في زقاق ضيق مرصوف بالحجارة تفيض الأقمشة والتحف القديمة والبهارات، ويجلس الباعة يبادلون المارة الابتسامات والترحيب، يفتح سوق العرصة محاله في قلب الشارقة، ليشكّل نافذة على البحر، وخيرات العائدين من التجارة، والمحملين بأشكال البضائع والمقتنيات الثمينة.
هناك وعلى مقربة من المباني التراثية المحاذية لمرسى السفن بالقرب من سوق البحر، ما زال سوق العرصة يعمل وتدب فيه الحياة، فلا يخلو من الباعة والمشترين طوال اليوم، وكأنه شاهد على تاريخ المدينة، وسيرة تجارتها الطويلة، إذ يعد «العرصة» واحداً من أقدم الأسواق في الإمارات، حيث شيد قبل قرابة مئتي عام، وظل صامداً بمتاجره وزقاقه، بعد أن أعيد ترميمه، ليصبح واحداً من المراكز السياحية والتجارية في قلب الشارقة.
محمولات تاريخية
لا يشكّل السوق، الذي يضم أكثر من سبعين متجراً لبيع الأقمشة والتحف والبهارات، سوقاً تراثياً للسياح والقادمين لشراء المقتنيات الشرقية القديمة بكل أشكالها، وإنما يعد سيرة حيّة لتاريخ الشارقة، والإمارات بصورة عامة، ففيه تجتمع الفنون الشعبية المحلية كلها، فيجد الزائر الكثير من المشغولات اليدوية المحلية، والتحف الخشبية، والصناديق العربية المطعمة باللؤلؤ، وأباريق القهوة النحاسية، والمصوغات اليدوية والمجوهرات التراثية، والعطور، والبخور، والملابس المصنوعة يدوياً، والسلال المصنوعة من سعف النخيل، والأعشاب الطبية، والسجاد، وغيرها من الشواهد على سيرة المكان وأهله.
لذلك ليس غريباً أن يقف زائر السوق على صورة يعود تاريخها إلى مئة عام ماضية، تظهر فيها شخصيات الصيادين المحملين بأشكال من الصيد الوفير، وليس غريباً أن يعثر الباحث على قطعة معدنية تعود لإحدى الدول المجاورة، وتظهر على أحد وجهيها صورة زعيم مضى على رحيله أكثر من مئة عام.
يفتح السوق بابه على ذاكرة المنطقة بصورة عامة، فيجمع ملامح من كل البلدان التي كان للشارقة تاريخ تجاري معها، فلا يصبح السوق صورة حية على الموروث الشعبي المحلي وحسب، وإنما منفذاً لقراءة صورة الشرق الغنائية بكل محمولاتها الجمالية. إلى جانب ذلك، يمكن لقارئ تحولات المكان في سياق اجتماعي تاريخي العثور على الكثير من صور الحياة الشعبية للإمارات داخل السوق.
ليس ذلك وحسب، فالمحال تتقابل بصورة قريبة، بحيث يصبح الباعة يتشاركون في البيع، ويأتمنون بعضهم على بضاعة الآخر، فكثيراً ما يترك الباعة متاجرهم، ويذهبون لقضاء شؤون حياتهم، تاركين المتاجر مفتوحة على مصراعيها، وكأنهم بذلك يؤكدون أخلاق أهل المدينة وساكنيها في الأمانة، ويجدون في السوق بيتاً دافئاً لهم.
إلى جانب ذلك، تظهر أبواب المتاجر وأشكال صناعتها علامةً واضحة على تاريخ الأبواب في الإمارات.
قطع نادرة
إضافة إلى كل ذلك، التاريخ الذي يمكن تلمّسه باليد وقراءته بكل حلية وقطعة قماش وصورة يقدمها السوق، ويطل في ركن إحدى الزقاق «مقهى العرصة» الذي ما زال حتى اليوم يجمع كبار السن الشاهدين على سيرة المكان وتحولاته، إذ يجتمعون لاحتساء المشروبات التقليدية الشعبية، ومشاهدة التلفاز، والسهر مع أقرانهم من الشيّاب.
على لسان كبار السن تروى حكايات المحال والمتاجر، وتصبح لكل قطعة في السوق حكايتها، فهم العارفون بأجود أنواع الحجارة الكريمة، وأفضل أنواع الأقمشة، ويميزون بين القطع الأثرية الأصلية منها والمزورة، فخبرات حياتهم ومسيرات تجارتهم تجعلهم يختبرون جودة الفيروز من ملمسه ولونه، ويميزون بين أنواع الحرير، ويقيسون دقة صنعه بالعين واليد.
كثيرة هي الحكايات التي يرويها السوق، فهو إلى جانب ذلك يشتمل على متجر لبيع الكتب القديمة، المكتوبة بخط اليد، والمحفوظة بجلود الحيوانات، والكتان المتين، فليس على الزائر سوى السقوط في الدهشة، وهو يقلب نسخة فريدة من كتاب يعود تاريخه إلى مئات السنين الماضية، ويلمس الورق الذي تفشى فيه الحبر.
اسم
تظل حكاية اسم العرصة حاضرة في كل مرة يرد فيها الحديث عن السوق، فهي ترتبط باللهجة الإماراتية، والمكان الذي أنشئ فيها السوق، إذ ظل الإماراتيون يطلقون اسم العرصة على الساحة الخالية بين البيوت والمساكن، وهم بذلك يستخدمون واحدة من المفردات الفصيحة التي قل استخدامها في العربية المعاصرة، فالعرصة في اللغة هي: البقعة الواسعة بين البيوت التي لا بناء فيها، ويشير ذلك إلى تاريخ الموقع الذي أقيم عليه السوق، حيث كان ساحة خالية بين بيوت المنطقة التراثية، وظل إلى فترة قريبة نقطة التقاء رحلات تجار البدو، وجمالهم المحملة بالبضائع.
