، ناظرين للكتب نظرة إجلال وإكبار، وقد حرصوا على اقتنائها بالطرق المناسبة لإمكاناتهم.

فقد كانوا يحضرون الكتب والمصاحف معهم عند عودتهم من الحج، أو يقومون بتوصية المسافرين، وقد يحضرها التجار من مختلف البلدان التي يسافرون إليها للتجارة ومنها الهند التي ارتبطت بعلاقة وثيقة بشبه الجزيرة العربية منذ آماد بعيدة، وأضاف دخول الإسلام إليها بعداً جديداً للتقارب والتبادل الثقافي معطياً نموذجاً رائعاً لتجاذب الحضارات.

طباعة القرآن الكريم في شبه القارة الهندية

كتابة القرآن الكريم كانت معروفة ورائجة في العهد الإسلامي في الهند، وقد وُجدت نسخ من القرآن الكريم في شبه القارة الهندية مخطوطة باليد عبر العصور. كان هذا العمل الشريف يمثل قيمة عالية حرص عليها السلاطين المسلمون، ومنهم السلطان العادل (أورنك زيب 1658م-1707م) الذي كان ماهراً في الكتابة القرآنية، وتاريخه شاهد على ذلك.

كما كان أمراء الهند وسلاطينه يهتمون بالخطّاطين المرموقين الذين ينسخون القرآن الكريم بخطوط عريقة، وبالمصحّحين البارعين الذين كانوا يراجعون الكتابة بدقة متناهية ويوقعون مع كتابة أسمائهم في صفحته الأخيرة.

ومن ثمّ عرفت الهند الطباعة في القرن السادس عشر على أيدي البرتغاليين وانتشرت فيها خاصة في منطقة (غوا Goa)، وأسهمت مطابعها في نشر التراث العربي وأمهات الكتب.

وكان لها دور مميز فاضل في طباعة القرآن الكريم، كان أولها الطبعة التي ظهرت في مدينة (لكناو Lucknow) بالهند عام 1850، هذه المدينة كانت مقصد التجار الذين يأتون إليها ليحملوا القرآن والكتب الدينية الأخرى معهم إلى بلدانهم. كما طبع المصحف أيضاً في كلكوتا ونيودلهي.

المطبع المحمّدي

واحد من المطابع الكثيرة التي كانت منتشرة في الهند وصاحبه هو المولوي محمد حسين، أنشئ بداية في مدينة (لكناو Lucknow) سنة 1849م، وعندما أغلقت المطابع فيها وفق مرسوم حكومي في (لكناو Lucknow)، نقل مطبعه إلى (كانفور Kanpur) عام 1850م، وكان يطبع المصاحف والكتب طبعات جيدة ونفيسة.

هكذا قلبنا بضع صفحات ناصعة البياض، لتاريخ أصيل بهي ضرب فيه الأجداد أروع الأمثلة في المبادرة وتتبع مدارات النور، متخطين معاناة الظروف القاسية، واضعين البذرة للغايات النبيلة التي نقطف ثمارها اليوم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات