حب العطاء والرغبة في مساعدة الآخرين، شغف يكرس مفهوم التطوع بين الشباب الإماراتي، ويستعيد قيم التراث والهوية الوطنية التي جسّدتها قيم التكافل الاجتماعي و«الفزعة الإماراتية» الأصيلة، والتي يواصلها اليوم فرسان الخير في الإمارات بلد الخير والتسامح، من خلال مبادرات عدة تكرس هذه الروح.

في هذا التحقيق نرصد لكم مجموعة تجارب لشباب إماراتي أبا إلا أن يترك بصمته، ويسهم بالجهد والمال والوقت والأفكار المبدعة والكلمات الطيبة لإسعاد الآخرين، من خلال ثلاث لوحات جميلة من الخير رسمها ثلاث شبان إماراتيون بألوان حب الوطن، فريدة بقصصها متفردة بعطائها، وتفانيها، وإخلاصها، وهذه النماذج المجتمعية المشرفة، تسير على خطى قيادة رشيدة وآباء مؤسسين زرعوا هذه النزعة الإنسانية وعلمونا أن عمل الخير والعطاء بلا حدود هو واجب على كل فرد، دون تفريق بين الناس، فكل الفروقات تذوب أمام الخير والإنسانية.

بدايات وشغف

«منذ صغري علمني والدي مساعدة الجيران وإغاثة المحتاج ومساعدة الصغير قبل الكبير، وهذا ما يعرف في لهجتنا المحلية بـ (الفزعة)، وكان دائماً يقول إن عمل الخير لا يقتصر على الصدقات وإنما يتجلى بالعطاء المادي واللامادي كذلك وتكريس الوقت والجهد، وكبرت وكبرت معي هذه المعاني إلى أن نمّت بداخلي حاجة ماسة وضرورية وشغفاً لا ينتهي بعمل الخير والتطوع، وكنت دائماً أبحث عن التميز في تقديم مبادرة مجتمعية إنسانية مختلفة عن الآخرين»، هذا ما قاله محمد إبراهيم عبدالله الذي كرس من عمره أكثر من 12 سنة من العمل التطوعي، إلى أن أصبح اليوم قائد مجموعة سفراء العطاء التطوعية التي تتبع نادي الشباب العربي لإسعاد المجتمع وبث روح الخير والعطاء.

أما عباس فرض الله، أحد أشهر المتطوعين، والذي يشارك في العديد من الفعاليات والذي ينشط بطريقة غير مسبوقة على وسائل التواصل الاجتماعي لمساعدة كل من يطرق بابه لتلبية أي مبادرة خيرية فيها عطاء، فيقول: «كبرت في مجتمع أصيل يهتم بالجار قبل أهل البيت، وهذا بالضبط هو مبدأ التكافل الاجتماعي والجهود التطوعية لخدمة الإنسان والمجتمع داخل الإمارات وخارجها، وهذا الارتباط الوثيق بالتطوع وعمل الخير يأتي سيراً على ما أرساه القادة في نفوس أبناء الإمارات من حب الخير للآخرين، وتقديم يد العون والمساعدة، وتقريباً منذ 10 سنوات عرفت لذة العمل التطوعي عن طريق أصدقائي الذين شجعوني في المشاركة وفي أول عمل تطوعي وهو زيارة لدار المسنين».

فيما صرحت ميسون إبراهيم موسى، وهي متطوعة أحبت أن تشاركنا تجربتها في عمل الخير والعطاء فقالت: «كانت الوالدة أول من يبادر بالعمل التطوعي في البيت، وكنا نراها ونحن صغار تصنع الأكل وتوزعه وكانت تقوم بمبادرات فردية كشراء وكسوة المحتاجين، كما كانت ترسل أشخاصاً محتاجين للحج والعمرة بالاشتراك مع متبرعين ومتطوعين آخرين.

فنهضت في هذه البيئة المحفزة لعمل الخير والعطاء، كانت أمي دائماً تحدثنا على العمل التطوعي، كما تحفزنا وتقول إن العمل التطوعي وعمل الخير نهاياته دائماً محمودة، وأن الله يحبنا بما منّ علينا من نعمة القدرة على العطاء، ومشيت بهذا الطريق منذ نعومة أظفاري، واليوم بات العمل التطوعي جزءاً لا يتجزأ من حياتي، ولا أستطيع أن أمضي أسبوعاً من دون أن أقوم بالمساهمة في مبادرة تطوعية، واليوم حان دوري لتحفيز أطفالي للقيام والاستمتاع بمتعة العمل التطوعي، وكثيراً ما يرافقوني في المبادرات والفعاليات ويساهمون فيها كذلك».

رسالة سامية

إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، العام 2017 عاماً للخير، لم يكن مستغرباً على قيادة رشيدة تبسط أياديها البيضاء في خدمة المجتمعات المحلية والدولية وتقدّم من المساعدات الإنسانية والخيرية في مختلف بقاع العالم، كما ارتبط تاريخها العريق وثقافتها الأصيلة بقيم الخير، وعن ذلك قالت ميسون: «أحسست أن رسالتي وصلت وحلمي تحقق بتكريس ثقافة العطاء والتطوع»، أما عباس فوجه رسالة للشباب قال فيها: «رسالتي إلى كل من يرغب بعمل الخير وكل من يرغب بالمشاركة في أي عمل تطوعي أن يكون تحت مظلة قانونية حفاظاً على حقوقه، وتجنباً لأي مساءلة قانونية قد يقع ضحيتها عن حسن نية».

وقد شارك محمد وعباس وكذلك ميسون في الكثير من المبادرات التي كان لها الأثر النفسي الكبير، من ضمنها مبادرة «شكراً جنتي»، التي تم فيها تكريم الأمهات البديلات القائمات على رعاية الأيتام، وفي الموسم الثاني «أمي جنتي» لأمهات ذوي الإعاقة، إضافة إلى جملة من المبادرات التي تخص كبار السن كاليوم المفتوح والإفطار معهم تحت شعار «سعادتنا وياكم»، وللأيتام حيث تم تقديم برنامج ترفيهي مشوق في حديقة الخور، تحت شعار «كرنفال الربيع»، وفي فعالية أخرى تم توزيع الملابس والمأكولات على العمال، فضلاً عن الاحتفال وتكريم الفئات المساعدة بالمنازل، والتي بمجملها تمنحك شعور قوة العطاء والاستمرارية في حب وخدمة شرائح المجتمع المختلفة.

وعن فعالية «شكراً جنتي»، قال محمد: «قمنا بتكريم أم بديلة لا تنجب ضمن التكريم، وكانت تبكي، وقالت إنه بفضل جهودنا أحست بطعم الأمومة الفعلي، وقد أثر هذا الموقف في كثيراً».

أما عباس فرض الله فقال: «إن رحلته إلى دار الأيتام، كانت من أكثر الأشياء تأثيراً، حين لمس صدق تلك الابتسامة وبريق أعينهم الذي كان يشع ويترجم فرحة قلوبهم الطاهرة، خاصة حينما حققوا أمنية طفل يتيم عمره 10 سنوات، وسمحوا له بقيادة سيارة فراري فبكى بحرقة». واستطردت ميسون: «عندما عملت مع الأيتام أحسست أكثر بقيمة تطوعنا».

العمل التطوعي يمنح سعادة داخلية، ويضيف خبرات من تجارب الناس، وأهم نقطة الراحة النفسية والارتياح، كما ينمي المسؤولية المجتمعية، هكذا ترى ميسون، أما عباس فعقب: «أحترم كثيراً تجربة بلدنا في العمل التطوعي، فهناك المئات بل الآلاف من الجمعيات والمؤسسات والأندية الاجتماعية التي تُعنى كل واحدة منها بأمر محدد وهو أمر جميل جداً، كما يحقق لي اليوم الكثير من الراحة النفسية التي لا توصف، لأنني أقدم من دون مقابل فياله من شعور جميل».

نهج

المبادرات التطوعية راسخة في المجتمع الإماراتي، كما أرسى دعائمها الوالد المؤسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ما شكل قيمة إيجابية وسلوكاً حضارياً ومكوناً أساسياً من مكونات التنمية، وقد رسخ أبناء الإمارات هذا النهج التكافلي.