تُعدّ الرسائل العائليّة التي كان يتبادلها أهالي الإمارات مع أبنائهم وهم في أماكن عملهم في دول الخليج العربيّة أو في أماكن إقامتهم في خارج إطار الخليج العربي، من بين أبرز أشكال الكتابة والتدوين، المبكرة، في الدولة.
ونظراً لقلّة التعليم في المجتمع المحلّي كان الأهالي يجدون ضالّتهم في الأولاد الصّغار الذين يعلمون بعضاً من مبادئ الكتابة، ويجيدون استعمال القلم والخطّ به، وكان مجرّد علم الفتى بفنّي القراءة والكتابة مؤشراً جيداً، وبشرى سارّة للأهالي، وعلى الرّغم من صغر سن ذلك الفتى، إلا أنّه مهوى أفئدة أهالي الفريج الذين يأتونه رجالاً ونساءً لِيكتب لهم لأهاليهم العاملين في مناطق ودول الخليج العربيّة، أو لِيقرأ لهم ما بُعث لهم من مكاتيب على أيدي القادمين من هناك. كما كان يقوم بعضهم بهذه المهمّة في أماكن العمل والتجمّعات. وبمجرّد وضع القلم في الجيب العلويّ للكندورة يعني أنّ هذا الفتى كاتب، ولا يمنع أن يتحصّل على نصف روبية مقابل عمله ككاتب.
«مطاريش» ومكاتيب
ومن حُسن حظّ الأهالي أنّ أناساً أمناء من أهل البلد كانوا يقومون بتوصيل المكاتيب والأموال والحاجيات إليهم، وفي الوقت نفسه ينقلون الأخبار والمكاتيب و«المطاريش» إلى العاملين في «بلدان المهجر الخليجي»، وعُرف هؤلاء الأفاضل بـ«البوسطه»، فهم بوسطه:«وسيلة» نقل، وهم كتّاب وقرّاء، فإن لم يوجد الأولاد الصّغار ليقرأوا المكاتيب فإنّ كثيراً من رجال البوسطه يتولّون هذه المهمّة، ذلك كون الديباجة معروفة والألفاظ معدودة والكلمات متقاربة، كما أن مَن يقرأ أو يكتب لا يتعب، ولا يعاني من رهاب القراءة أمام النّاس.
وتبدو لفظة «بوسطه»، فيما تبدو، وكأنها تحريف للكلمة الإنجليزيّة (POST) بمعنى البريد أو بالأحرى ساعي البريد أو أنّ اللفظة مأخوذة من البَسْط، وهو ما يقوم به كثير منهم ببسْط خلقة أو رداء أو قماش على ظهر المراكب القادمة من دبيّ فيعرضن عليها بعض الحاجيات للبيع للمسافرين. مع أنّ مَن يقوم بهذه المهمّة يؤدون عملاً أسرع وأكبر مِن مجرّد إيصال رسالة.
نموذج
ومن الصّيغ الكتابيّة التي كانت متداولة في المكاتيب:
«بسم الله الرحمن الرحيم.. حضرة الولد العزيز …………… المحترم، وبعد السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، فإن سالتوا عنّا فنحن على أحسن حال ولا ينقصنا إلا رؤية وجوهكم الكريمة، الواصل لكم بيد ………، بُطل عسل، وسحّارة دخون عود ……..، وفي الختام نتمنى أن يوصلكم كتابنا وأنتم على أحسن حال، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته».
ومن بين الصيغ الأخرى، أيضاً: «حضرة فلان بن فلان المحترم بعد التحيه والاحترام الواصله اليكم من بيت ……… 100 روبيه».
ديباجات متعارف عليها
وكانت هذه المراسلات بين الأهالي وأبنائهم وآبائهم وإخوانهم وأزواجهم وأقاربهم ومعارفهم العاملين في دول الخليج العربية، لا تنقطع، ذلك مع أنّها كانت تتأخّر بسبب ظروف الأسفار، ولكنها تصل في النهاية إلى أصحابها.
ونلاحظ أنّ هذه الرسائل غالباً ما تضمّ ديباجة متعارفا عليها آنذاك، فهي تبدأ بالسلام والتحيّة، وإبلاغ قارئ الرسالة بالأحوال التي يودّ معرفتها، ومن الغريب أنّ كثيراً من الأحداث السّعيدة أو المحزنة تصل متأخّرة بعض الشيء، نظراً لظروف الارتحال، ومن اللطائف أنه حين يودّ الأهالي إبلاغ أحدهم بوصول مولود جديد له، توضع قدم الطفل في المحبرة ثم تختم في الرسالة، كنوع من الإثبات لأبيه، وهي بلا شكّ تشير إلى رغبة الأهالي في توثيق الحدث.
كما أنّه وبمجرّد توثيق الحدث وإثبات تأريخه وتدوينه فذاك مؤشّر على رغبتهم في التوثيق. ثمّ إثبات ما أُرسل إليهم أو تأكيد ما استلموه من مبالغ يدلّ على رغبة في التوثيق، فمع أنّ الثقة كانت عالية بين النّاس آنذاك إلا أنّ ذلك لا يمنع من زيادة التوكيد.
إضافة إلى ذلك، فإنّ كلمات التفخيم التي تبتدئ بها بعض المكاتيب، تشير إلى نوع من الإجلال للمرسَل إليه، بغضّ النّظر عن كونها ديباجة متعارفا عليها أم لا، لأنّه بإمكانه عدم إثباته وإزالته إن رغب في ذلك. ثمّ نلاحظ أنّ تحديد المبالغ المستلمة بدقّة يشيع الأمن في النّفوس ويحفظ المجتمع من الشّكّ والريبة.
ومن الأمور الملفتة، أنّه إذا رغب الأهالي من قريبهم أن يشتري لهم قطعة ملابس من الكويت أو من البحرين، فإنّهم يكتبون له رسالة ويرفقون بها قطعة صغيرة من هذا الخام «القماش»، الذي سبق له وأن اشتراه لهم فيما مضى. وعندما تصله الرسالة بمرفقاتها يجول في الأسواق باحثاً عن الخام ذاك، خاصّة إذا بعُد الزمان بين فترة جلبه لذاك الخام سابقاً، وبين طلب الأهالي له مرّة أخرى.
دفتر القيد اليومي
أمّا تدوين روزنامات الأسفار، فذاك فنّ لم يُجِده إلا الخبراء والعارفون من النواخذة، ولفظة: «روزنامة» تطلق على دفتر القيد اليومي أو اليوميات، وفيه يتمّ تسجيل الأحداث أو المشاهدات أو الأوامر، وقد استخدم هذا الأسلوب في تسجيل ورصد مجريات الرحلة البحرية والأسفار البعيدة، إذ يحدّد فيه النّوخذة حركة السير والعمل على سفينته ما، من إبحارها إلى رسوّها، ومنذ بداية السفر وحتى نهايته.. حين العودة من ميناء الانطلاق، ويدوّن فيها ما تمّ شحنه وتفريغه، وقياس سير السفينة وتحديد وجهتها وموقعها في عرض البحر. وهذا التدوين يختلف عن المرشد البحري الذي يبيّن طرق الملاحة وأساليبها وأهم الموانئ والجزر، وما له من علاقة بفنون علم البحر والملاحة، وهو ما كتبه الملّاح الشهير أحمد بن ماجد.
«أصبحنا على خير»
وعادةً ما تبدأ الروزنامة بذِكر تاريخ اليوم بالهجريّ والميلاديّ إضافة إلى النيروز الهنديّ «نوع تقويم» الذي يمثّل 365 يوماً تبدأ في الأسبوع الأول أو الثاني من شهر أغسطس من كلّ عام. ومن المتعارف عليه أنّ النّوخذة يبدأ صباح يومه بعبارة: أصبحنا على خير، ثم يدوّن ما يجري له في ذلك اليوم حسب التوقيت العربي للنّهار والمساء.
ويرد في هذه الروزنامات أسماء الجزر، مثل: سلامة، هنيام، وصيرة. كذلك السواحل والمرافئ، مثل: خورفكان والفجيرة وصحار ومسقط وكراتشي، التي يمرّ بها الركب بقوله: «أصبحنا في المكان الفلاني»، ودخلنا الغبّة الفلانيّة، ويسجّل فيها، أيضاً، وضع الطقس من: هواء «باتجاهاته»، المطر. وأحياناً يقال: الهوا شمال طيّب.
كما يدوّن مَن كان يسايره من المراكب، ومن الأشياء اللطيفة أنّ النّوخذة يكتب أسماء الأشياء واتجاهات الهواء ووقت الإبحار بألفاظ محلّيّة، مثل: طرحنا، خطفنا، سنيار، خواهر، وكوس، ضربنا خورفكّان، وغيرها. ويرد في الروزنامات ما مرّ بالنوخذة والموجودين معه في المركب، من رمضانات وأعياد وأهلّة.
«ليس»
وكان يصاحب الروزنامة البحريّة دفتر للقياسات التي يجريها النواخذة، منذ أن تترك السفينة أحد الموانئ الهنديّة وحتى تصل إلى اليابسة على الساحل الجنوبيّ الشّرقيّ لشبه الجزيرة العربيّة عبر بحر العرب. كما يصاحب الروزنامة دفتر خاصّ يشتمل على حسابات البحّارة، وما يُقدَّم لهم من مبالغ في مختلف الموانئ، وحتى نهاية الرحلة، وبالتالي يتمّ بعد ذلك حساب حصّتهم من ربح السفينة لقاء السهم الواحدة المخصّصة لهم.
ويرافق هذه السّجلّات دفتر آخر مخصص لحساب مصاريف السفينة ومصاريف الأكل خلال الرحلة. ومن التدوينات في الأسفار، كتابة أسماء البحّارة والنوخذة وجميع العاملين في المراكب في قائمة واحدة تُعرف محلّيّاً بـــ«الليس» أي الــ«list» أي القائمة.
وعن طريقها تدخل المراكب الموانئ الأجنبيّة، وبالذّات مقاصد الأسفار في الهند وشرق أفريقيا. وتسمّى مثل هذه القوائم كذلك بالمينيفست (manifest). وبالتالي فإنّ الروزنامة وما يرافقها من دفاتر سِجلّ وثائقيّ منظّم لرحلات السفن، قام بتدوينها نواخذة ماهرون ملأت نفوسهم الثقة واليقين وقوّة العزيمة والصبر والتحمّل.
ومثل هذه المدوّنات برزّت مع بدايات القرن العشرين أو مع نهايات القرن التاسع عشر، وزاد استعمالها بعد ذلك في القرن العشرين. وبطبيعة الحال فإنّ حرص الأهالي على ضبط أمورهم، وتسجيل مجريات أسفارهم، وتثبيت أسماء المسافرين والعاملين معهم في قوائم خاصّة، يدلّ على حرص على التدوين.
بعد جديد
ومنذ البدايات المبكرة للتعليم، سواء كان ذلك في المدارس الأهليّة أو في النّظاميّة بعد ذلك، ثم مع مجيء المعلّمين العرب إلى الإمارات، بدأت مسألة التدوين تأخذ بُعداً كبيراً نظراً لِما تطلّبه ذلك من تسجيل ودفاتر وتقارير وكتب وشهادات وإقرارات ورسائل وتوصيات.. وغيرها.
فنشطتْ مسألة التدوين وبدأتْ تشيع في المجتمع مع ظهور المتعلّمين، ومن ثمّ سفر عدد منهم للدراسة في الكويت والبحرين وقطر والسّعوديّة، إضافة إلى حضور البعثات الرسمية والتعليميّة من دول ومناطق الخليج العربي الأخرى، إلى «إمارات الساحل»، وتدوينها لتقاريرها عن المنطقة واتصالها بالشيوخ والأهالي، وتعرّفها على الأوضاع وتراسلها مع الوجهاء، فنتجت عن ذلك حركة تدوينيّة جيّدة. وهنا بدأ يبرز دور التعليم في النّهوض بالمجتمع والارتقاء به، ثم تزايدتْ أعداد الكاتبين والمدوّنين.
وتبع ذلك افتتاح للعيادات والمستشفيات التي تطلّبتّ الكتابة في سِجّلات خاصّة دوّنت فيها الأسماء والحالات المرضيّة والعلاجات والتطعيمات والوصفات، وتخلّف عن ذلك دفاتر كثيرة ضمّت كلّ هذه الأمور. ومع حلول عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20، بدأت تظهر المشاريع التطويريّة، من بناء وعمارة وموانئ وشوارع ومشاريع للبنية التحتية في مدن الساحل، وتتابعت الاجتماعات وعقدت المجالس وجرى إعداد الخطط التنموية. فكان بالتالي نشاط متواصل في التدوين والكتابة والتوثيق ملأ السجّلات وسوّد الدفاتر، وصاحب ذلك حفظ لهذه المدوّنات المهمّة، وتبويبها.
1958
وفي أواخر عقد الخمسينيات بدأت تظهر المطابع التجارية الحديثة، وكانت تقليداً لِما كانت عليه الحال في الكويت. فتأسّست مطبعة الرضوان في عام 1958 في دبي، وتولّت طباعة الأعداد الأولى من الجريدة الرسميّة لحكومة دبي، ثم الأعداد الأولى من مجلّة «أخبار دبي» الأسبوعيّة عام 1964.
وقامت هذه المطبعة بطباعة الأوراق الرسمية والمطبوعات التجاريّة للمؤسّسات والإدارات في «إمارات الساحل» وعدن، وهي بلا شكّ كانت تطبع الكثير من الدفاتر والأوراق المخطوطة والمكتوبة بخطّ اليد أو المطبوعة على الآلات الكاتبة.
وقد حازت دبي قصب السبق في مضمار ولادة المطابع ونشاطها ودورها النوعي في دعم حركة التدوين في المجتمع، فمنذ إنشاء المطبعة الأولى فيها، في عقد الخمسينيات من القرن الفائت، أخذت دبي تؤدي دوراً أساسياً في عملية التدوين والتوثيق في الإمارات. إذ أسهم إنشاء هذه المطابع، وبشكل كبير، في حفظ المدوّنات المخطوطة وإبرازها للعلن، علاوة على أنها أنتجت القدرة على إتاحتها للجمهور، وهكذا شاعت بالتالي، ثقافة التدوين المطبوع.
1961
أسهمت المطبعة العمانية التي أنشت في دبي، عقب مطبعة الرضوان الرسمية، في طباعة دليل هاتف دبي لعام 1961، والعدديْن 17 و18 من السنة 12 للنّشرة الرسمية لحكومة دبي.. وغيرها. وتبعتها، في الفترات اللاحقة، مطابع أخرى لعبت دوراً مهماً في نشر الثقافة والتوثيق للأحداث ونشاط حركة الطباعة.
آلة كاتبة
زادت الكتابة على الآلة الكاتبة، التي بدأ استعمالها في منتصف الأربعينيات من القرن الفائت، في نشاط التدوين. فرغم أنه لم يتعدّ العمل عليها، لدى نسبة كبيرة من الناس المهتمين، مسألة تعلّم كيفية استعمال الحروف والطّرق بها على الورق وتعديل الورقة واستيفاء الحبر، تعلّم عليها وأتقن استخدامها بجدارة بعض الأهالي.
فكانت بالتالي خدمة جليلة لحفظ المدوّنات لفترة أطول، مع إجادة للخطّ وإيفائه حقّه. ثم تبع ذلك ظهور آلات السحب، وهي جيّدة في حالات النّسخ المتعدّد، فكانت هذه الآلات تكمّل الطباعة على الآلة الكاتبة، وتزيد من رقعة انتشارها.
«إلى حضرة جناب»
من بين الصّياغات التي اشتملت عليها نماذج الرسائل التي تعارف عليها المجتمع في القرن الفائت: «إلى حضرة، جناب، الأجلّ، الأمجد، الأكرم، المكرّم، الأفخم فلان بن فلان المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن سالتم عنّا نحن ولله الحمد بخير وعافية، وما نسأل إلا عن صحّة حالكم، أحال الله عنّا وعنكم كل سوء، وبعدين إذا كان هذاك مطرّش خط والا شيء يعني كتابك الشريف إلينا وصل، وفهمنا بما ذكرت، وصار لدينا معلوم، أمّا بعد…. فالفلوس اللي أرسلتها مع فلان بن فلان قد وصلتْ».
صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس


