إن الذي وصل إلى أيدي الباحثين من مخطوطات الشعر القديمة قليلٌ نسبياً، ويتفاوت حظُّ كل منطقة من المناطق من تلك الحصيلة، وإن مما يؤسف له أن تلك المدونات ظلت عرضةً للتلف نتيجةً لعدد من العوامل الطبيعية والبشرية، ومنها:
أ- ظروف التخزين غير المناسبة: فالتخزين في أجواء حارة ورطبة، يجعلها فريســةً لحشرة النمل الأبيض التي تسمى محلياً «الرمّة»، ويكون السببُ أحياناً عجزَ المالك عن توفيـر مكانٍ ملائمٍ صحياًّ لحفظ مجموعاته، أو قلةَ وعيه في هذا المجال.
ب- الإتلاف المتعمد: ويعود السببُ غالباً إلى استيقاظ الوازع الديني فجأةً عند الشاعر أو المُدون !! فينظر إلى الشعر باعتباره مادةَ لهوٍ ولغوٍ أوحى بها الشيطان، وبالتالي فهي بالنسبة لمن خلَّفها مصدرٌ دائمٌ للإثم !! فيندم على نظمه أو تدوينه وحفظه. ويروى أن الشاعر الشهير أحمد بن عبد الرحمن بوسنيدة (تـ1920م) عمد إلى إحراق ديوانه آخرَ حياته، ولم يَنجُ من قصائده سوى ست عشرة قصيدة فقط كان شعراءُ آخرون قد دونوها، وبعضُها محفوظٌ في الصدور.
وأحياناً يكون الإتلاف من جانب أسرة المُدون بعد وفاته، وقايةً له من العذاب الأليم في الدار الآخرة!! ومما يُروى أن إحدى العجائز كان لها ولدٌ من الكُتاب الذين كتبوا بالأجرة لتجار اللؤلؤ في إمارة عجمان، وكان ينسخ القصائدَ الشعبيةَ ويقتني دواوينَ من نَسخه واشتهر بجمال خطه، فلما توفي عمدت أمُّه العجوز إلى تلك الدواوين فأحرقتها.
ج- التلف غير المتعمد: ومن أمثلتها أن المرحوم حمد بن سليمان (والد سلطان الشاعر) فقد مخطوطةً مليئة بالقصائد حينما غرقت سفينتُه في خليج عمان خلال عقد الثلاثينات.
د- الاختلاس: من ذلك أن الشاعر حمد بن خليفة بوشهاب كان يعمل في مدينة الدمام وعنده ديوان مخطوط بخط الكاتب سعيد بو زُبَر، فاستعاره منه بعد إلحاحٍ أحدُ سائقي الشاحنات المترددين بين الدمام والرياض، فكان ذلك آخِرَ عهده بالديوان وبالسائق أيضاً!
ج- أن تؤول المدونة إلى ورثة لا يعرفون قيمتَها، ومن تجاربي الشخصية أنني عثرتُ مرةً على ديوان مخطوط في بيت مهجور، وذلك في أوائل عقد الثمانينات، فاحتفظت به في مكتبتي الخاصة، ثم آثرت إيداعَه في قسم المخطوطات بمتحف عجمان.
مستشار التراث والتاريخ المحلي في دائرة التنمية السياحية بعجمان
