يطرح الدكتور علي الفارس مدير عام مركز الدراسات والوثائق في رأس الخيمة، جملة من القضايا العالقة في المشهد الثقافي الإماراتي، والمتعلقة بإشكاليات الفجوة بين جيلين، إذ يرى أن الجيل الجديد مفصول عن تاريخه كما أن مستويات القراءة لدى الشباب متدنية، وأثر ذلك على مختلف أشكال العناية بالتراث الإماراتي والهوية الوطنية، تاركاً عدداً من التساؤلات المفتوحة على المشروع الثقافي المحلي وضرورة النهوض به.

ويقدم في حواره لـ«تغرودة» مسارات فاعلة للنهوض بمستوى المعرفة لدى الأجيال الجديدة، وأهم المشاريع التي من شأنها أن تردم الهوة بين الشباب والرواد من حيث الارتباط بتاريخ المنطقة السياسي، والجغرافي، والثقافي، والفني.

دور واضح

ولا ينطلق في أطروحاته من منصبه كمدير لواحدة من المؤسسات الثقافية الفاعلة على المستوى الخليجي والعربي، وإنما يكرس تجربته في المسرح، والكتابة الإبداعية، والتمثيل، والعمل الإداري، إضافة إلى دراسته الأكاديمية للوصول إلى تلك النتائج، فهو واحد من المثقفين الذي كان لهم دور واضح في حركة المسرح برأس الخيمة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي..

إضافة إلى مجمل نتاجه البحثي والأدبي، حيث صدر له: (خواطر من الزمن الجميل)، و(كانت لهم أيا)، و(العلاقات العمانية الفارسية في عهد دولة آل بوسعيد)، و(شركة الهند الشرقية البريطانية ودورها في تاريخ الخليج العربي)، وغيرها من المؤلفات.

يتوقف الفارس عند أهداف مركز الدراسات والوثائق والأثر الذي أحدثه منذ تأسيسه في العام 1986 حتى اليوم، إذ يقول: «إن المركز تأسس على جملة من الأهداف التي من شأنها أن تكشف دوره وتحدد نشاطه، حيث وضع تاريخ منطقة الخليج العربي بصورة عامة، والإمارات بشكل خاص كموضوع مفتوح للتوثيق والبحث».

توثيق وبحث

ويضيف: «إن المركز عضو مؤسس في مركز الدراسات والوثائق لدول مجلس التعاون الخليجي القائم في مقره بالرياض في السعودية، ويرتبط مع مراكز الوثائق في العالم، خاصة البريطانية منها، والعثمانية، والفارسية، ويقدم دليلاً مرقماً للباحثين، يزودهم بملخصات عن مجمل الوثائق المتعلقة بالمنطقة».

ويبين أن المركز دخل مرحلة جديدة من عمله عندما انضم إلى دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة عام 2013، إذ صار الارتباط وثيقاً بالتاريخ المحلي القريب، والتراث المادي والشفهي الشعبي، معتبراً أن ذلك يخدم الحراك القائم على صعيد العناية بالتراث الإماراتي بكل أشكاله الفاعلة.

ويرى أن المتابع لحركة الاهتمام بالتراث على الرغم من كم المؤسسات التي تتبنى هذا الجانب، يجد أنها لا زالت نشيطة بصورة حقيقية في المجهود الفردي الذي يقوده أفراد باحثون، وهواة، ومقتنون من أبناء الإمارات، فالقارئ لمتغيرات حركة العناية بالتراث في رأس الخيمة، يجد كماً كبيراً من الأبحاث، ويجد الكثير من المتاحف الخاصة التي أسسها أفراد في بيوتهم.

إشكاليات

يثير الفارس في حديثه عن العناية والتراث أهم الإشكاليات التي لم يتوقف الحديث عنها في الثقافة الشعبية الإماراتية، حيث يقول: «لا يمكن لقارئ مسار النهوض بالثقافة الوطنية المحلية إلا الالتفات إلى جملة من الإشكاليات الطافية على السطح، والمتمثلة في الفجوة بين الأجيال الرائدة والشباب على مختلف الأصعدة..

وتوزع جهود حفظ التراث بأكثر من مستوى بصورة ليست تكاملية، والوقوع في إشكاليات النقل والتوثيق التي تشوه أكثر مما تخدم التراثي المحلي».

ويرى أن إشكالية الفجوة بين الأجيال تتعلق في المقام الأول في غياب مفهوم القراءة عن قاموس الأجيال الجديدة، والاكتفاء بالتصفح السريع غير العميق الذي فرضته ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي.

والشبكة العنكبوتية بصورة عامة، وبالتالي بات الجيل الجديد مفصول معرفياً عن تاريخه وهويته، ولم يعد التراث مادة يمكنه تقبلها أو العناية بها، حتى على صعيد اللهجة المحكية فهم يكادون يتجاوزن اللهجة إلى لغة جديدة تجمعهم، وفيها من الإنجليزية ما يجعلها لغة هجينة.

آليات الخطاب

يتوقف الفارس عند هذه الإشكالية بقوله: «إن الحلول المقدمة في هذه الجانب بدأت تظهر مؤخراً عبر مبادرات القراءة، فهي مشروع ينبغي تكثيف العمل عليه، إلا أن الإشكالية الأساسية فيها هي آليات الخطاب مع الأجيال الجديدة، فلم يعد يجدي تنظيم زيارات متحفية، أو محاضرات، أو ندوات، وإنما يجب الالتفات إلى الإعلام الحديث، وتقديم التراث من خلاله».

ويلتفت إلى دور الجامعات والمعاهد الأكاديمية في صناعة المعرفة على مختلف الأصعدة، وعلى صعيد التراث بصورة خاصة، إذ يؤكد أن الجامعات تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا الجانب.

ويعلق الفارس على أزمة النقل والتحريف وعدم المصداقية في المواد التراثية، بقوله: ربما لا يمكن الحديث عن فكرة المصداقية والنقل العشوائي في التراث الإماراتي من دون الحديث عنها بوصفها أزمة تهدد مجمل المعارف الإنسانية، إلا أن الخطورة في التراث الإماراتي، هو أن تلك المعارف الإنسانية لها متخصصون كثر.

ومصادر كثيرة يمكن توثيقها، فيما التراث الإماراتي يتجاوز فكرة أنه شفاهي إلى أن له أكثر من رواية، وأن مدونيه في الغالب ليسوا متخصصين.

نهوض

يؤكد الدكتور علي الفارس مدير عام مركز الدراسات والوثائق في رأس الخيمة أن القائمين على مشاريع النهوض بالتراث الإماراتي يواجهون معضلة ليست سهلة، عليهم الخروج منها بمنفذ المتخصص، والباحث المزود بأدوات البحث التي تؤصل للمعلومة، وتنسبها إلى جذورها، عدا ذلك سيدخل التراث الشفهي والمكتوب في حالة فوضى خطيرة.