ظهرت، في بداية الألف الأولى قبل الميلاد، وربما قبل ذلك بقليل، حقبة جديدة في تاريخ الإمارات القديم، أُطلق عليها حقبة العصر الحديدي. وبالرغم من أن استعمال الحديد في جنوب شرقيّ الجزيرة العربية شاع فقط في النصف الثاني من الألف الأولى قبل الميلاد، فإن مصطلح العصر الحديدي بصورة عامّة، يطلق على الحقبة ما بين 1300 و 300 ق.م.
كما أن غياب النّصوص الكتابية وعدم التعرّف بشكل دقيق على أجناس الأقوام التي عاشت في المنطقة في تلك الحقبة ما جعل المنقّبين عن الآثار يطلقون هذه التسمية على ذلك العصر، على اعتبار معناه العام الشّامل.
وقد استعمل الحديد في عموم منطقة الشرق الأدنى القديم منذ حوالي عام 1300 ق.م. ثمّ تأكّد ذلك وتعمّق في القرون التالية. وجدير بالذكر هنا، أنه يعتبر موقع ساروق الحديد، أثراً مميّزاً في تأريخ حقبة الحديد في المنطقة، وهو الموقع الوحيد المكتشف حتى الآن الذي جرت فيه عمليات صهر وتعدين الحديد، بالإضافة إلى تعدين النّحاس.
4
حدث في العصر الحديدي 4 تطوّرات مهمة أعظمها اكتشاف الإنسان لصناعة الحديد وصهره، واستخدامه في صنع أدواته الحربية من سهام وسيوف وسكاكين، وأدوات منزليّة بعدما كانت مادة صناعته البرونز. ما من شك في أن جبال الإمارات احتوت فعلاً مصادر الحديد، ومع ذلك فإنّ الآثار تشير إلى استمرار مهنة تعدين النحاس وصهره في الألف الأوّلى ق.م. ولم يبدأ إنتاج وتصنيع الحديد في هذه المنطقة بشكل واضح إلا في النصف الثاني مِن الألف الأوّلى ق.م. ثم استمرّ ذلك في الفترة الإسلامية.
وأثبتتْ المسوحات الآثارية أنّ جنوب شرقيّ شبه الجزيرة العربيّة كانت منطقة مأهولة بشكل كثيف في العصر الحديدي، وممّا ساعد على ذلك: الظروف المناخية الملائمة، التنوّع البيئي الذي تمثّل في: العديد من المواقع الساحلية، ومواقع السهول الدّاخلية والواحات. وتمكّن السّكّان من التأقلم مع المتغيّرات البيئيّة المختلفة والاستفادة من المواد الخام المتوافرة في المنطقة. وتبادل المواد الأخرى غير المتوافرة عندهم، عن طريق الاستيراد وتبادل مواد الإنتاج في البيئات الأخرى.
وبناء على بعض المؤشّرات، فإن المناخ تعرض لبعض التغيّرات في أواخر حقبة الألف الثانية ق.م. إذ ساد فيها القحط، وانخفضت نسبة هطول الأمطار انخفاضاً ملحوظاً.
كما تأثّرت بهذا المناخ الجافّ المياه الجوفيّة فتضاعف انخفاض مستوياتها وصعب على القاطنين الاعتماد على مياه الآبار لريّ المزروعات وسقاية أراضيهم. وبناء عليه فإنّ كثباناً رملية عظيمة بدأت تغطّي مساحات كبيرة من أراضي جنوب شرقيّ شبه الجزيرة العربية، فهجرت أعداد من السكان مواطنها الأولى ومقرات إقاماتها.. فتداعت أركانها وَوَهتْ حيطانها وأصابها البلى والفناء وأصبحت تحت الرمال.
غير أن المناخ في أوائل الألف الأولى قبل الميلاد بدأت تستقرّ أحواله شيئاً فشيئاً، ثم شرعت تتحوّل مظاهر الجفاف إلى جوّ مطير بدأ يزداد مع مرور الوقت.
وتزامن ذلك أيضاً مع اكتشاف القاطنين لنظام ريّ جديد هو الريّ بالأفلاج الذي يدّعي بعضهم أنه أتى مع بروز الدولة الأخمينية في فارس، وهذا ادّعاء غير صحيح لأنّ آثار الأفلاج اكتُشِفت في موقع هيلي، قبل ظهور الفرس على الساحة في إيران.
وقد أدّى شيوع استعمال نظام الأفلاج إلى انتشار المستوطنات على نطاق واسع في أرجاء شبه الجزيرة، وإنشاء مستوطنات جديدة مترامية الأطراف كشفت الحفريات عن العديد منها. وتضمّ تلك المستوطنات مواقع عديدة عُثر عليها في منطقة العين، ومن أشهرها مستوطنة رميلة.
مهارات مثبتة
اكتُشِفت آثار أفلاج في الجبيب قرب قرية الشويب، كما عثر علماء آثار فرنسيون وأسبان على عدد آخر خلال الحفريات في الثقيبة وأم صفاة في سهل المدام بالشارقة. وهما موقعان موجودان في منطقة لا تتوافر فيها أيّة دلائل على الاستيطان خلال الألف الثانية قبل الميلاد، مما يشير إلى أن السكان اكتسبوا مهارات جديدة في العيش والإقامة، أو لعلّ موجة جديدة من السكان وفدت إليها، حمل من ضمتهم معهم، مهارات أتاحتْ لهم استغلال أراضٍ لم تكن في السابق سوى أراضٍ يابسة.
ومن أهم مواقع العصر الحديدي موقع في منطقة خت يبعد بعض الشيء عن الينابيع الحارّة، ما يشير إلى أنّ أسلوباً خاصاً في الريّ قد أُدخل إلى تلك المنطقة أيضاً. وفي مواقع أخرى من واحة العين، وجد الآثاريون قرية أخرى عامّة في هيلي تعود للعصر الحديدي.
بالإضافة إلى عدد من المباني الفردية في مواضع صغيرة من منطقة هيلي. كما عُثر على مستوطنات أخرى اعتُمِد فيها على نظام الري بالأفلاج في جرن بنت سعود، على بُعد حوالي 20 كم في الشمال من مدينة العين. وفي موقع رميلة بالعين، أيضاً، عُثر على آثار مستوطنة اكتُشف فيها العديد من اللقى الآثارية. وعلى مقربة من الساحل وُجدت مستوطنة أخرى في مويلح بالقرب من مطار الشارقة الدولي.
كما حُدّدت مستوطنات أخرى ترجع إلى العصر الحديدي في شمل وغليلة.
مستوطنات وأحجام
عثر في المنطقة الجبلية في الإمارات، على دلائل على استيطان المنطقة خلال العصر الحديدي في اعسمة وفي البثنة الواقعة على وادي حام وفي وادي خب. وفي أماكن أخرى في رأس الخيمة لفتت الأنظار مواقع آثارية أخرى في قرى وادي القور هي رافاق ونصلة والحويلات.
وتشير عمليات المسح التمهيدية التي شملت الجبال إلى أن استيطان المنطقة خلال العصر الحديدي ربما يشكّل أحد أوسع فترات الاستيطان التي شهدتْها المنطقة قبل العصر الإسلامي. ومن الجدير بالذكر، أن التشابه الآثاري واضح بين معثورات المواقع الآثاريّة المختلفة، وخاصّة فيما يتعلّق بالملتقطات الفخّاريّة والأواني الحجريّة.
وقد تباينتْ أحجام مستوطنات الحقبة الحديديّة في اتّساعها وأحجامها، فمثلاً هيلي (8) ورميلة وميسر أكبر حجماً وأكثر اتّساعاً مِن الثقيبة والصفاة ووادي القور. وتبيّن تأثير البيئة على كلّ موقع من تلك المواقع، وأن لكل موضع خصائص تفرضها البيئة المحيطة به. وآثار القصيص في إمارة دبي، الأولى والأبرز في الخصوص.
صهر وتعدين قديمان
من الملاحظات الجغرافيّة والطبوغرافيّة في موقع ساروق الحديد، أنه موضع لا يقع على الساحل، وهو موضع لا تتوافر فيه خامات الحديد. ولكنه لا يبعد عن الواحات الداخلية، كما أنه قريب من الساحل، ويمكن الوصول إليه من المناطق الجبليّة، فهو في منتصف الطريق حيث تصل إليه خامات الحديد المتوافرة في الجبال، كما تتوفّر في الموقع الأيدي المصنِّعة..وتوجد في محيطه الأخشاب، ومنه تنتقل المصنّعات إلى المرافئ، وإلى الاستعمال المحلي.
ويدل العثور على عدد من الفؤوس إلى انتعاش مهنة قطع الأخشاب حينذاك فيه. ويتموضع ساروق الحديد في مكانه الطبيعي الحالي داخل سلسلة من الكثبان الرملية في منطقة تشكّل الجزء الجنوبي الغربي من سيح حفير على بعد 3 كم إلى الشرق من طوي حفير، و10 كم غرب طوي العشوش، ويبعد بحواليّ 70 كم إلى الجنوب الغربيّ من مدينة دبي. وتشير المسوحات الآثاريّة في المنطقة المحيطة بالموقع إلى وجود بعض المعثورات العائدة إلى حقبة الحديد في طوي براق.
ومن أهم الملامح في موقع ساروق الحديد، هو كونه الموضع الوحيد المكتشف حتى الآن، الذي جرت فيه عمليات صهر وتعدين الحديد، وتصنيع العديد من الأدوات كرؤوس الحراب والخناجر والسيوف، وهو يتموضع في منطقة تبعد في الأصل عن أماكن وجود خامات الحديد.
وفرة وتنوع
تشير الدّلائل الآثاريّة المكتشفة في ساروق الحديد، حتى الآن، إلى ازدهار الموضع في العصر الحديدي، وتلمح المُكتَشفات إلى تنوّعٍ في التصنيع ووفرة في الإنتاج. وقد كشفت التنقيبات العديد من مواقد النّيران مما يشير إلى كثرة في عمليّات الصهر، وعمليات الطبخ المنزلي.
ومن الجدير بالإشارة إلى أنّ كلّ المعثورات التي اكتُشِفت حتى الآن، هي في منطقة واحدة ربما كانت مخصّصة للتصنيع أو بمعنى آخر كانت مكان ورش العمل، ولم يكن أيّ من هذه الملتقطات في المدافن، والوضع البيئي القديم يختلف عمّا هو عليه المكان حاليّاً، وأفترض أنّ المكان كان مليئاً بالأشجار وإلا لما تمكّن السّكّان من صهر الحديد، والعمل في إشغالاته المختلفة، مثل: الأسلحة المختلفة كالسيوف والخناجر والسكاكين والرماح والسهام.
إضافة إلى أنواعٍ من المصنّعات الفخارية والحجريّة تؤكّد أنّ الأهالي كانوا ماهرين في تصنيع هذه الأواني حسب حاجاتهم ومتطلّباتهم اليوميّة، فمِنها ما هو مخصّص للشرب، ومنها المخصّص لسكب السوائل.. ومنها للتخزين، وهي بأحجام متباينة، كما أنّ عدداً منها مزخرف بحزوز وزخارف، وبعضها مرسوم عليه أشكالٍ لأفاعٍ، وتكثر ضمن المعثورات أنواع من المصنّعات الذّهبيّة والفضّيّة والبرونريّة بأشكال وأحجام مختلفة، مما يدلّ على حذق في الصنعة وإتقان في العمل، إضافة إلى وفرة في الخرز المصنّعة من العقيق، وتشير كثرة المباخر المصنّعة من الحجارة والفخار والبرونز إلى ازدهار تجارة اللبان والبخور.
تجارة العرب
تؤكد مجموعة مهمة من المعثورات في ساروق الحديد بدبي، وجود تجارة متواصلة مع جنوب شبه الجزيرة العربيّة، وازدهار تجارة القوافل التي كانت تجلب معها منتجات قيّمة متنوعة.
والمؤكد أيضاً، طبقا لمعطيات وجود وانتشار وطبيعة هذه المواد، أن العرب استقروا في هذه المنطقة منذ أقدم الأزمان. كما تؤشر كثرة الأسلحة المُكتَشَفة في الموقع، إلى وضع أمني معيّن كان يعيشه آهلو هذا المكان.
جرّة سويحان
عثر على دلائل تثبت ظاهرة الاستيطان خلال العصر الحديدي في أماكن مهمة ومتنوعة من بادية الإمارات، وهي عبارة عن جرّة شائعة الاستعمال في العصر الحديدي وُجدتْ في سويحان قبل سنوات.
كما يحتمل أن المنقبين استدلوا في الأعوام الأخيرة على مستوطنة تعود إلى العصر الحديدي من خلال المواد الموجودة على سطح الأرض في وادي الحمام الواقع بين هيلي ودبي، على طول طريق تخترق الصحراء من بئر إلى أخرى، بموازاة الطريق القائمة على أطراف الجبال.
مدفن شمل
استمرت عمليات استيطان مواقع سكنية متنوعة في مناطق الإمارات، خلال العصر الحديدي، كانت قد شُيّدت قبل وقت طويل، كتلك المتركزة في تل أبرق وكلبا وخت التي تعود إلى الألف الثالث ق.م.
كما اكتشفت مستوطنة أخرى ترجع إلى العصر الحديدي بالقرب من مدفن شمل في رأس الخيمة التي تنتمي في الأصل إلى الألف الثالث ق.م. وتتوافر لدينا أيضاً دلائل على استمرار الاستيطان ابتداءً من أوائل الألف الثانية ق.م. وحتى العصر الحديدي في دبا على الساحل الشرقي.
صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس

