لا يتوقف جهد الباحثين والدارسين للتراث الإماراتي عن البحث و الغوص في تفاصيل التراث الشعبي سواء الشفهي منه أو المادي، فلا تتوقف المراكز التي تعنى بالتراث عن إصدار المؤلفات الحديثة التي تتناول تاريخ القصيدة الشعبية الإماراتية، وتوثق لواحدة من التجارب الشعرية القديمة في تاريخ الإمارات، إضافة إلى الكتب التي تتناول الحياة الاجتماعية، بما تضمه من ألعاب، وألغاز، وحِرف، ومرويات وغيرها.
ويتشكل الجهد في هذا الجانب في مسارين الأول عبر المؤلفات التي يطبعها الكتاب والباحثون بصورة شخصية، والثاني عبر المؤلفات التي تصدر بشكل دوري عن المؤسسات الرسمية والأهلية، فلا تخلو الساحة الثقافية الإماراتية وفق عدد من الناشرين من المؤلفات التي يمكن الركون إليها في قراءة التاريخ الشعبي الإماراتي بكل تفاصيله.
إلا أن ذلك التزايد والكم في عدد المؤلفات الصادرة في التراث الإماراتي يثير عددا من التساؤلات حول مستويات الإقبال على قراءة كتب التراث، وجودة المنتج المعرفي المقدم فيها، إضافة إلى أثر هذه المؤلفات على الأجيال الجديدة في الدولة.
«تغرودة» استطلعت آراء عدد من الناشرين الإماراتيين ومسؤولي النشر في المراكز التراثية المحلية حول تلك القضايا، فقال مسؤول مكتبة مركز زايد التراثي بدر الأميري: «إن حضور الكتاب التراثي في سوق الكتاب الإماراتي يظهر أكثر بالنسبة للمراكز التراثية و المؤسسات عند المشاركة في معارض الكتب المحلية، حيث نجد الإقبال كبيراً على إصدارات المركز المتعلقة في التراث الإماراتي، ويظهر هذا بصورة لافتة عند الأجيال الشابة والجديدة، وكأنهم متعطشون لمعرفة التاريخ الثقافي والتراثي».
ويشير إلى أن ذلك ينافي الصورة المأخوذة عن عزوف الشباب عن الكتاب التراثي، و الإنكباب على الروايات، والكتب الانجليزية وغيرها من المؤلفات، فهذا الأمر ربما يكون واقعياً إلا أن التجارب التي نتابعها من خلال مشاركتنا في معارض الكتب المحلية تكشف العكس«.
ويرى الأميري انه»فيما يتعلق بجودة الكتب الصادرة في التراث الإماراتي فإن المركز يحرص على انتقال المؤلفات الصادرة عنه ومراجعتها على يد متخصصين قبل إصدارها في مؤلفات وتصبح متاحة للقراءة، فتحديداً الكتاب التراثي يحتاج إلى جهد بالغ في المراجعة والتدقيق لأن الإخلال في المادة المنشورة يشوه التراث الإماراتي الذي هو واحد من صور الهوية الوطني للإماراتيين«.
طلب يفوق المعروض
ويوضح المنسق العام لفعاليات الأرشيف الوطني حمد الزعابي أن المتابع لحركة الاهتمام بالتراث الإماراتي لا يجد نقصاً في المؤلفات المعنية بهذا الجانب وإنما يجد أن الطلب عليها يفوق حجم الكتب المعروضة، فالحاجة الحقيقة تكمن في الباحثين والدارسين للتراث الإماراتي، إذ يشهد الحراك الثقافي الإماراتي إقبالا على الكتاب التراثي مقابل تراجع في عدد المعنيين فيه من الباحثين الجدد، فالأسماء المطروحة في هذا الجانب لا تشكل أجيالاً جديدة وتكتفي الساحة بالأسماء الفاعلة التي اختارت التراث كميدان لبحثها منذ تسعينيات وثمانينات القرن الماضي وما زالت عاكفة على جهدها حتى اليوم.
ويكشف أن أهمية الكتاب التراثي تتعدى أشكال الاهتمام الأخرى في التراث الإماراتي، إذ هو الوثيقة الخالدة على السيرة الشعبية التاريخية للإماراتيين، على عكس الكثير من الفعاليات المهمة والقائمة بصورة مهرجانات أو ندوات، أو كرنفالات أو غيرها من أشكال الاحتفاء والعناية بالتراث الشعبي.
ويضيف إن أهمية الكتاب هذه تجعل الجهد منصباً على جودة المادة التراثية ودرجة مصداقيتها، فالكثيرمن المؤلفات في هذا الجانب تعاني من أخطاء في الجمع والتوثيق، وأخرى تعاني من غياب المصادر، أو ضعفها، أو غيرها من المشاكل.
ويقول الرئيس السابق لجمعية الناشرين الإماراتيين الناشر الإماراتي جمال الشحي إن العناية بكتاب التراث الإماراتي ظهرت بصورة واضحة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وذلك مع تزايد حركة النشر الإماراتية وهذا ما يعد استجابة لحركة سوق الكتاب الإماراتي، خاصة أن الإمارات شهدت نهوضاً وفورة ثقافية واضحة خلال السنوات العشر الماضية على صعيد النشر ومستويات القراءة، فلم تشهد الساحة من قبل صدور كتاب إماراتي بعشرات الطبعات خلال فترة لا تتجاوز ثلاث سنوات.
الأجيال الجديدة تقرأ
ويبين أن الحديث عن الأجيال الجديدة ومستويات قراءتها خرج من دائرة الإحصائيات والوثائق والأرقام ليصبح جملة لا يتوقف الكثير عن تكرارها، إلا أن المتابع يجد أن الأجيال الجديدة تقرأ، وتقبل على الكتاب بمختلف حقوله، سواء الأدبي، أو التاريخي، أو الفكري، أو الشعري أو غيرها من الحقول.
وأعتبر أن الكتاب التراثي ربما يكون أقل حظاً في الظهور عند المقارنة بينه وبين سائر الحقول المعرفية، لأن إصداره يكون غالباً عن المؤسسات الرسمية والأهلية التي تعاني بالمجمل من أزمة التوزيع، فلا تظهر مؤلفاتها ونشاطاتها إلا في التظاهرات التراثية الكبيرة ومعارض الكتب.
ويتفق الشاعر خالد الظنحاني مع الشحي حول أزمة توزيع الكتاب التراثي بصورة عامة فيقول:»إن العناية في الكتب التراثية في الإمارات تتشكل ضمن الرؤية المتكاملة التي انطلقت فيها الإمارات للنهوض بمستوى الوعي بتاريخ المنطقة والحفاظ على تراثها الشعبي بالسبل كافة، فالمتابع يجد سنوياً عشرات المؤلفات التي تتناول التاريخ الشعبي للإمارات على أكثر من مستوى، ولا يمكن النظر إلى مستويات إقبال القراء على هذا النوع من الكتب إلا في الفعاليات الكبرى، وهذا يشير إلى واحدة من الإشكاليات التي تواجه الكتاب الإماراتي بصورة عامة والمتمثلة في جودة عملية التوزيع في الدولة.
رموز محلية
ويلفت الظنحاني إلى أن مشكلة التوزيع لا ترتبط في كتب التراث وحسب وإنما تمتد إلى مختلف الكتب بشتى الحقول، إلا أن ذلك لا يقف عائقاً أمام القارئ والباحث الإماراتي المهتم في التراث الشعبي، فالكثير من المؤلفات تلقى رواجاً كبيراً خاصة تلك التي تتناول رموز الحياة التاريخية المحلية.
ويوضح أن الكثير من المتابعين للشأن التراثي في الإماراتي يجدون أن مستويات القراءة في تراجع، وأن الكتب التراثية لا تلقى نصيبها من النشر عند الأجيال الجديدة، إلا أن الإقبال الحقيقي يتشكل في شريحة الأجيال الجديدة، فهذا ما لاحظته خلال متابعتي للإقبال على الكتاب التراثي الصادر عن عدد من المؤسسات التراثية الفاعلة في الدولة.
بحث وتأصيل
يعتبر الباحث أحمد محمد عبيد أن الأهم من مستويات قراءة الكتاب التراثي هو إصدار الكتاب التراثي الرصين المحكم، الذي يلتزم بمعايير البحث والتأصيل، بحيث تتشكل لدى القارئ المستقبلي والأجيال الجديدة خزانة معرفية وافية في التراث الشعبي الإماراتي، فالعمل على رفع مستويات القراءة لا يتعلق في الكتاب التراثي أو حتى في القارئ الإماراتي وحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى العالم العربي بأكمله.
ويشير إلى أن الكتب التراثية تحمل خصوصية واضحة، فهي ليست من المواد التي تدرس في الجامعات، وليست من الحقول البحثية النشطة، وإنما يقبل عليها الباحث، والمهتم والمعني، وربما يكون الشعر فيها هو الأكثر رواجاً لما تظهر من عناية به عند الشعراء، وفي المسابقات الشعرية، والجوائز، والبرامج التلفزيونية، وغيرها من القضايا.


