تستند القصيدة الشعبية الإماراتية في الكثير من تجاربها البارزة إلى نصوص الحكمة والأمثال العربية التي تشكل ذاكرة الثقافة العربية التاريخية، إذ يجد الباحث في مدونة الشعر الشعبي المحلي محمولاً كبيراً لمختلف أشكال الحكمة، والمثل، وكأن القصيدة الإماراتية ظلت متمسكة في تقاليد كتابة الشعر القائمة في الحضارة العربية التي تعد الحكمة واحدا من أغراضها الأصيلة.
تكشف هذه السمة الواضحة في الشعر الشعبي المحلي عن الكثير من العلامات في التراث الشفهي، والحياة التاريخية للمجتمع الإماراتي، إذ تعد القصيدة الشعبية تعبيراً عن صوت المجتمع اليومي، والذهنية التي يفكر بها، حيث يكشف الاستناد إلى الحكمة والمثل في بناء القصيدة عن حرص الشاعر، والمثقف على تعميم التجربة الإنسانية والقيم.
تجارب حية
يشير ذلك إلى واحدة من العلاقات التاريخية بين المجتمعات وما تقدمه من شعر في تاريخها الحضاري، إذ تظهر عناية الشعر الشعبي المحلي بالحكمة جانباً كبيراً من شخصية الفرد الإماراتي القائمة سابقاً على الحياة الصحراوية، والمتمثلة لخصال الفارس العربي الأصيل.
لذلك ليس غريباً أن تكون الحكمة والأمثال حاضرة في القصيدة الشعبية الإماراتية في مختلف المحافل والمناسبات وفي مختلف الموضوعات حتى الغزلية والفكاهية منها، إذ هي التعابير المكثفة والمختزلة لتجارب الكثير من البشر الذين عاشوها حتى صار نقلها واجباً، وعُرفت الكثير من الأسماء الشعرية الإماراتية بحكمتها وعنايتها بالأمثال والحكم في قصيدتها، فظهر اصطلاحاً ما يعرف بـ«شاعر حِكمة».
نماذج متباينة
يمكن قراءة حضور الحكمة في القصيدة الشعبية الإماراتية عند الرجوع إلى نماذج متباينة من الشعر، تتفاوت في المراحل، والتجارب، والموضوعات، إذ تحضر الحكمة والأمثال في تجاربهم بوصفها لازمة وضرورة لاكتمال القصيدة، فنجد الشاعرة عائشة بنت خليفة السويدي المعروفة بـ«فتاة العرب»، تقول في قصيدة لها:
لا تكترب لأمر فالأيام مسنونه
ينبي بها الحق في تدويل الاحوالي
مرات تسجيك مر الصبر وردونه
بها تغطي شجونك زادك أوبالي
وتوظف «فتاة العرب» في قصيدتها هذه الخلاصات التي وصل إليها الحكماء والمتصوفة في شأن الزمان والعمر ومشوار الحياة، فتقول لا تجهد نفسك في تحمل هم الأيام فهي مسنونة ومقدرة من الله عز وجل، وليس تقلبها إلا حال الدنيا، فهي مرات تمر بما هو عسير ومرات بما هو يسير، وفي قصيدة ثانية نجدها تقول الخلاصة التي وصلت إليها مختلف أشكال الفكر الإنساني تجاه الصبر في الحياة، فتقول:
الصبر محمود في كل الأمر
والعواجب فيه عقب الضيق خير
فصول النصح
الأمر ذاته يمكن قراءته في تجربة الشاعر الماجدي بن ظاهر، إذ ينكشف الأثر القرآني في نصوصه بصورة واضحة، وتبدو بعض أبيات قصائده أشبه ما تكون بفصول من الحكمة، والنصح، والمُثل التي يقدمها، فتشكل نصوصاً من الحكمة الكاملة، فيقول في قصيدة له:
وإن يسر الله في يديك فلا تكن
بخيلٍ ذِميمٍ للعطا مناعِ
مِد الأرامل واليتاما والذي
ابن السبيل إن العطا نفاع
تجارب ذاتية
ويظهر النهي عن البخل وواجب رعاية الأيتام والأرامل مباشراً في الأبيات، ولا تحمل من التصاوير والتشابيه ما يخرجها من إطار الحكمة والمثل المجرد، إذ تكشف تلك الأبيات المحمود والمذموم في المجتمع، وتبين أثر الأخلاق الإسلامية، والنص القرآني على تجارب الشعراء.
فمقابل الشكل المباشر في النصح عند ابن ظاهر، يجد الباحث أسلوبًا مغايراً عند الشاعر سعيد بن عتيق الهاملي، ينكشف فيه الأثر الذاتي، والتجربة، والشخصية المستقلة للشاعر، فيكتب في واحدة من قصائده:
نفسي لو ما حقرها
كان ادعتني نعت
عن القبيح أزجرها
وأنهاها لو عصت
نماذج وصور
ويمثل ذلك تنوعاً على صعيد الأسلوب في الاشتغال على الحكمة لدى الشعراء الشعبيين الإماراتيين، ويجد القارئ لتجربة الشاعر محمد بن علي الكوس حضوراً للحكمة والمثل في فضاء النص الشعري الغزلي، إذ يكتب:
ويا مدنفٍ في العشق مترى الهجر طال
اصبر على جور الدهر والتغربيل
عسى يأتي الله بالفرج خير وتنال
وترجع لك أيام السعاده مدابيل
ويمكن القول إن الشاعر الشعبي الإماراتي لم يكن شاعراً يجيد الوزن، والنظم، ورسم الصور، وغيرها وحسب، وإنما كان مقابل ذلك يحمل شروط الحكيم العارف بأمور دينه ودنياه، والحريص على تحويل شعره إلى حكم، وأمثال جارية بين الناس.
تنوع
تتنوع أساليب بناء الحكمة في الشعر الشعبي الإماراتي، فمن الشكل المباشر المستند إلى أصل ونص معروف، إلى حديث عن تجارب ذاتية، وصولاً إلى التشبيه الجمالي، إذ شكلت الحكمة عنصراً محورياً في الشعر الإماراتي الشعبي، فتنوعت أشكال حضوره وتقنيات تقديمه.
