قصر الحصن مهد الدولة - البيان

من برج يحـــرس نبع ماء إلى صـرح يحفظ تاريخ الأمة والاتحاد - 1- 4

قصر الحصن مهد الدولة

يعاود «قصر الحصن»، الصرح الذي يحفظ تاريخ الأمة والاتحاد، فتح أبوابه أمام الجمهور، بعد غدٍ، السابع من ديسمبر من «عام زايد»، ليستأنف تقليب صفحات ماض مجيد، وإرث تليد، شهدت عليهما جدرانه، وباحاته، وغرفه؛ وذلك بعد برنامج إعماري شامل، نفذته دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، تضمن سلسلة واسعة من أعمال التجديد والصيانة والترميم لهذا المعلم التاريخي.

وبهذه المناسبة، نعود معكم (على حلقات) إلى يوم بعيد، يرجع إلى نحو مئتين وخمسين عاماً، خرج فيه رجل من واحة «ليوا»، في مهمة انتدبه لها القدر؛ كان ينوي أن يقضي شأناً من شؤون قومه، ولم يدر بخلده أنه سيقضي حوائج تاريخية، تعيد قبيلته بني ياس من اعتصامها في تلك الواحة الخضراء، المحتمية برمال الصحراء، إلى الساحل المفتوح على الحياة والعالم والفرص.

في ذلك اليوم الصيفي القائظ، الذي اشتدت حرارته، وتوسطت شمسه السماء، وفي ساعة استبد فيها الجوع بالرجل، وأعياه الظمأ، حالفه الحظ، فلحظ على مبعدة منه ظبياً لين العود. ظن أنه عديم الخبرة، يمكن اصطياده بيسر؛ فسعى وراءه بصبر الصياد وفراسة البدوي، غير أن الأمر لم يكن بتلك السهولة التي تخيلها!

كان الظبي حذراً نفوراً. يتوقف، ويبدو لاهياً، لا علم له بالصياد الذي يتتبع أثره. ولكنه لا يلبث أن يشد أذنيه، ويصغي السمع لهمس الرمال، فيعدو بعد ذلك مبتعداً لمسافة قبل أن يتوقف، ليعيد الكرّة من جديد.

لم يكن يبتعد إلى درجة تصيب الصياد باليأس منه، لكنه كان يحتفظ بمسافة آمنة وحسب، تتيح له الاختيال أمام عيني مطارده، فيغريه بمواصلة تتبعه!

مضى الأمر، على هذه الحال، وقتاً كافياً ليشعر الصياد بالإنهاك والإعياء. ولكنه لم يستسلم؛ وواصل السعي وراء طريدته بصبر وجلد، يمنّي نفسه بالتمكن منها.

وبالنسبة لذلك الرجل من بني ياس، كان الوقت تأخر على التراجع، والتخلي عن مسعاه، فالطريدة المخاتلة حرفته عن طريق عودته إلى منازل قومه، وزادته بعداً عن أهله، وقادته إلى أطراف الماء على الساحل. ولم تكن هذه مسافة قصيرة، ليقبل بالعودة خائباً!

ورغم أن الطريدة لم تكن تتوانى في الابتعاد. إلا أن الصياد، بدوره، لم يكن يتعجل الظفر بطريدته!

كان الساحل الأزرق الممتد قد لاح للرجل، وزاد برغبته في النيل من ذلك الظبي النفور، ومده بالأمل أنه سيحظى في النهاية بطريدته.

فإلى أين سيسعى ظبي أمامه الماء، وخلفه الصياد!

وبالفعل حانت تلك اللحظة المواتية؛ فقد لبث الظبي في مكان بعينه، وأودع رأسه الأرض، لمدة أطول من المعتاد. كان يستطلع المكان حوله بحذر بين الفينة والأخرى، ثم يعاود دس رأسه في الأرض.

جمد الصياد مكانه، وصوب سلاحه. وقبل أن يتلاشى صوت إطلاقة النار، ارتج الظبي، وترنح مسافة قصيرة لا تزيد على المتر، ثم بدا أنه تعثر. ومن بعد تهاوى على الأرض. ولكنه لم يستسلم. راح يجاهد بالنهوض، غير أنه كلما فعل، كانت قواه تخور..

حينما وصل الصياد إلى طريدته وجد ما أدهشه، وشغله عن طريدته: كان ثمة نبع ماء عذب زلال..

ليس هذا أمراً لا يثير الدهشة والخواطر التي لا تنتهي؛ فليس من اليسير توقع العثور على ماء عذب قرب الشاطئ بمياهه الثقيلة المالحة. فأدرك الرجل، بفطرته وخبرته، أن الأمر أهم من طريدته. وأشد أهمية من حصوله أخيراً على ما يقيم أوده، وما يروي به ظمأه؛ فقد كان هذا يعني أن طريق قومه إلى الساحل باتت سالكة، فالماء مؤمن ومتوفر. والوصول إلى البحر يفتح باب الرزق، بما يسد الحاجات الأولية، وربما ما هو أكثر من ذلك.

حدث هذا في أحد الأيام المجيدة، التي يجتهد المؤرخون إلى ساعتنا هذه في تحديده، أي يوم كان هذا، وفي أي من الأعوام يقع. كما أن شخصية ذلك الرجل من «ليوا»، تبقى هي الأخرى موضع فضول واهتمام: هل كان الشيخ عيسى بن نهيان أم غيره من أعيان بني ياس.

وأياً كانت هوية ذلك الرجل، إلا أنه يصعب تخيل أنه أدرك على الفور أن طريدته التي سعى بصبر وراءها، لم تكن ذلك الظبي النفور على وجه التحديد، ولكن لحظة فاصلة من التاريخ، سيكون لها ما بعدها..

عاد الرجل إلى «ليوا» فرحاً، تملأ السعادة قلبه، يخبر «بني ياس» عن لقيته الثمينة، التي لا يعرف قيمتها إلا من خبر الصحراء، وعاش على رمالها يتحرك بين موضع ماء وآخر؛ لذا، احتفلت القبيلة بالواقعة، وأعلنت بسط حمايتها على ذلك النبع، وشملت برعايتها المكان حوله. وابتنت في المكان برجاً للمراقبة، ويشكل إعلاناً للحراسة!

وفي الواقع، كان هذا البرج صفحة جديدة في تاريخ المنطقة، ومنطلقاً لأفق مبشر فرض نفسه لاحقاً على مسار الأحداث، التي تضافرت بإرادة السكان، وببصيرة ورؤية قيادتهم، لتصنع كياناً سياسياً وطنياً، اسمه: دولة الإمارات العربية المتحدة! وقبل ذلك، شكل البرج، البؤرة التي تأسست حولها مدينة أبوظبي، عاصمة الدولة. كما أنه احتضن مولد مؤسس الدولة، المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله!

لم تكن تلك رحلة لاصطياد ظبي، ولكنها خروج من الاعتصام في الواحة المحمية بالصحراء، لالتقاط مسار التاريخ في واحدة من أشد لحظاته إبهاراً وبِشراً.

تقودنا حكاية السعي وراء ذلك الظبي النفور، التي تشكل بداية قصة «قصر الحصن»، ثم مدينة أبوظبي، ثم الإمارة، ثم دولة الاتحاد.. إلى الإنسان، صانع التاريخ وضرورته، وإلى مكانه الأول، الذي انطلق منه. وهذا يضع على أجندة دارسي التاريخ ومحبيه المقدمات الأولى البعيدة والقريبة التي جبلت زايد الإنسان الحاكم والقائد ورؤيته النافذة، التي تجلت على أكمل صورة في النصف الثاني من القرن الماضي، ولا تزال سارية إلى اليوم، كما أن هذا يعيدنا إلى واحة «ليوا»..

من هناك، ابتدأت الحكاية، ومن هناك جاء الإنسان!

واحة محتمية بالرمال

في الواقع، فإن واحة ليوا، التي تعد من أهم الواحات الصحراوية، ذات موقع استراتيجي مهم، ومنها يمكن أن تتجه إلى سائر الإمارات والمناطق الشمالية في الدولة بنفس اليسر والجهد، كما أنها تعد منطلقاً إلى الدول المجاورة. وهي بحكم ذلك كانت ملتقى القوافل القادمة من جنوب الإمارات وشرقها المتجهة شمالاً أو غرباً أو جنوباً، وتلك العابرة إلى الجزيرة العربية.

كانت مكاناً مناسباً للبقاء على صلة مع المحيط، وإنشاء مجتمعات متماسكة. ومن الثابت أن القبائل العربية البدوية، التي اعتصمت بالمنطقة، أجرت منابع المياه الجوفية العذبة لزراعة التمور، ونتيجة لذلك ظهرت أربعين قرية في ليوا قبل القرن السادس عشر.

وإن كان لهذا من معنى، فهو أن سكان المنطقة امتلكوا أسباب التطور والنماء الذاتي، الذي يحفزهم منطقياً على عدم البقاء طويلاً في الداخل والخروج باتجاه الساحل، الموقع الذي يمكنهم من القيام بأنشطة اقتصادية تتناسب مع قدرتهم على التطور والنماء.

ومن جهة أخرى، يفيدنا مؤرخو المنطقة أن قبيلة بني ياس من أعرق القبائل في جنوب الجزيرة العربية. وعرفت بعددها وعديدها وبراعتها العسكرية ووفائها الثابت لحلفائها، إلى درجة أن كثيراً من القبائل الأخرى سعت إلى الالتحاق بها طلباً للحماية والأمن.

ومن اللافت، هنا، أنه برغم ذلك كله فإن أول إشارة مدونة معروفة عن بني ياس في واحة «ليوا» ترجع إلى سنة 1633، وذلك في مخطوطة المؤرخ سعيد بن سرحان القديمة المعروفة بعنوان: «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة».

وهذا يبدو غريباً وملفتاً بالنسبة لقبيلة تطور مجتمعها المحلي في واحة «ليوا»، وعرفت الزراعة، وكان بعض أبنائها يفدون إلى البحر للصيد والغوص، ما يثير سؤالاً حول السبب الذي دعا القبيلة إلى الاعتصام بواحة «ليوا»، بعيداً عن الساحل.

التاريخ ينحني للإرادة

من الواضح أن ذلك كان سبباً كبيراً، يتجاوز الظروف وتوازنات القوى المحلية، والإجابة عن هذا التساؤل غير ممكنة دون المرور على العام (1633) والتمعن في أحداثه..

نعرف أن هذا العام، الذي شهد أول ذكر لبني ياس في «ليوا» في المدونات، شهد في تزامن لافت حدثاً تاريخياً مهماً، وهو تمكن اليعاربة من طرد البرتغاليين من جلفار ودبا.

وتكمن أهمية هذا التزامن في أنه يمكن أن يكون مدخلاً لفهم لماذا غاب ذكر قبيلة بني ياس في «ليوا» عن المدونات التاريخية قبل هذا العام (1633)، إضافة إلى سبب اعتصام القبيلة بالواحة الداخلية المحتمية برمال الصحراء. هذا من جانب. ومن جانب آخر، يمكن لهذا التزامن أن يرشدنا إلى الحيثيات التي قادت القبيلة إلى الخروج للإقامة على الساحل.

وهنا تلفت القارئ ملاحظة في غاية الأهمية، إذ إن اعتصام بني ياس بواحة «ليوا» في الداخل قد يكون تزامن مع مجيء البرتغاليين إلى المنطقة، وبسط سيطرتهم على المراكز الساحلية، مطبقين بتشدد استراتيجيتهم القائمة على احتكار التجارة فيها، بما يعنيه ذلك من تحييد السيادة العربية على حركة التجارة.

فيما جاء بناء برج الحصن على جزيرة أبوظبي في فترة متأخرة كانت فيها سيطرة الهولنديين، الذين ورثوا البرتغاليين، يعيشون حالة تراجع أمام البريطانيين، الذين ظهروا في المنطقة، يحملون معهم مفهوماً آخر أكثر واقعية لكيفية حفظ مصالحهم، ويتبنون أسلوب عمل لا يستثني أهالي المنطقة، أو يقصيهم..

وبهذا، فإن الأسباب القاهرة، التي دفعت إلى الاعتصام بالداخل، تكون قد تراجعت، وهيأت للحظة ينحني فيها التاريخ أمام الإرادة المحلية، التي تميزت بوضوح على مدار الأعوام بواقعية ملفتة، من جهة. وبإقدام لا يتوانى عن التقاط زمام المبادرة من جهة أخرى.

وقد تبدت هذه الواقعية، في أن بني ياس الذين كانوا القوة البرية الأولى على الساحل، إلى جوار القواسم الذين مثلوا القوة البحرية، أدركوا أنهم لا يمكن أن يكونوا غير ملحوظين من قوة دولية وفدت إلى الساحل وتسعى لتحطيم كل قوة محلية. أما المبادرة، فتمثلت بالقراءة الصحيحة لموعد الخروج إلى الساحل.

لذا، فإن واقعة السعي وراء الظبي هي تعبير رمزي جميل عن تغير الأحوال على طول الساحل، واقتناص اللحظة التاريخية المواتية!

إذن، هذا هو الظرف التاريخي الذي مهد لظهور «البرج»، الذي كان أساس قصر الحصن. البناء صاحب السيرة النادرة في تاريخ الأبنية، فأين تجد بناءً اجتمع حوله قومه، وأنشأ مجتمعه الخاص، ثم مدينته، ثم كان ركناً في بناء الدولة.

سيرة موصولة ومتكاملة، تصل زمن الشيخ ذياب بن عيسى بعهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

التحول إلى «القيادة»

وبالمقابل، كان على بني ياس أن يعرفوا تحولاً مهماً آخر، يزيد من قدرتهم على الحياة على أطراف الساحل المتلاطم بالأمواج الإقليمية والدولية، وهو اجتياز المسافة بين «الزعامة القبلية» و«القيادة السياسية»، وهنا، جاء برج الحصن الذي أقيم لأغراض المراقبة والحراسة ليساعد على بلورة هذا الاتجاه. فالمراقبة والحراسة تعنيان ابتداء فرض السيطرة على المكان، ووضعه في خدمة الحاجات الخاصة بالقبيلة، وتنظيم إفادة أبناء القبيلة منه.

ولهذا، فإن من أهم الأدوار التي لعبها برج الحصن هو أنه مثل عنواناً ثابتاً يفد إليه أبناء القبيلة، وتتمحور بقربه أنشطتهم المعيشية والاقتصادية، كما تحول إلى عنوان إضافي لهم يأتيهم فيه من يريد التعامل معهم. كما أدى إضافة إلى ذلك دوراً في التذكير بسلطة الحاكم المقيم في الداخل.

في هذه الفترة، كان برج الحصن المحور الذي دارت حوله الحياة، باستقطابه سكاناً ثابتين، ولو جزئياً، يشي بالدور المهم الذي لعبه في فتح المجال أمام نشأة أبوظبي، لا سيما حينما بدأ الأمر يتطلب إنشاء بيوت للإقامة. فقد جاء بناء برج المراقبة عامل طمأنينة، دفع السكان إلى الانتقال للإقامة في المنطقة حول الحصن لدوره في توفير الأمان وإضفاء أجواء الاستقرار والطمأنينة.

كما شجع على هذه الهجرة أن مصادر المياه العذبة التي اكتشفت في أبوظبي لم تكن مجرد بئر واحدة، بل كانت سلسلة من الفتحات والتجاويف التي احتوت على المياه على مسافة قريبة من السطح.

 

الخروج إلى الساحل حكم ودبلوماسية وإدارة

الوظيفة السياسية التي أداها البرج نمت منذ عهد الشيخ ذياب بن عيسى (1761 - 1793) وعهد ابنه الشيخ شخبوط بن ذياب (1793 - 1816). وعنوان هذا التطور النوعي بهذه الوظيفة السياسية هو انتقال مركز الحكم من الداخل إلى الساحل.

وهنا، تختلف المرويات حول انتقال مركز الحكم، من «ليوا» إلى أبوظبي، اختلافها الأول مع حادثة السعي وراء الظبي وبناء برج الحصن، الذي نسبته بعض المصادر إلى عهد الشيخ عيسى بن نهيان، فيما تؤكد أخرى أن ذلك تم في عهد ابنه الشيخ ذياب بن عيسى، دون أن نملك تأكيداً يرجح رواية من الروايات.

وهذا التضارب يتكرر هنا بما يتعلق بنقل مركز الحكم إلى أبوظبي، حيث تذكر بعض المرويات أن ذلك تم في عهد الشيخ ذياب بن عيسى، فيما ترى غيرها أن ابنه الشيخ شخبوط بن ذياب هو أول من نقل مركز الحكم إلى أبوظبي بشكل رسمي، وجعل من الجزيرة مقر إقامته الدائمة.

وبالمقابل، فإن بعض المعطيات المنطقية يمكنها أن تهدينا إلى ترجيح محدد، له أسبابه الواضحة. ومن ذلك:

- تاريخ حادثة السعي وراء الظبي واكتشاف الماء متفق عليه، وتنسبه أغلب الروايات الوجيهة إلى العام 1761. وهذا عام وفاة الشيخ عيسى بن نهيان، وبالتالي، من غير المرجح أن يكون برج الحصن بني في عهده.

- الثاني، أن احداث العام 1759، أي قبل وفاة الشيخ عيسى بن نهيان بنحو ثلاثة أعوام. وبرغم ذلك، فإن من يذكر فيها في الدور القيادي هو ابنه ذياب بن عيسى. ما يدلنا عن أن هذا الأخير كان يضطلع بدور قيادي في حياة والده، الذي قد يكون في ذلك الحين في عمر وصحة لا يسمحان له بممارسة شؤون القيادة اليومية.

- أن حكم الشيخ ذياب بن عيسى كان أطول من حكم ابنه شخبوط بن ذياب (نحو 32 عاماً). وكان عهده أقرب إلى تاريخ اكتشاف الماء.

كما عرف عنه أن عهده كان عهد قيادة، لذا، على الأرجح أنه هو من ابتنى برج الحصن، وشجع الهجرة إلى جزيرة أبوظبي، ولكن الروايات تؤكد أنه لم يقم فيها، بل اتخذ مقر إقامته في سهل الحمرة الذي يقع إلى الشمال من أرض الظفرة، وكان يأتي إلى أبوظبي ليطلع على أحوال السكان، وليفض الخلافات الواقعة بينهم.

- شهد البرج تطويراً، إذ شيد عليه ما عرف بـ«الحصن». وترجح الروايات أن ذلك حدث في العام 1769، وبهذا فإن الالتباس الوارد حول أن الشيخ ذياب بن عيسى هو من نقل مقر الحكم إلى أبوظبي مرده إلى ذلك، على افتراض أن بناء الحصن يعني انتقال مركز الحكم.

والواقع، أن الشيخ ذياب بن عيسى بقي يدير شؤون الحكم من واحة «ليوا» في الداخل، وصولاً إلى بدء عهد الشيخ شخبوط بن ذياب سنة 1793، تم اتخاذ جزيرة أبوظبي عاصمة لحكم آل نهيان، فانتقل إليها المزيد من أبناء بني ياس، على خطى شيخهم، والتحاقاً بأقربائهم الذين سبقوهم.

حكم ودبلوماسية وإدارة

ليس من المبالغة القول أن البرج، الذي بات حصناً، دخل في عهد الشيخ شخبوط بن ذياب، الذي حكم حتى العام 1816، دخل معترك السياسة من بابها الواسع. ليس فقط لأنه أصبح مركز الحكم ومقر الحاكم، ولكن لأن الحكم نفسه اشتبك مع أهم الأحداث في المنطقة خلال هذه الفترة. كما أن عهده شهد ازدهار أنشطة الصيد والغوص وازدادت الخيرات، في حين امتد نفوذ بني ياس عبر الساحل وفي الداخل.

مسؤوليات

وبهذا، فإن الحصن بات يتحمل مسؤوليات متعددة سياسية وإدارية في الداخل والخارج، لا سيما أن تتابع انتقال ولاية الحكم، بعد تنازل الشيخ شخبوط بن ذياب عن الحكم طوعاً، بين أبنائه أوجد نوعاً مكثفاً من الحراك السياسي، الذي جعله محط الأنظار، ومعترفاً به كمقر للقرار السياسي.

ويكفي أن نعرف أن الحكم، الذي كان قد آل طوعاً إلى الشيخ محمد بن شخبوط من والده في العام 1816، لم يلبث أن آل بعد سنتين إلى أخيه الشيخ طحنون، الذي أصبحت أبوظبي في عهده من القوى المهمة في منطقة الساحل، تمتلك قوة مسلحة قوامها 400 جندي، وتمثل قوة سياسية، وحربية كبيرة في جنوب شرق الجزيرة العربية.

بعد ذلك، استقبل الحصن حكام أبوظبي تباعاً، فقد تولى الشيخ خليفة بن شخبوط الحكم بعد أخيه طحنون، ودام حكمه من 1833 ـ 1845. وفي زمانه عاشت أبوظبي عصراً زاهياً لم تكن قد عاشته من قبل، وحققت مكانة لم تكن لها قبله.

وبعد وفاة الشيخ خليفة بن شخبوط، واجه الحصن مع أبوظبي في عهد الشيخ سعيد بن طحنون، (1845 ـ 1855)، سنوات متوترة، انقضت في مواجهة الأخطار الأجنبية. ولكن الحصن توسع برغم ذلك في هذا العهد، فقد أجرى الشيخ سعيد بن طحنون أعمال توسعة وتطوير إضافية داخل الحصن عام 1850.

زايد الكبير

وفي العام 1855، استقبل قصر الحصن عهد الشيخ زايد بن خليفة، الذي اشتهر بلقب «زايد الكبير»، الذي سيكون سيد الحصن لما يزيد على نصف قرن (1855 - 1909)، وهي أطول مدة حكم شهدتها الإمارة، ولا يقترب منها سوى عهدي حفيديه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، وسلفه شقيقه الشيخ شخبوط بن سلطان، اللذين امتد حكم كل منهما ثماني وثلاثين عاماً.

ولم يخل عصر «زايد الكبير» من أحداث جسام أثرت في تاريخ إمارة أبوظبي، فالشاب الذي اختارته العائلة للحكم بينما كان في الثانية والعشرين من عمره، كان صاحب إرادة وعزيمة، وحكمة ورؤية سديدة، تطورت في عهده سمعة الحصن ليشار إليه باعتباره قصراً للحكم، وبيت دبلوماسية نشطة، وإدارة طموحة.

ومختبراً إصلاحياً لا يهدأ، فقد شهد مجتمع أبوظبي خلال عهده الطويل تطوراً ملحوظاً في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وانتعشت التجارة وشهدت الزراعة توسعاً ملموساً.

الأبناء

توفي «زايد الكبير» في العام 1909، وترك شؤون إمارة أبوظبي وهي مثال للأمن والنظام، أمانة في يدي أبنائه وأحفاده، وبوفاته، اتفق في مجلس عائلة آل نهيان على أن يخلفه ابنه الأكبر الشيخ خليفة الذي كان يمتاز برجاحة عقله.

واتساع أفقه، وشخصيته القوية مثل أبيه، لكن الشيخ خليفة لم يقبل أن يخلف والده، فاستقر الرأي على اختيار شقيقه الشيخ طحنون بن زايد، الذي حكم ثلاث سنوات، تميزت برخاء اقتصادي لا مثيل له، وانتعشت أعمال الغوص بالخليج بحثاً عن اللؤلؤ، في نشاط كان يخدمه أكثر من 410 مراكب، يعمل عليها من أهل أبوظبي ما يعادل خمس عدد الغواصين في الخليج كله.

الحلم والكرم

وعند وفاته عرض حكم إمارة أبوظبي على الشيخ خليفة بن زايد للمرة الثانية، ولكنه رفض مثلما فعل في المرة الأولى، فتولى السلطة اخوة الشيخ حمدان بن زايد، الذي اشتهر بالسماحة والحلم والكرم، وقد أحبته لذلك قبائل أبوظبي حباً جماً. ثم تولى الحكم من بعده أخوه الشيخ سلطان بن زايد البلاد خمس سنين ما بين 1922 ـ 1926، الذي أبدى اهتماماً واسعاً بأمور الزراعة والري. وخلفه شقيقه الشيخ صقر بن زايد، الذي كانت فترة حكمه قصيرة.ا

1

يعد مبنى الحصن القديم أول بناء تم تشييده في جزيرة أبوظبي.. وتتميز أجزاؤه بالاعتماد على العمارة الإسلامية المميزة.

2

بني برج المراقبة الأقدم في منتصف القرن الثامن عشر بهدف توفير الحماية للجزيرة ولمصادر المياه العذبة في المنطقة.

3

تميز البرج بوجود عدد من الفتحات المخصصة لحماية البناء، كما أن قمته كانت القاعدة التي يرفرف عليها علم الإمارة.

4

من المعروف أن البرج الشمالي الشرقي من الحصن استخدم لبعض الوقت في رفع الأذان قبل بناء المآذن في أبوظبي.

5

شيدت الجدران من الأحجار المرجانية والبحرية، وقطعت على شكل قوالب مكعبة الشكل

6

صنع ملاط الجص البحري، المستخدم في القصر، عن طريق خلط الأحجار المرجانية والأصداف والأحجار البحرية

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات