الدهريز

«من حق الليلة» بين الماضي والحاضر

تمثل فعالية «من حق الليلة» أو «من حق الله» كما يسميها البعض، إحدى الفعاليات الاجتماعية ذات الصبغة الدينية التي تقام في نهار الرابع عشر من شهر شعبان، وهي عادةٌ سنوية عريقة، ومنتشرة في كثير من الأقطار العربية والإسلامية، وبالأخص في بلدان الخليج العربي، ولذلك استعصت على الانقراض والتلاشي حتى بعد دخولنا عصرَ الثورة الصناعية الرابعة!!

برغم محاولات بعض المتشددين القضاءَ عليها من خلال التنبيه على كونها بدعةً دينيةً لا أصل لها في الشرع، لكن المتأمل يرى أن هذه الفعالية قد انحسر منها جانبُها الديني وبقي الجانبُ الاجتماعي، حيث يجمع الأطفالُ الحلويات والمكسرات من البيوت التي يطوفون عليها خلال فترة ما بعد الظهر حتى قبيل الغروب، ولا ترتبط بها عبادةٌ معينة.

ما زلت أتذكر أننا خلال النصف الأول من عقد السبعينيات، وحينما كنا ندرس القرآنَ الكريم في مدرسة المطوعة، في فترة اضمحلال التعليم التقليدي، كانت المطوعة تعفي طلابَ وطالباتِ مدرستها من الدوام المسائي خلال ذلك اليوم، فتقتصر الدراسة على الفترة الصباحية حتى أذان الظهر.

لكي يتفرغ الأطفال من الجنسين للمشاركة في هذه الفعالية السنوية الجميلة، فكنا نخرج في مجاميع صغيرة ومع كل منا كيس من القماش طوله ذراع وله نسعةٌ يُربط بها، فلا ندع بيتاً في الفريج «الحي»، إلا وندخله، وأحياناً نتجاوز فريجنا إلى الفِرجان الأخرى.

وفي كل بيت نجد إحدى النساء جالسة وأمامها قُفة كبيرة طافحة بالمكسرات «حلاوة - بيذام - جوز - فول سوداني..»، فيفتح كل منا كيسَه لينال حفنةً من محتوى تلك «القفة»، وكان الأطفال قديماً ينشدون أثناء مسيرهم بعض الأهازيج الشعبية ومنها: «عطونا من حق الليلة..والا بنذبح لعييلة.

.عطونا من حق الله..يرضى عليكم اللـه»، غير أن تحولات الحياة الاجتماعية المتسارعة تركت بصمتَها على ثقافتنا القديمة وعاداتنا الأصيلة، فمع ارتفاع مستوى المعيشة انتقلت الأسَر المواطنة إلى مناطق جديدة بعيدة عن قلب المدينة القديم، وصادفت مناسبةُ حق الليلة في بعض السنوات فصلَ الصيف الحار، مما قلل مشاركة الأطفال المواطنين في تلك الفعالية، وأصبحت تقام في المدارس والمؤسسات الاجتماعية والمتاحف كنوع من الأنشطة التراثية.

 

تعليقات

تعليقات