كانت الكتابة التاريخية من أهم معالم التدوين على أرض الإمارات في الحقبة السابقة للاتحاد، وكانت تلك الفترة بما فيها من أحداث سياسية وقضايا اجتماعية، وتنقلات قبلية وتبدل في الحكام وتداول في السلطة، مشجعة على الكتابة التاريخية، التي لها أصولها الخاصة بها ومنهجيتها وأسلوبها وطريقة تدوينها.
ولهذا كان تأريخ كل الحوادث والأخبار في تلك المرحلة، من النقلات النوعية الرائعة، التي أقدم عليها عدد من الكتاب والأدباء الرواد، وكانوا بالتالي، أول المصنفين في الميدان التاريخي، ويمكن أن نعتبرهم أوائل المؤرخين، وإن كانت بعض المسائل التاريخية لدى هؤلاء تنقصها المنهجية التأريخية إلا أن إقدامهم على التصنيف في هذا العلم الحيوي هو في حد ذاته عمل نوعي رائد.
ولا شك في أن المرويات الشفهية كانت أحد أهم مصادر التأريخ التي تتطلب كاتباً حصيفاً يجمعها، ويلم شتاتها فيدونها ثم يقدمها للقراء. وحتى وإن غلب على هؤلاء الكتاب والمدونين جانب سرد المروي دون تحليل أو مناقشة، فإن التدوين نفسه يعد قيمة إيجابية وميزة، وكذا الحال بالنسبة للكتابة بطريقة ما يُعرف في حقل التأريخ بالحوليات، وأيضاً: تسجيل الحوادث حسب وقوعها زمنياً.
«الجواهر واللآلئ»

ومن مشاهير مؤرخي الإمارات، ذلك إلى جانب أسماء مبرزة رائدة كمبارك بن حمد العقيلي، المؤرخ والأديب عبدالله بن صالح المطوع، المتوفى عام 1958، الذي وضع مجموعة مصنَفات في التاريخ، الأول من بينها: كتاب الجواهر واللآلئ الذي يركز على تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة.
وبسط فيه القول حول تاريخ القبائل وتاريخ الأسر الحاكمة وتداول السلطة بين الحكام، وتطرق فيه إلى العلائق الاجتماعية في الإمارات. وهو بالتالي بدأ كتابه من نحو عام 1747 حين بدأ بتاريخ الأسر الحاكمة في الإمارات، ووصل إلى زمانه.
وأما الكتاب الثاني فهو: »عقود الجمان«، وهو يركز على الوجود السعودي على في شبه الجزيرة، وما مثل ذلك من خلافات وتوافقات وتفاهمات تجسدت في علاقات السعوديين، آنذاك، بعُمان والإمارات، وهي بلا شك فترة حرجة سعى من خلالها المطوع إلى تدوين ما سمعه، وما قرأه حول هذا الموضوع تحديداً.
ويتمثل الكتاب الثالث برسالة تضم بعض الأوراق عنونها المطوع بــ»اللؤلؤ والمرجان«، ولا أستبعد أن هذه الأوراق ربما كانت نواة للمصنَف الأكبر »عقود الجمان«، أو ربما كانت مسودات للكتاب المذكور، وقد أرفقها الدكتور فالح حنظل بكتاب »عقود الجمان«.
والكتاب الرابع للمؤرخ المطوع هو »شرح نونية القواسم«، وهو في الأصل عنوان قصيدة نظمها إبراهيم بن محمد المدفع في تاريخ القواسم تقع في 69 بيتاً، وتتضمن إشادات بالأسرة القاسمية، وتنوه بأدوارها، وتشتمل على ذكر للأحداث الحاصلة في عهدها، إلى ذلك الوقت.
وشرح المطوع هذه القصيدة، مبيناً الأحداث التي تضمنتها، وموضحاً معاني الكثير من الألفاظ، ومجلياً للغوامض والمبهمات فيها. وهذه طريقة قديمة اتبعها الأسلاف من العلماء في شرح القصائد والمنظومات الشعرية.
«نقل الأخبار»
كما صنف يوسف بن محمد الشريف، كتاباً حولياً بدأ فيه من عهد الشيخ سلطان بن صقر بن راشد القاسمي (1804 ـ 1866)، وصولاً إلى بدايات عهد الشيخ سلطان بن سالم بن سلطان بن صقر القاسمي، وهي فترة طويلة شهدت فيها المنطقة أحداثاً مهمة، إذ بادر الشريف إلى رصد حيثياتها وتدوينها، فنقلها من واقعها المشاهد والمروي إلى المدون.
وهي سرد للأحداث حسب التحقيب الزمني، وكان الشريف قريباً من شيوخ القواسم في رأس الخيمة، كاتباً لهم، ما أهله للاطلاع والتعرف على نصوص ومراسلات ووصايا. ويلفتنا أنه رجع الشيخ محمد بن سعيد بن غباش لكتاب الشريف أكثر من مرة، وهو ما يدل على أن الكتاب كان معروفاً عند الأهالي في أيام ابن غباش.
كذلك وضع محمد بن سعيد بن غباش مصنَفين في التاريخ، الأول: عبارة عن دفتر مذكرات ضمنه بعض الأخبار والأحداث والوقائع، ولم يضع عنواناً محدداً لمصنَفه هذا. والثاني: »قبيلة الشحوح القاطنة في رؤوس الجبال«، حيث ضمنه نسب هذه القبيلة وفروعها وأصولها ولهجة أهلها وسماتهم.
وصنف حميد بن سلطان الشامسي، المتوفى عام 1980، كتاباً بعنوان: نقل الأخبار في وفيات المشايخ وحوادث هذه الديار. اتبع فيه طريقة التأريخ بالحوليات، بدءاً من عام 1050 هــ/ 1640 م وانتهاء بعام 1367 هــ / 1947 م، ذاكراً وفيات عدد من الأعيان، ومشيراً إلى تاريخ بعض القبائل في الإمارات وعمان. وأشار فيه إلى العلاقات بين إمارات الدولة وبقية بلدان الخليج العربي.
وكتب راشد بن عبدالله بن حريز مصنفاً بعنوان »تاريخ الحوادث« ركز فيه على أخبار وأحداث جرت في دبي. كما ذُكر ثلاثة من عائلة الكيتوب، ضمن المؤلِفين في التاريخ. وأولهم، راشد بن سلطان الكيتوب- المتوفى عام 1958-، الذي وضع مؤلفاً دون فيه بعض الأحداث، التي عاصرها، ولا يوجد أثر متكامل لهذا الكتاب.
وسار علي بن راشد بن سلطان الكيتوب على دربه، فوضع مصنَفاً سجل فيه بعض الأحداث، وضمنه بعض المختارات الشعرية ومسودات لعدد من المراسلات بين الحكام والسلطة البريطانية، ثم خلفه محمد بن راشد الكيتوب، الذي دون بعض الوقائع والوفيات والأحداث والأخبار وتداول السلطة بين حكام الإمارات. وذُكر أن أحمد بن عبدالرحمن بحلوق صنف مؤلَفاً ضمنه بعض الأشعار والوفيات وأخبار الأسفار.
أول ديوان
كان للأدب والشِعر والقصة، أيضاً، حظ من التصنيف، إذ وضع محمد بن علي الشرفا الحمادي عام 1917، كتاباِ بعنوان »نيل الرتب في جوامع الأدب« ضمنه خواطر وأفكاراً ورؤى حول حياته وعصره بأسلوب النثر والشِعر، وله كتاب آخر بعنوان »خطرات واختيارات« وهو عبارة عن خواطر في السياسة والفكر والأدب.
وفي الشِعر، أكثر سالم بن علي العويس- المتوفى عام 1959-، ولكن ضاع جزء من شعره، وما جمع قليل جداً مقارنة بما أنتجه من شعر. وخلف مبارك بن حمد العقيلي، المتوفى عام 1954، ديواناً بعنوان »كفاية الغريم عن المدامة والنديم«، وكان مخطوطاً بيد محمد بن عبدالرحمن بن حافظ، وتضمن أشعاراً بالنبطية، وله قصائد متناثرة باللغة العربية الفصحى، وهناك دفتر له فيه بعض القصائد.
وأصدر الشيخ صقر بن سلطان بن صقر القاسمي، المتوفى عام 1999، أول ديوان لشاعر من الإمارات عام 1953، ثم أصدر ديوانه الثاني عام 1956. ودون أحمد بن سعيد بن غباش، المتوفى عام 1987، مختارات شعرية لسالم بن علي العويس.
خلاصة
نجد، في خلاصة الحديث في موضوع التدوين بمجموعه، وبفضل معطيات البحث المعمق في شأنه بموازاة رصد تفاصيله بدقة، أنه هناك نتاج لا بأس به في هذا الحقل، إلا أن الحديث عن كل فن على حدة، مسألة تُشعر القارئ بشح في التدوين، ولكن الحديث المتكامل في هذا الخصوص، يقدم نماذج ودلائل على قيام حركة نشطة في التدوين في أرض الإمارات خلال فترة ما قبل الاتحاد.
ذلك مع اختلاف في عمقها الزمني، إلا أنه، وفي حديثنا عنها، ورصدنا المنهجي لها، نكتشف وجود حركة تأليفية متنوعة ومتجذرة في الدولة بقيت متواصلة دؤوبة رغم الظروف الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة، فرغم الاحتكار البريطاني لكثير من مقدرات البلاد وقدرات التدوين، حرص الأهالي على مواصلة التدوين والكتابة، متحدين تلك العقبات ومتسلحين، بما آتاهم الله من قوة وعزيمة وإرادة.
مصادر
إن ما مر بالقارئ الكريم من معلومات قدمتها، استفدت فيها من مقابلاتي الشفهية، ومن قراءاتي لما كتبته كوكبة بحاثة ومؤرخين مهمين، تضم: الباحث بلال البدور »سفير الدولة لدى المملكة الأردنية الهاشمية«، الدكتور فالح حنظل، الدكتور عبدالله الطابور، عبدالله عبدالرحمن، الدكتور سيف البدواوي، الدكتور عبدالله المغني، الدكتورة فاطمة الصايغ، نورة بنت صقر الفلاحي، أحمد راشد ثاني »رحمه الله«.
أول سيرة ذاتية
وضع محمد بن سعيد بن غباش رسالة تتحدث عن حياته وسيرته الذاتية، أشار فيها إلى التعليم التقليدي في منطقة الإمارات، وإلى دراسته في الأزهر، عارضاً للوظائف، التي تولاها إلى ما قُبيل عام 1957، وهو العام الذي دون فيه هذه الرسالة، التي بعثها إلى مدير معارف قطر. وربما نعتبر هذه الرسالة من أوائل الكتابات في السير الذاتية.
وصنف الشيخ عبدالرحمن بن محمد الشامسي أرجوزة في أنساب وتاريخ آل بو شامس يقال إنها تبلغ نحواً من 400 بيت. ويُذكر أن محمد بن عبدالله المدفع المتوفى عام 1922 جمع تاريخاً لساحل عمان، ولكن لم يرَ هذا المؤلَف النور. كما ذُكر أن لأحمد بن علي المناعي، المتوفى عام 1960، مؤلَفاً في الأنساب.
1936
دون علي بن محمد بن قمبر الهاملي مختارات شعرية للشيخ عبيد بن جمعة المكتوم. ووضع عبدالله بن السيد أحمد الهاشمي مصنفاً في الأشعار، نحو عام 1936، ضمنه بعض أشعاره واختياراته. وكتب العلامة محمد بن عبدالرحمن بن حافظ، ديوان ابن ظاهر، ضمنه شِعره، ثم دون بعض الاختيارات الشعرية من الفصيح والنبطي أتمها عام 1941، ودون بخطه مجموعة من الأشعار النبطية للعقيلي.
