من الملاحظ أن اللون الأدبي الوحيد الذي حظي باهتمام المدونين عبر القرون الثلاثة المتأخرة هو الشعر النبطي بالدرجة الأولى، ويليه الشعر العربي الفصيح، فلقد كان الشعراء الحضر يمثلون فئة مهمة من المتعلمين الذين يحسنون القراءة والكتابة، مع تفاوت بينهم في إتقان الكتابة. وكان نصيب الشعر الحضري من التدوين أكبر من نصيب الشعر البدوي الذي ظل يتناقل شفاهياً حتى بعيد قيام الاتحاد.

ومن الملاحظ أن قصائد أقدمِ شعراء الإمارات، ابن ظاهر، قد وصل إلينا منها نحو 14 قصيدة، قام الشاعر الأديب حمد بوشهاب والمستشار إبراهيم بوملحه بجمعها وشرحها، ثم اعتنى الشاعر البحاثة سلطان بن بخيت العميمي مدير أكاديمية الشعر بدراستها دراسة وافية جمعت بين المتعة والفائدة واكتشف قصائد أخرى له كانت مجهولةً، وكان الشيوخ وأعيان الإمارات وعموم الأدباء ينظرون إلى ابن ظاهر باعتباره حكيمَ الإمارات نظراً لما تضمنته قصائدُه من حكمةٍ بالغة وتوجيهاتٍ حياتيةٍ قيمة سارت مسيرَ الركبان، ولذا اتجهت العنايةُ إلى طبع ديوانه مبكراً منذ عام 1963، في حين ظهرت قصائدُ الشعراء التالين له زمنياً مطبوعةً في عقد السبعينيات وما بعدها، سواء على شكل دواوين مفردة لكل شاعر على حدة، أو على هيئة مجاميع شعرية تضم مختارات من عيون القصيد، اجتهد جامعوها في انتقائها من بين كمٍّ هائل من النصوص، بناءً على معاييرَ نقديةٍ معينة، لتكون مرجعاً لمُحبّي الشعر النبطي، حيث يصعُب على غير الناقد البصير تصنيفُ النصوص حسب مستوياتها البلاغية، وتمييزُ جيّدِها من رديئِها، ومن أهم ما ظهر مطبوعاً من تلك المجاميع: ديوان (باقة من الشعر النبطي) الذي جمعه الشاعر أحمد بن خليفة الهاملي، و«تراثنا من الشعر الشعبي»، جزءان، للشاعر حمد بن خليفة بوشهاب، وفي القرن الحالي ظهر ديوان «أعذب الألفاظ من ذاكرة الحفاظ» 3 أجزاء، وديوان «أشعار قديمة وأبيات يتيمة» جزءان، كلاهما من جمع وإعداد الشاعر حماد الخاطري.

غير أن الجيل الجديد يجد نفسه بمنأى عن تذوق تلك النصوص العتيقة المتكاثرة، فضلاً عن حفظها، والسبب هو ما ذكرناه، في عمود سابق، من توالي التغيرات اللغوية المُطّردة التي طرأت على المجتمع الإماراتي خلال العقود الخمسة المنصرمة، والتي انعكست تأثيراتها على الذوق الفني والثقافة اللغوية، إضافة إلى مزاحمة الإنتاج الأدبي العربي والعالمي للشعر النبطي المحلي.