تشهد الإمارات العربية المتحدة كثيراً من المعالم التاريخية التي تكشف صورتها قبل أكثر من خمسة عشر قرناً، فلا تزال الكثير من القلاع والحصون ماثلة حتى اليوم بمعمارها، وصخورها، لتؤكد أصالة الثقافة الإماراتية وجذور أهلها ومشوارهم الحضاري، إذ تمثل كل تلك الشواهد المعمارية ذاكرة تراثية للدولة، فتحضر على الأوراق النقدية، وفي شعارات المؤسسات الرسمية، والمؤسسات الأهلية كرمز وطني له تاريخه وحضوره.
واحدة من أشهر تلك المعالم في الدولة «قلعة الفجيرة» التاريخية، إذ تعد واحدة من أكثر القلاع فرادة من بين القلاع والحصون المشيدة في الإمارات، حيث تتميز بأنها بنيت على ربوة عالية في منطقة الفجيرة القديمة، ويرتفع بناؤها إلى نحو 20م عن سطح البحر لتشرف بهذا الارتفاع على البحر وكل المدينة، وتبعد نحو 2 كم عن ساحل البحر.
تروي قلعة الفجيرة التي تقع في الجزء الشمالي الغربي من قرية الفجيرة القديمة، الكثير من الحكايات حول تاريخ المنطقة بصورة عامة، فهي شاهدة على مراحل التحولات الجغرافية العسكرية التي خاضتها المنطقة خلال القرون الفائتة، ويمثل شكلها المعماري إحدى الوثائق الراسخة التي يمكنها أن تبين أنماط العمارة، وموادها قديماً، إلى جانب أن المراحل التي توظفت فيها القلعة في خدمة المنطقة تعد وثيقة سيرة أهل الفجيرة وحكامها وأعدائها.
موقع استراتيجي
يعود تاريخ إنشاء القلعة وفق البحوث التاريخية إلى ما بين 1500، 1550 ميلادية، الأمر الذي يكشف العلاقة بين صلاحية المكان ليكون مأهولاً بالسكن، وبين الأعداء الطامعين بالمكان وخيراته، فإلى جانب موقعها الاستراتيجي ، كانت المنطقة بأسرها منطقة خصبة تتوافر فيها مصادر الماء، ومقومات الاستقرار، حيث اشتق اسم الفجيرة من جدول مائي يحمل هذا الاسم أسفل أحد جبال الإمارة الشاهقة التي تحصر بينها وبين خليج عمان سهل الباطنة الذي يعد من أخصب مناطق الدولة، وهو يتسع لمسافة تصل إلى 32 كيلو متراً ويضيق حتى تصل الجبال حافة البحر ويحكمها صاحب السمو الشيخ حمد بن محمد الشرقي.
شهدت القلعة الكثير من الظروف التي عرضت جدرانها للانهيار والتلف، إذ أعيد بناؤها في الفترة 1650-1700م، وكان أول ترميم لها عام 1925م ثم في منتصف الستينيات لانهيار البرج الشمالي والمربعة وفي 1998-2000 قامت إدارة التراث والآثار بترميم شامل للقلعة وأبراجها واستخدمت في الترميم ذات المواد التي بنيت منها القلعة.
مركز جذب
ظلت العناية في معمار القلعة قائمة إلى اليوم، إذ لم تعد معلماً تاريخياً شاهداً على سيرة المكان وأهله وحسب، وإنما تحولت إلى مركز جذب سياحي، حيث يتوافد عليها السياح من مختلف الإمارات، وتشكل محل دراسة للكثير من المؤرخين والباحثين في الآثار القديمة، فكثيرة هي البحوث التي توقفت عند القلعة ورصدت تاريخها وشكلها، ووظيفتها.
وتأتي شهرة القلعة من شكلها المعماري الفريد وحالتها الجيدة من حيث البناء إلى جانب موقعها المتميز، كما أنها تقع في منطقة تعد المدخل الرئيسي لإمارة الفجيرة، لذا فقد اهتم بها الشيوخ اهتماماً كبيراً نظراً لدورها الخطير في حماية الإمارة بشكل محدد من غزوات الأعداء، ولهذا بنيت القلعة لتكون بمثابة الحصن الحصين للمدينة.
يختلف تصميم القلعة تماماً عن التصميمات الهندسية المعتادة في بقية قلاع الدولة، التي تكاد تجتمع على سمات ووحدة في الشكل المعماري، والمادة الخام التي شيدت منها، إذ تتكون قلعة الفجيرة من ثلاثة أبراج دائرية وبرج مربع، وبناء طويل ذي مقطع يشبه البرج وهذه المباني ترتبط بجدار بين الأبراج مكونة قاعة مركزية في الوسط.
بنيت القلعة من قبل الأهالي من مواد محلية التي توفرها بيئة المنطقة بجبالها وتلالها وصخورها، حيث استخدم في بنائها؛ الحجر والحصى والطين والتبن ومادة الصاروج، التي كانت تستخدم لتدعم المعمار، إذ كان مشيداً لأغراض دفاعية، فهذا ما تكفلت به القلعة بعد تشييدها، إذ تحولت إلى مركز دفاعي، حيث احتمى أهالي المنطقة بجدرانها ودافعوا منها عن أرضهم في مناسبات عدة، فتصدوا إلى العديد من هجمات البرتغاليين والإنجليز في الماضي، قبل أن تتحول فيما بعد إلى مركز إداري مهم للمنطقة.
تتكون القلعة من ثلاثة أبراج دائرية، وآخر مستطيل الشكل وطابقين وسطح، ويتكون الطابق الأرضي من صحن وغرفة واحدة، ومدخل رئيسي، وأدراج تؤدي إلى الطابق الأول، والذي يتكون من مجلس، وممر يؤدي إلى الأبراج ثم سطح تحيط به شرفات.
مثلت كل تلك المميزات إضافة مميزة لتكون القلعة علامة فارقة بين قلاع وحصون الإمارات، فسعت الجهود الرسمية لتحويلها إلى متحف متخصص تعرض من خلاله الأسلحة والأدوات التي استخدمت في القلعة، لتكون بذلك معلماً أثرياً ثقافياً سياحياً في الوقت ذاته.
معلم
اليوم لا تعد القلعة مكاناً للسياحة أو للبحوث التراثية والتاريخية، وإنما باتت معلماً لانطلاق فعاليات إمارة الفجيرة الرسمية، إذ بات ينطلق منها مهرجان التراث، حيث انطلقت منها فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان «تراث الإمارات» الذي تنظمه وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع على مدى أربعة أيام تحت شعار «الحرف والمهن التراثية» التي تقام بمناسبة «اليوم العالمي للتراث».
