انتشر استعمال الإبل في العالَم القديم على نطاق واسع، وقد شاع استخدام كلمتي «جمل» و «إبل» في اللغات السامية. فكلمة جمل وردت في العبرية والسريانية والسبئية والآرامية والأثيوبية والآشورية والثمودية والصفوية.

كما وُجدت لفظة «جمل» في غير اللغات السامية، مثل: اللغة المصرية القديمة واللغتان اليونانية واللاتينية. ومِنهما انتقلت إلى اللغات الأوربية الحديثة. أمّا لفظة «إبل» فشاعت في اللغة العربية، كما عُرفت في اللغتين الأكادية والآشورية بصيغة «إيبيلو». وأمّا في السريانية فهي: «هبلتا» و«إبلتا». بينما في السبيئة «إبل».

ويبدو أنّ لفظتي «إبل» و«جمل» مِن مصدريْن مختلفيْن فكأن الأولى مِن وسط وجنوب شبه الجزيرة العربية بينما الثانية مِن شمالها، والذي يرجّح هذا الأمر هو أنّ لفظة «إبل» شاعت في اللغات العربية والسبئية والصفوية والثمودية، بينما شاعت لفظة «جمل» في اللغات العبرية والتدمرية والآرامية ولهجاتها الأخرى. أمّا في نصوص بلاد الرافدين فإنّ كلمة «إبل» هي الأقدم ظهوراً مع أنّ كلمة «جمل» هي الأوسع انتشاراً وبالذّات في النصوص الآشورية.

مجموعتان

تنقسم عائلة الجمال إلى مجموعتين: الأولى: مجموعة العالَم القديم، وتضمّ نوعين: الجمل ذو السنام الواحد والمعروف بالجمل العربي، الجمل الآسيوي ذو السنامين والمعروف بالجمل البكتيري. أما المجموعة الثانية: مجموعة العالَم الجديد، فتضم ثلاثة أصناف: اللاما والإيلاما والألباكا.

ويوجد الجمل العربي في منطقة واسعة تمتدّ مِن أفغانستان وشمال غربي الهند وفارس وصولاً إلى وادي الرافدين وسوريا وشبه الجزيرة العربية. إضافة إلى آسيا الصغرى ومصر وشمال أفريقيا وصحرائها الكبرى. بينما يعيش الجمل البكتيري في هضاب ومرتفعات وسهول آسيا الوسطى والصين ومنغوليا. وتعد تربية الإبل مِن أسس الحياة الرعوية العربية، بل أصبحت الإبل جزءاً مهمّاً في حياة أصحابها.

عرمس ومغاتير وصيدح

مِن الألفاظ والمسميات المشهورة في اللغة العربية: «الإبل» وتعني مجموعة الجمال، و«جمل».. وجمعها «جمال» وهو الذَّكر مِن الإبل، وأحياناً تستخدم كاسم مرادف لإبل، و«بعير» وهو عادة ما يعني الذَّكر مِن الإبل، بينما الناقة هي الدالة على الأنثى، و «حوار» وهو ابن الجمل الصغير وغالباً ما يكون ابن 7 أو 8 أشهر فإذا بلغ السنة عُرف بالفصيل، وكلمتا: «بكر وبكرة» تشيران إلى الذَّكر والأنثى عندما يبلغان السنتين ويدخلان في الثالثة.

وعلى العموم، فقد تنوّعت أسماء الإبل، إذ توجد أسماء بحسب السنّ والعمر، مثل: الحوار- وهو ابن 6 شهور، الجذع - مِن 4 إلى 5 سنوات..وهناك أسماء بحسب العمل والمهمة التي تقوم بها الإبل..وغير ذلك الكثير.

كما أفرد الشعر العربي الجاهلي حيّزاً كبيراً للحديث عن الناقة، واحتوت قصائد كثيرة، أبياتاً عديدة تكاد تكون هي البناء الرئيس لها، إذ تصف الناقة ونشاطها وحركتها وشكلها وجمالها. وللشعراء مذاهب شتّى في وصف النوق تدلّ على إتقان وإبداع. بل تحظى الناقة بأكبر قدر مِن صور الحيوان في العشر الجاهلي. وعادة ما يستعمل الشعراء كلمات غريبة وقويّة تعبّر عن مناجاتهم للناقة.

 

أبيات شهيرة

ومن أبدع الأشعار في الخصوص، ما قاله المخبّل اليشكري:

فَدَنَتْ وَقَالَتْ يَا مُنَـ

                 خَّلُ مَا بِجِسْمِكَ مِنْ حَرُورِ

مَا شَفَّ جِسْمِي غَيْرُ حُبِّكِ

                 فَاهْدَئِي عَنِّي وَسِيرِي

وَأُحِبُّهَا وَتُحِبُّنِي

               وَيُحِبُّ نَاقَتَها بَعِيرِي

فَإِذَا انْتَشَيْتُ فَإِنَّنِي

               رَبُّ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ

وفي هذه الأبيات يرد ما تمثّل به من حبّ تملّك قلبه كما أحبّ بعيره ناقتها.

كذلك، قال امرؤ القيس:

وَيَوْم‌َ عَقَرْت‌ُ لِلْعَذَارَى‌ مَطِيِّتي ‌

                 فَيَا عَجَباً مِن‌ْ كُورِهَا الُمتَحَمَّل‌ِ

فَظَل‌َّ الْعَذَارَى‌ يَرْتمين‌َ بِلَحْمِهَا

                 وَشَحْم‌ٍ كهُدَّاب‌ِ الدِّمَقْس‌ِ الُمَفَّتل‌ِ

وهناك قول كعب بن زهير بن سلمى:

أَمْسَت‌ْ سُعَادُ بِأَرْض‌ٍ لا يُبَلِّغُهَا

                إلا الْعِتَاق‌ُ النَّجِيبَات‌ُ المَرَاسِيل‌ُ

وَلَن‌ْ يُبَلِّغَهَا إلا عُذَافِرَة‌ٌ

                فِيهَا عَلَى الاَيْن‌ِ ارْقَال‌ٌ وَتَبْغِيل‌ُ

 

وقول طرفة بن العبد:

وإنِّي‌ لاُمْضِي‌ الهَم‌َّ عندَ احْتِضارِه‌ِ

                بِعَوجاءَ مِرْقال‌ٍ تَرُوح‌ُ وتَغْتَدِي‌

أَمُون‌ٍ كأَلْواح‌ِ الاران‌ِ نَسَأْتُها

                عَلَى لاحِب‌ٍ، كَأنَّه‌ُ ظَهْرُ بُرْجُدِ

جُمَالِيَّة‌ٌ وَجْناءُ تُرْدِي‌ كأَنَّها

                سَفَنَّجَة‌ٌ تَبْرِي‌ لأزْعَرَ أَرْبَدِ

 

استخدامات عديدة

استُخدِمت الجمال في النقل البرّي في منطقة شاسعة مِن بلاد الشرق الأدنى القديم، حيث نقلت أنواعاً مختلفة مِن السلع والبضائع، مثل: البخور والأعشاب الطبّيّة واللبان والصموغ والمرّ مِن جنوب شبه الجزيرة العربية وظفار، والقطن والمجوهرات والذهب والفضّة والعاج والبهارات مِن الهند عبر موانئ الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية. وكان يوجد عدد مِن الطرق البرّيّة الرئيسة التي كانت تسلكها القوافل محمّلة بالسلع والبضائع، ومِن أهمها: طريق البخور المنطلق مِن مأرب إلى البتراء عبر الحجاز، طريق الرضراض مِن مأرب أيضاً إلى نجران فشمال شرق شبه الجزيرة العربية حيث مدينة الجرهاء المشهورة في منقطة الخليج العربي.

ويرد ذِكر الإبل في القرآن الكريم في سورة الأنعام.. وفي سورة الغاشية. وفي السّيرة النّبويّة اشتهرت ناقة النّبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، المعروفة بالقصواء والجدعاء والعضباء وهي النّاقة التي هاجر عليها. وهي فقط مِن دوابّه التي كان ينزل عليه الوحي وهو راكب عليها. وقيل: إنّهنّ ثلاث نوق. وصحّ أنّ ناقته عليه الصّلاة والسّلام، القصواء، كانت لا تُسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشقّ ذلك على الصّحابة، ولكن الرسول الكريم تقبل ذلك بصدر رحب.

كما كانت الإبل مركوب الأنبياء السّابقين عليهم الصّلاة والسّلام. وكان للنّبيّ محمد عليه الصّلاة والسّلام جمل أحمر يدعى الثعلب وهو الذي أركب عليه خراش بن أميّة الخزاعي وأرسله إلى مكة أيّام الحديبية، فاعتدى عليه المشركون وعقروا الجمل.

عقر ودلالة هلاك

وارتبطت النّاقة ببعض الأساطير والقصص التي قيلت حول ناقة نبي الله صالح عليه السّلام، إذ يشار أنّها كانت سبباً في هلاك ثمود لأنّهم عقروها. ولهذا فإن النّاقة تمثّل في الأساطير الجاهليّة ربّة للحرب، تلقّح الأسنّة على الرّماح فتحمل حملاً كريهاً، وتدرّ دماً أحمر مشؤوماً. وكان مُتولّي عقر ناقة النبي صالح، هو أشقى وأشأم القوم، وذُكر أنّ اسمه قدار بن سالف وقد عمّ الشّؤم والشّقاء القبيلة كلّها لأنّهم رضوا وقَبِلوا بما قام به قدار. ولهذا قال أميّة بن أبي الصّلت:

كثمود التي تفتّكتِ

                  الدّين عتيّاً وأمّ سَقْبٍ عقيراً

ناقة للإله تسرح في الأرض

                 وتنتاب حول ماء مديراً

فأتاها أحيمر كأخي السّهم

                بعضْبٍ فقال كوني عقيرا

واعتقد العرب الجاهليّون أنّ «راغية البَكْر» أو «راغية السّقب» مثال للاستئصال التّام، حيث كان رغاء بكر ثمود حين عقروا النّاقة دلالة على الهلاك. فقال مالك بن خالد الخناعي:

كأن بذي دَوّان والجِزع حوله

                 إلى طَرَف المِقراه أرغيةِ السّقب

وقصد أنّ الأعداء هلكوا بالقتل كما هلكت ثمود حين رغا سقب النّاقة فهمدوا.

كما أن حرب البسوس نسبة إلى سُعاد بنت مُنْقِذ بن سلمان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وناقتها سراب. وكانت رؤية البعير في المنام تعدّ مِن التّشاؤم، ومما يشير إلى ذلك رؤيا عاتكة بنت عبد المطّلب قبل وصول تحذير أبي سفيان لقريش بتعرّض المسلمين لقافلة قريش.

وكان العرب يعمدون إلى قطع آذان الإبل ويشقّون جلودها كناية عن تحريمها على الأهل والأقارب وإيقافها على المعبودات. وفي القرآن الكريم إشارات إلى بعض هذه العادات الجاهليّة. وكان من عاداتهم في الجاهلية، إذا مرّت ببعضهم سَنة مجدبة يقومون بذبح أولاد الإبل لكي تسلم الأمّهات. وعندما تبلغ الإبل الألف يفقأ الرّجل عين الفحل، وإذا زادت عن الألف فقأ العين الأخرى، درءاً للحسد والعين. ومِن العادات كذلك إنزال الرّحل عن الإبل الركّائب إذا مات صاحبها فلا يركبها أحد بعده، وهذا ما عناه مالك بن الرّيب في قوله:

وعطّل قَلوصي في الرِّكاب فإنّها

                   ستبرد أكباداً وتُبكي بواكيا

ومِن الطّقوس التعبّديّة في الجاهلية، كما يروي أبو رجاء العطاردي: كنّا في الجاهليّة إذا أصبنا حجراً حَسناً عبدناه، وإن لم نصبْ حجراً جمعنا كثبة مِن رمل ثمّ جئنا بالنّاقة الصّفيّ فنفاج عليها فنجعلها على الكثبة حتّى نرويها، ثمّ نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان.


 

دور تاريخي

أسهم استعمال الإبل في النقل والتّجارة في ازدهار الطرق البرّيّة الصحراويّة في المنطقة. كما أنه، وبشكل خاص، منح سكان شبه الجزيرة العربية ميزة التحكّم في طرق القوافل. وفي خارج شبه الجزيرة العربية، تؤكّد الأدلّة الآثارية والكتابية والتصويرية استخدام الجمال في بلاد الشرق الأدنى القديم في عصور متعدّدة.  

 

10046

 يزخر الشعر العربي القديم والمعاجم اللغوية واللغة العربية عموماً، بالمصطلحات والعبارات التي تصف الجمل وطبيعته وحياته وشكله وعاداته ومراحل نموّه المختلفة.

ولهذا قال ابن رشيق القيرواني: إنّ «أكثر القدماء يجيد وصفها لأنّها مراكبهم». واشتهر قولهم: إنّ الجمل سفينة الصحراء. وتعدّدت وتنوّعت الكلمات باللغة العربية التي تتعلّق بالجمل وتصف شكله وخلقته حتى بلغت  10046 كلمة.  

 

«الفَنيق»  

كان العرب في الجاهلية يطلقون على الجمل الفحل الكريم اسم «الفَنيق» فلا يُركب ولا يُهان لكرامته عليهم، بل يُتّخذ للضّراب والزّوَار. ومِن تخيّلات العرب أنّه إذا نفرت النّاقة سُمّيت لها أمّها حتّى تسكن وتهدأ.. وكان مِن عاداتهم عند النّذير وصريخ الحرب هو أنْ يقوم المبلّغ بالوقوف على ظهر بعيره، بعد أنْ يجدع أنف البعير، ويقطع أذنه ويحوّل الرّحل.   

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس