تكرّرت في تاريخ الأمم والشعوب والدول العديد من المدن القائمة والمندثرة التي كان لها شأن عظيم في تواريخ تلك الأمم، وفي حيوات شعوبها، وكان بعض تلك الحواضر قد مرّت عليه عصور عديدة وهو تحت الرمال والأنقاض لا يعلم به أحد، ذلك حتى تكتشفه أيدي المنقّبين الآثاريين في يومٍ ما، فتنهض معها تلك المدن التاريخية من سباتها العميق، وتنفض الأتربة المتراكمة عليها عبر الزمن.

وبعض هذه المدن العظيمة تسكن من أفراد حضارات متتالية، عبر الأزمان والعصور، فتقوم أحدثها على مدن أقدم منها، ويبقى النّاس يقيمون في محلّاتهم لا يعون أنّهم يدفنون حتى أقدامهم إرثاً حضاريّاً متميّزاً.

وبعض هذه المدن تمحوها الكوارث، وتزيلها الزلازل والبراكين، وتطمرها المياه فلا ينتبه لها أحد حتى ينتشلها المنقّبون الآثاريون من تحت أنقاض التاريخ، وبعض هذه المدن يزول تاريخها الأول، ويبقى تاريخها الأحدث، ممّا يولّد حيرة في نفوس العلماء والمتخصّصين المتسائلين عن المكان الأقدم لهذه المدينة العظيمة، وعن الموضع الأول لها..وما يضاعف الحيرة أنّ تؤكد نصوص التاريخ أنّ لهذه البلدة /‏‏‏‏‏ المدينة مشاركة في أحداث مهمة، وكان لها ذِكر وإشارة في المصادر القديمة إلا أنّ ما اكتُشف من آثارها لا يؤكّد ماضيها العريق.

مكانة تاريخية

لا شك أن مدينة جلفار العريقة هي من النّوع الأخير، فسمعتها التاريخيّة طبّقت الآفاق، بينما آثارها المكتشفة حتى الآن لا تثبت تلك الشهرة. أمّا الاسم ففيه خلاف في تفسيره ومعرفة معناه، إذ قيل: هي قرفار. وقيل: جُلّفار وجرّنار. ولكلّ لفظ تفسير في اللغة والبيئة، ولهذه التعريفات محلّ في تضاريس المنطقة وطبيعتها وجريان وديانها، وتلامس مياه بحرها. ومع هذا الاختلاف في التفسير إلا أنّه يكاد يوجد شبه إجماع بين المؤرّخين والجغرافيين، وغيرهم، على أنّ جلفار هي الاسم القديم لرأس الخيمة.

كما يوجد شبه إجماع بين المتخصصين والمهتمين، على أن الأحوال قد تدرجت بجلفار، وتطورت من كونها مجرد ميناء صغير إلى مدينة كبيرة، ثم إلى مقاطعة إدارية. ونظن أنها خلفت ميناء (في موقع الدُّور).. ويحتمل أنّها نشأت في أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث الميلاديين.. وقد كانت جلفار سوقاً شهيرة خلال فترة ما قبل الإسلام، وهذا مؤشّر على تفاعلها مع الدور الاقتصادي لموقعها المتميز القريب من مضيق هرمز.

وأما بالنسبة لتاريخها، فلم يترك لنا المؤرخون صورة واضحة المعالم ودقيقة عن تسلسل الأحداث في جلفار، منذ نشوئها وإلى نهايات عهدها. إلا أنه من أهم المعالم البارزة لهذه المدينة أنها كانت ضمن قواعد ومعالم البلاد الرئيسية المعلومة لشهرتها وذيوع صيتها..وأنّه يتبعها عدد مِن المناطق والضواحي، وأنّها من أكثر مدن وموانئ الخليج العربي ازدهاراً ونشاطاً. أمّا الإشارات التي وردت حول هذه المدينة في المصادر التاريخيّة، فتوضح أن الفاتح والقائد عثمان بن أبي العاص الثقفي في عهد الخلافة الراشدة، اتخذها منطلقاً لحملاته وغزواته. وفي عهد الخلافة الأمويّة كانت محطة البداية في انطلاق الحملات الأُمويّة نحو المنطقة، وكانت مرسى للسفن العسكرية القادمة من البصرة. كذلك، كانت مهمة جداً في العصر العباسي، حيث وصلتْ إليها قوات العبّاسيين، ومنها انطلقت إلى بقيّة المنطقة.. مما يشي بأنّ المدينة شهدت أحداثاً تاريخيّة مهمّة في العصر الإسلامي الوسيط، وهو ما يدل على مكانتها الرفيعة والعريقة.

الصير

وبخصوص النشاط الاقتصادي للمدينة فإنّها اشتهرت بمنتوجاتها الزراعية والحيوانية ونشاطاتها التجارية. وكان يجلب منها إلى ما جاورها من البلدان السمن والجبن. وكان يأتيها سكان هرمز وتجار من الهند ومن العديد من المناطق للاتجار فيها. واشتهرت بمغاصات اللؤلؤ وصيد الأسماك.

وتوجد بعض الإشارات التاريخية من بعض المصادر، تدلّ على أن اسم جلفار تحوّل من جلفار إلى الصير، ففي تقرير هولندي يعود لعام 1674م.. يرد ذِكر: جلفار أو الصير، بمعنى أنها عُرفت بالاسمين معاً: جلفار والصير. ولكن لا نعرف بالتحديد متى بدأ استخدام الصير كاسم مقابل لجلفار. ذلك مع أن الأحداث تشير إلى الاستمرار في استخدام اسم جلفار في عهود تلت العام المذكور. كما ظهر اسم جلفار على عدد من الخرائط الأوروبية العائدة إلى الفترة الممتدّة من القرن الـ16 إلى الـ18 الميلاديين.

طرد البرتغاليين

ووردت بعض الإشارات لجلفار في فترة الاحتلال البرتغالي للمنطقة، كما أنها تعرضّت لهجمات الفرس أثناء صراعهم مع البرتغاليين.. وفي خلال فترة التحرير من الاحتلال البرتغالي وتتبع أماكن وجودهم في المنطقة. إذ تعاون أهلها مع القوة اليعربيّة فتمكنوا من طرد البرتغاليين المحتلين ومَن تعاون معهم من الفرس. وكانت جلفار مِن أوائل المدن التي تحررت مِن البرتغاليين.

3 معارك

وحدثت في منطقة جلفار ثلاث معارك تاريخية شهيرة، الأولى: وقعة جِلْفَار الأولى عام 134هـ/‏‏‏‏‏ 751م. وكانت إثر توجيه الخليفة العباسي أبي العباس السفّاح (132-136هـ/‏‏‏‏‏750-754م) حملة بقيادة خازم بن خزيمة التميمي، للقضاء على الصفرية الذين تجمعوا في جزيرة ابن كاوان في الخليج العربي، بقيادة شيبان بن عبد العزيز اليشكري، الذي لجأ إلى الجزيرة بعد هزيمته على أيدي الأمويين عام 129 هـ. وأعدّ الوالي العباسي على البصرة، سليمان بن علي، سفناً لحمل خازم ومن معه من الجند إلى جزيرة ابن كاوان، وكان عدد جنود الحملة يزيد على 700 جندي.

وسارت هذه الحملة البحرية حتى وصلت الجزيرة، وتمكن خازم من هزيمة الصفرية الذين انسحبوا على إثرها إلى جلفار، وهناك دعاهم الجلندى بن مسعود (ت:134هـ/‏‏‏‏‏751م) إلى الاعتراف بإمامته، والتخلي عن مذهب الصفرية واتّباعه، إلا أنهم رفضوا دعوته، فبعث لهم جيشاً لمحاربتهم بقيادة يحيى بن نجيح ويحيى بن عطية الخراساني (ت:134/‏‏‏‏‏751م). ودارت بين الفريقين معركة حامية نتج عنها هزيمة الصفرية وقتْل شيبان وتفرّق أتباعه. ثم هناك وقعة جلفار الثانية، عام ( 134 هـ /‏‏‏‏‏ 751 م )، بين الجُلنْدى بن مَسْعُوْد الأزّدي (ت. 134هـ /‏‏‏‏‏ 751 م ) وأتباعه ومناصريه، وبين الجيش العباسي بقيادة خَازِم بنُ خُزَيْمِة الخُرَاسَاني. وعلى إثر هذه الوقعة استولت القوات العباسية على صحار. ثم كانت معركة جلفار الثالثة عام 880 هــ /‏‏‏‏‏ 1475 م، بين الملك سلغور شاه بن توران شاه ملك هرمز وبين القبائل العربية القاطنة في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة.

حيرة علمية...

ولعل سائلاً يتساءل كيف إمّحت هذه المدينة من على سطح الأرض؟ وماذا حل ّ بأهلها وشعبها وسكانها؟ وهي المدينة العريقة اقتصاياً وتجارياً وسياسياً. بعدما كانت آهلة بالسكان من جميع الأجناس؟

إن المشكلة في جلفار أنّها إمَّحت مِن وجه الأرض وغدت مطمورة تحت تلال رمال لا يعرف ماذا تخفيه تحتها من آثار تلك المدينة. وربما أن مجموعة أجزاء منها انجرفت مع البحر. أو أن المدينة دُمّرت نتيجة للحروب المتكرّرة التي دارت فيها عبر تاريخها الطويل. لذا لا يمكن تحديد مكان هذه المدينة وحدودها وموقعها إلا تخميناً، مِن خلال المخلفات الآثارية التي يُعثر عليها بين الحين والآخر.

واعتاد الأهالي في رأس الخيمة أن يحفروا فيجدوا أكواماً من الفحم والرماد الأسود الذي يعتقدون بأنه من بقايا المدينة القديمة. كما يُعثر على أوعية وأوانٍ نحاسية وقطع من الذهب والعقيق.

إن الموقع المقترح لجلفار القديمة حاليّاً في المنطقة القريبة من شمل وموقعي الندود والمطاف في شمالي مدينة رأس الخيمة. وهو موقع استراتيجي له أهمية اقتصادية وعسكرية. فوقوعها في نهاية الساحل الرملي وبداية الساحلي الصخري في الخليج العربي، أدّى إلى أن تكون ميناء لتوقف السفن التي تبحر من البصرة وبقية موانئ الخليج العربي. إذ يوفر الميناء لهذه السفن ملجأ مناسباً تتهيأ منه للاتجاه نحو مدخل الخليج العربي عند مضيق هرمز.

وهي منطقة وعرة كثيرة التيارات والدوامات المائية والصخور الداخلة في البحر، لذا تحتاج السفن إلى مكان تحضير واستعداد. والموقع في الوقت نفسه، قريب من الساحل الغربي، يصلح لحركة إنزال أو تحميل الجيوش. وبدأ عدد من الفرق الأجنبية: بريطانية وألمانية ويابانية وفرنسية، التنقيب في موقع جلفار بإشراف من دائرة الآثار والمتاحف في إمارة رأس الخيمة.. وكذا متحف رأس الخيمة الوطني.

ونتيجة للتنقيب المتواصل، عُثر على العديد من البقايا الآثارية، وعلى معالم عدد من المنازل والأبنية الأخرى كالمدابس وأماكن تخزين التمور. إلى جانب مسجد متعدد الطبقات الآثارية، مما يدل على تعدد فترات البناء. كما وُجدت كميات هائلة من الفخاريات العادية والمزججة، ومن أشهرها الفخاريات المزججة الصينية والآسيوية.. وتلك التي من جنوب شرقي آسيا.. إضافة إلى العديد من الأواني الزجاجية والمعدنية والزمزميات المزخرفة وغير المزخرفة.. وكميات كبيرة من عظام الأسماك والحيوانات والأصداف. كما عُثر على عدد من العملات، كثير منها في حالة سيئة، وبعضها تتضح عليه كتابة عربية: جارون أو جيرون، وذلك إشارة إلى مكان سك العملات، وهو: هرمز. إذ إن جيرون أحد أسمائها.

«كوش»

يؤكد أحد الاحتمالات المرجحة من قبل متخصصي علم الآثار والمنقبين، أن موضع جلفار، قبل الإسلام، هو في موقع كوش قرب شمل الذي يحمل مميزات مماثلة لموقع جلفار القريب من الساحل. واُكتُشفت في كوش آثار تعود للفترة الإسلامية المبكرة كما عُثر على حائط طيني سميك، عرضه 2.5 متر، وطوله 3 أمتار، ويرجح أنه كان جزءاً من حصن قديم جداً.

عراقة

حين بدأ القواسم بالظهور على الساحل كقوة بحرية في المنطقة، ظهر اسم رأس الخيمة إلى جانب اسم جلفار. ويحتمل أن الصير ورأس الخيمة كانتا من أحياء أو ضواحي جلفار أو مناطق جاورت جلفار.. ثم طغى اسم رأس الخيمة على اسم جلفار التي اندثرت في فترة زمنية لا يمكن تحديدها بالضبط. ونرجح أن اسم جلفار ظل معروفاً لعدة قرون، حتى مع بروز اسمي: الصير ثم رأس الخيمة، مما يدل على عراقة المدينة وأهميتها التاريخية، لدرجة أن الناس لم ينسوا هذا الاسم المهم.

أهمية

يمكننا أنّ نستنتج من نتائج التنقيبات أن موقع جلفار الآثاري يتميز بأهميته الإستراتيجية والبيئية والاقتصادية. وأن الأهالي كانوا يمارسون عدداً من المهن الاقتصادية، مثل: صناعة الفخار وصهر واستخراج المعادن وصيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ والزراعة. وأنّ النشاط التجاري بين جلفار والعديد من المناطق القريبة والمجاورة، كان كبيراً. وأنّ المدينة كانت محاطة بسور بهدف الحماية، كما كان بها عدد من القلاع والتحصينات الدفاعية.

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس