جذور

روايات وأحاديث الأجداد.. ذاكرة المكان ونبضه

تمثل الرواية الشفهية محوراً جوهرياً وأساساً مهماً في التأريخ للأحداث، وفي تسجيل الوقائع، وتثبيت الذكريات، وتأصيل الأخبار. وبفضلها نستطيع تبين حقائق تاريخية مهمة، غائبة عن التدوين، حول أي مجتمع أو حدث ما .

ولذلك خصوصية كبيرة في الشأن، بالسنبة لمجتمع الإمارات، حيث إننا ومن خلال عديد المقابلات مع الرواة، نستخلص شهادات كثيرة ذكرها الآباء والأجداد الذين سجّلنا معهم، والذين تمثل أحاديثهم ذاكرة المكان ونبضه، إذ ألمحوا إلى الكثير من التحوّلات الحياتية والمجتمعية، والتطوّرات الاقتصاديّة الحادثة في منتصف القرن العشرين بعد اكتشاف النّفط في الكويت والبحرين وقطر والسعودية.

وبإمكانا أن نعي معها، بعمق، طبيعة أسفار ورحلات أبناء الإمارات إلى دول الخليج العربي المجاورة، من أواخر أربعينات القرن الماضي، أو قبل ذلك بقليل، حيث ظهرت تأثيرات الغنى والثّراء على تلك البلدان، ونتج عن ذلك وضوح النّقلات النّوعية في الجانبيْن الاجتماعي والاقتصادي.

وهو ما دفع أبناء مناطق ومدن دولة الإمارات إلى التوجّه نحو هذه الدول رغبة منهم في العمل، وسعياً لتحسين أوضاعهم الماليّة، وبطبيعة الحال، حملت تلك الأوضاع في جعبتها الكثير من القصص والحكايا التي عكست تفاني أبناء الدولة في أعمالهم، وتكاتفهم وتراحمهم وإخلاصهم ومساراتهم القويمة. وقد انعكس هذا الأمر جلياً في أدائهم لأعمالهم .

حيث استقرت بهم الرحال، وكذا في علاقاتهم ببعضهم وبأهاليهم من دول الخليج العربي الاخرى.. والذين يتوافقون معهم في المظاهر الاجتماعيّة، والعادات والتّقاليد واللهجة والزيّ وحتى في عادات الأكل والطبخ والسلوك.

إنها قصص وحكايات وأحداث من ذهب، تعكس سمات أهل المكان وأصالتهم وتكاتفهم وقدرتهم على مواجهة شظف العيش.

1948

شكلت دبي نقطة الانطلاق الأساسية لسفرات ورحلات الكثير من المسافرين في الدولة الى دول الخليج العربي، عبر مينائها أو عبر مطارها فيما بعد، فكانت بمثابة الرئة التي يتنفّس منها أبناء الإمارات، وكانت محطّة الوصل بينهم وبين العالَم الخارجي. كما كان مطار الشّارقة معبراً ميسوراً، ومكاناً متوسّطاً، للسّفر إلى بلدان الخليج الأخرى.

وقد كانت البدايات الأولى لرحلات العمل والإقامة لأبناء الإمارات في دول الخليج العربيّة مبكّرة، وربما كان ذلك في أواسط عام 1948، ومن أهمّ الإشارات الدّالّة على ذلك، ما ذكره المقيم السّياسي البريطاني بالبحرين في يناير 1949 مِن أنّ كثيراً مِن سكّان الساحل كانوا يسعون للعمل في إمارات الخليج الأخرى.

ونظراً لتدهور تجارة اللؤلؤ وتوفر فرص العمل وزيادة في الرّواتب خاصّة في شركات النّفط العاملة في إمارات الخليج، وفي السّعوديّة التي شهدتْ إقبالاً من أهالي السّاحل رغبة منهم في تحسين ظروفهم المعيشيّة. وقابل ذلك رغبة في بلدان الخليج العربي في الأيدي العاملة. فكان أهالي الإمارات وإخوانهم العمانيّون خير مُعين، وخير مَن يوثق فيهم، وخير مَن يُؤتَمنون، وخير مَن يُحسنون..

وخير مَن يُتَعامُلُ معهم، وخير مَن يُعامِلون، وظهرتْ فيهم مخايل الأمانة، وعلامات الضّبط والإتقان، ومعالم الخبرة، وسرعة الإنجاز، وصدق الوعد، وإخلاص العمل، ولَطافة المِعشر، وجمال الأخلاق، ونضارة الرّوح، وذوقيّات السلوك، فكانوا بالتّالي نماذج رائعة لأهالي السّاحل وعمان.

وطبقا لما تكشفه الروايات، فإنّ أبناء الإمارات كانوا بمجرّد أن يغادروا موانئها نحو وجهات أسفارهم، ويلتقون على ظهر المراكب، فإنّهم يصبحون مباشرة أسرة واحدة من لحظة المغادرة وحتى وصولهم إلى البلد الخليجيّ الذي يقصدونه.

ويستمرّ تواصلهم مع بعضهم البعض في أماكن عملهم وإقامتهم ولقاءاتهم ومنتدياتهم. غنهم فعلياً، وكما في كل الحقول وعلى كل الصعد، أقاموا دولة الاتحاد في المشاعر والقلب وبالتصرفات قبل أن تتجسد واقعاً حقيقياً.

وحدة ثقافيّة

تتسم منطقة الخليج العربي بكونها تضم مجتمعات متشابهة وتنضوي في إطار وحدة ثقافية وملامح مجتمعية متطابقة، ولهذا فإنّ سفر أبناء الإمارات وعمان، تلك الفترة، إلى بقيّة بلدان الخليج العربيّة لا تعدّ أسفارا إلى بلدان أو مجتمعات غريبة بالنّسبة لهم.

وفي الوقت نفسه فهؤلاء الذين اختاروا السفر ساهموا في تحسين ظروف معيشة أُسرهم في بلدانهم، نتيجة لإرسالهم مبالغ ماليّة لا بأس بها إلى عائلاتهم. وورد في إحدى الوثائق أنّ عدد أهالي الإمارات وعمان بلغ مئة ألف شخص تنقّلوا في دول الخليج العربي خلال سنوات سبقتْ عام 1953.

ورغم أنّ هذا الرقم يبدو كنوع من المبالغة، كثيراً، خاصّة إذا افترضنا أنّ منتصف عام 1948 هو البداية الفعليّة للأسفار إلى دول الخليج الغنيّة، فلا يعقل أنّه خلال أقلّ من خمس سنوات هاجر كلّ هذا العدد الهائل إلى تلك البلدان. ولكنّ الأسفار الفعليّة والكبيرة بدأتْ بحلول 1954 التي هاجر خلالها نحو ألفي شخص شهريّاً إلى دول الخليج الأخرى مِن المنطقة.

مع الأخذ بعين الاعتبار، أنّه لم يذهب جميع أهل المنطقة إلى هناك.. وبصورة عامّة، وفي تلك الفترة، فإنّ الأيدي العاملة العربيّة من الإمارات وعمان تمثّل نسبة لا بأس بها من عموم الأيدي العاملة في الكويت، نظراً إلى سهولة الوصول إليها من موانئ السّاحل.

كما أنّ أسفار أبناء الإمارات للكويت لم تكن تخضع لتنظيم معيّن آنذاك بمعنى لم تكن لها معايير محدّدة أو وفق عقود عمل فكان للمواطن الخليجي أن يعمل في الكويت أينما شاء، خاصّة في القطاعات التّعليميّة والصّحيّة والاجتماعيّة، إضافة إلى نسبة ليست بالكبيرة في القطاع الاقتصادي، وكثير من هذه الأيدي العاملة لم تنل حظّاً وافراً من التعليم.

وبغضّ النّظر عن طبيعة مساهمة هؤلاء المسافرين في المجتمع الكويتي من حيث الثّقافة والمستوى الاجتماعي إلا أنّهم كانوا يمثّلون طاقة إيجابيّة في المجتمع لقربهم إليه أكثر من غيرهم، وأكثر تفهّماً لعاداته وتقاليده. كما أنّ جزءاً كبيراً من أبناء الإمارات وعمان العاملين في الكويت كانت تقلّ أعمارهم عن 60 عاماً، لأنّ مَن يذهب للعمل هناك من الفئة العمريّة الصّغيرة.

ومع تطوّر الحياة في الكويت زادتْ تعقيداتها وحاجتها إلى أيدٍ عاملة ماهرة، وحينما حدث ذلك تغيّرتْ الأوضاع في المنطقة، وولد اتحاد دولة الإمارات، وبدأ عهد النّهضة في سلطنة عمان، عندها رجع معظم الأهالي إلى بلدانهم.

ولهذا السّبب لم يحدث استغناء عن أعمال أبناء الإمارات وعمان إلا مترافقاً مع ظهور النّهضة في البلدين الأصليّيْن. ومن الملاحظ أيضاً أنّ قطاع صيد الأسماك في الكويت، حاز فيه أبناء الإمارات وعمان قدم السّبق لتركّز نسبة كبيرة منهم فيه ثمّ تليه قطاعات البناء والتّعمير والكهرباء والنّفط والتجارة والمواصلات، ولهذا فإنّهم اكتسبوا خبرة ومهارة في العمل اليدوي والفنّيّ والتّقنيّ.

وإضافة إلى ذلك فإنّ حالات من زيجات عديدة صارت بين الكويتيين وبين نساء من بنات المنطقة، وهو ما يعد بحد ذاته مؤشّراً إيجابياً. ونتيجة لتأقلم أبناء الإمارات مع الحياة في المجتمع الكويتي تحديداً، فإنّهم بقوا في الكويت حتّى بعد قيام الاتحاد بسنوات.

قيمة

ساهم قيام حكّام الإمارات بفتح الحدود بين إمارات الدولة، تلك الفترة، في تسهيل تنقّل الأفراد، وهو أمر إيجابيّ، إذ كان لمثل هذه التّنقّلات الدّاخليّة بين أهالي الدولة، حينذاك، دور في تقريب الأهالي، وتواصلهم الاجتماعيّ. وقد تطلّب ذلك حرّيّة التنقّل بين مدن وإمارات الدولة من دون جوازات على الأغلب.

وكانت إقامة أبناء الدولة في الدول التي هاجروا إليها، متسمة بجملة ميزات وكذا اقترنت بحكايات وقصص كثيرة تكشف عن خاماتهم الأصيلة ونبلهم. واللافت أيضا، أنهم بقوا حريصين على التواصل مع الأهل والأقارب في بلدهم، عبر المراسلات وغير ذلك الكثير..

وكانت الأخبار تصل للنّاس عن وفرة الأعمال في دول الخليج الأخرى، وهو ما كان يدفع كثيرين لينضموا إلى قافلة من سافروا حينها. ومهما كانت أعباء وصعوبات السّفر، حتى ولو مشياً على الأقدام، إلا أنّها لم تكن لتعيق الارتحال.

1912

من بين العوامل والأسباب كانت تدفع أبناء الإمارات، للسفر إلى دول الخليج العربي في أربعينيات وخمسينيات القرن الفائت، الرغبة في تلقي العلاج والحصول على خدمات طبية مجدية ومتقدمة، وهذا فعلياً ما كان متوافرا في دولة الكويت، وطبعاً هذا في ظل واقع ضعف مثل هذه الخدمات، آنذاك، في مدن ومناطق الدولة وأيضاً واقع انتشار الكثير من الأوبئة.

وقد كانت دولة الكويت في تلك الفترة شهدت نهضة نوعية في المجال، وكانت السباقة، حيث توفرت الخدمات فيها ضمن هذا الحقل، منذ 1912 ومن ثم أجرت تطورات ونقلات نوعية في الفترات اللاحقة ضمن هذا الحقل، وهو ما جعلها مقصداً والوجهة الأبرز للراغبين بتلقي العلاج، سواء من قبل الحكام أو الأهالي في المنطقة.

وكان لطيب تعامل الكويتيين وترحيبهم بالقادمين من أبناء الإمارات وعمان، سواء من القادة أو الأهالي، كبير الأثر في تشجيعهم وتحفيزهم وإحساسهم بأنهم يقيمون ويتلقون علاجهم في بلد يشعرون به وكأنهم في بلدهم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات