تتشكل القصيدة الشعبية الإماراتية، رغم خصوصيتها القائمة في اللهجة والوزن والمزاج الشعري، ضمن فضاء القصيدة العربية التي تعود امتداداتها إلى أكثر من ألف وخمسمئة عام، فلا تبتعد مرجعيات القصيدة الشعبية عن مخيال الشعر العربي بكل محموله الثقافي والجمالي.

يظهر هذا في العديد من المفردات التي قدمها الشعر الشعبي الإماراتي طوال تاريخه، واستناده في ذلك إلى صورة تلك المفردات في الثقافة العربية، وقدرة القصيدة على توظيف الدلالات الدينية، والاجتماعية، والتاريخية، إذ يجد القارئ لمدونة الشعر الشعبي المحلي أنه أمام سلسلة من المفردات الراسخة في الثقافة العربية، والتي تعود جذور تشكلها جمالياً إلى قصائد الجاهلية وتمتد وصولاً إلى اليوم.

ينكشف هذا عند البحث عميقاً في عدد من المفردات اللافتة في القصيدة الإماراتية، فلا يمكن لقارئ نماذج من الشعر الشعبي إلا التنبه إلى توظيف مفردة الروح في النص الشعري، وقدرتها على التحول والتبدل في الدلالة وفق تجربة كل شاعر ووفق السياق الذي تحضر فيه، إذ لا يخرج الشعراء عن الدلالات العديدة التي قدمتها القصيدة العربية طوال تاريخها، وإنما يعيد إنتاجها في قوالب شعرية شعبية تتكامل فيها الصورة مع المعنى.

يمكن تلمس هذا الاشتغال على مفهوم الروح في الشعر الشعبي المحلي، عبر سلسلة من النماذج اللافتة في تاريخ القصيدة الإماراتية، إذ تظهر الروح مرة بوصفها الإنسان نفسه، ومرة تحضر بوصفها أغلى ما نملك، وفي سياق آخر تحضر بوصفها دلالة على القرب والمحبة، وكأن الشاعر يتخلص من المادي إلى الروحاني في توظيفه للروح.

نصوص تراثية

ليس ذلك وحسب فمجمل الشعراء الشعبيين يلجأون إلى الروح غالباً في المدح أو الغزل، إذ تشكل المفردة في مخيالهم شيئاً عصياً على التفسير، ظل يقدم في الثقافة العربية عبر النصوص التراثية الكثيرة بوصفه حالة جمالية عالية خارجة عن الواقع ومتسامية في عالم آخر أكثر حياة، وأكثر اكتمالاً.

في ضوء ذلك يمكن الوقوف عند تحولات صورة الروح في تجارب عدد من الشعراء الإماراتيين، إذ يقول المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، في قصيدة بعنوان: «يا خفيف الروح»:

«يا خفيف الــروح كيف انتوا

                      يا شفا قلبي مــــــــن اعواقه

ارحمـوني لـو تكــرمتـوا

                    بالوصل وانـــــا من اشفاقه»

فيكتب المغفور له الروح بالاستناد إلى مفهومها الاجتماعي الثقافي الذي يحكم الذهنية العربية، فتتعامل الثقافة العربية مع روح الشخص قبل شكله وجسمه، معلية بذلك من شأن الروحي ومتسامية عما هو مادي، وهذا يتشكل عبر تاريخ طويل ساهمت في تشكيله الثقافة الإسلامية العربية.

سياقات غزلية

ويصبح اقتران الروح بالخفة دلالة على حسن الشخص، وقبوله، فتأتي صورة الروح في سياق غزلي يمكن من خلاله قراءة الكثير من عوالم الثقافة العربية، إذ تتعالى ذهنية الشاعر النبيل عن توصيف محاسن الجسد، ورسم جمالياته في كثير من الأحيان ليصبح الغزل في الروح، ويصبح حضور المحبوب روحياً أكثر قرباً.

مقابل هذه الصورة الجمالية تحضر مفردة الروح في سياق آخر أقرب ما يكون إلى التعذيب والفداء والتضحية، فيقول الشاعر المخضرم علي بن رحمه الشامسي في قصيدة له يصف فيها حب العاشق لمحبوبته:

واحـبك حتى أكثر من حياتي

                     وأسوم الروح لجلك وأشتريها

ويـوم أذكرك وانا في صلاتي

                     يـداخلني الـفكر واشـك فيها

مفردة شاعرية

يشكل حضور الروح في هذا السياق رغم أن القصيدة في إطار الغزل، صورة من القسوة والتضحية والعذاب، فاقتران الروح بفعل السوم، يعني خضوعها للعذاب، وهذا ما يفتح باباً على العلاقة التي نسجها الشعراء تاريخياً بين التضحية والعذاب من أجل المحبوبة من جانب وبين الروح كمفردة شاعرية من جانب آخر، فكثر هم الشعراء الذي يصف عذاب روحه في غياب المحبوبة، أو يطلب تعذيب روحه مقابل رؤية عاشقته.

ويتكرس ذلك في صورة الحب عند الشاعر العربي باعتباره حالة جمالية تلتقي فيها الأرواح ولا يوجد لها تفسير مادي، فقبل مئات السنين قال المتنبي:

إن غـــــاب عنى فالروح مسكنــــه

                             من يسكن الروح كيف القلب ينساه

وقال أحمد شوقي بعده بألف عام:

رُدَّت الروحُ على المُضْنَى معكْ

                           أحسن الأيام يوم أرجعك

الفداء والتضحية

إلى جانب ذلك كله يصور الشعر الشعبي الإماراتي الروح بأنها أغلى ما يملك، ليعبر عن أقصى ما يمكن منحه، فلا تكاد تخلو تجربة شعرية عربية من صورة الفداء بالروح دفاعاً عن الوطن، أو فداء للمحبوب، أو مدحاً لذي شأن، أو غيرها من الصور، فيجد القارئ في القصيدة الشعبية الإماراتية امتثالاً لهذا الشكل الشعري، إذ يقول الشاعر ماجد بن علي النعيمي في مدح المغفور له الشيخ زايد، رحمه الله:

الأول مـعي زايد غلاكم

                  أفـدي بروحي وأشتريكم

أحرب وأشني من شناكم

                ما أرتضي بالشين فيكم

ولا يتشكل هذا من منطلق ليس له أساس، وإنما يتشكل في إطار الثقافة العربية التي عرفت التضحية طويلاً في تاريخها العربي والإسلامي، فكان الجنود يفدون أرواحهم مقابل قائدهم، أو عزة بلدانهم ونصرة جيشهم، حتى أن الثقافات القديمة عرفت الافتداء بالإنسان بوصفه شريعة تعبدية. ويؤكد ذلك واحدة من الملامح الراسخة في تجربة الشعر الشعبي الإماراتي، والمتمثلة بأنه لا يعد ابن الثقافة الإماراتية وحسب، وإنما يرتبط في جذوره في فضاء الثقافة العربية والإسلامية وكل المحمول التاريخي الذي يشكل هويتنا.

سياق شعري

تمثل صورة بذل الروح أقصى درجات الفداء والمحبة في التعبير الشعري، فالشاعر ينطلق من رؤية يمكن وصفها بأن أعز وأغلى من يملك الإنسان هو الروح، فالروح في هذا السياق الشعري هي مقابل الحياة والعمر بكامل تفاصيله، وهي نقيض الموت، فأن يدفع الشاعر بنفسه نحو الموت مقابل فكرة، أو شخص، يكون بذلك يرسم أسمى درجات التضحية وأكثرها شاعرية وعزة.