يفتح الباحث التراثي عبيد بن صندل في حواره لـ«تغرودة» باباً من التساؤلات حول واقع العناية بالتراث الإماراتي، والجهود المبذولة للنهوض به على مختلف الأصعدة، المادية وغير المادية، إذ يرى أن العناية بالتراث لا زالت تحتاج إلى جهود أكبر، رغم كم المؤسسات والمراكز والباحثين الفرديين القائمين على ذلك، مشيراً إلى أنه مهما تراكمت البحوث والمؤلفات في هذا الجانب تظل جوانب من التراث غائبة وتحتاج إلى توثيق ورصد ودراسة.

مراجع الموروث

ويبين أن الكثير من الباحثين العاملين في حقل التراث بدأوا بجهود فردية، وأنتجوا العديد من المؤلفات التي تعد مراجع في بحث الموروث الشعبي الإماراتي، فمنذ وقت مبكر انتبه الباحث والمثقف الإماراتي إلى أن المجتمع دخل في مشروع حضاري معاصر سرعان ما سيحول الكثير من مناحي الحياة إلى شكل جديد يتناسب مع الحياة العصرية، فانشغل الكثير من الباحثين في الجمع والتوثيق والدراسة، فمنهم من راح يجمع الحكايات الشعبية، وقصائد الشعراء الرواد، ومنهم من راح يدرس ويوثق للألعاب الشعبية، والألغاز، والحكم والأمثال وغيرها من محاور التراث الشفاهي للدولة.

ويضيف أن تلك الجهود أخذت طابعاً أكثر فاعلية ما إن دخلت في العمل المؤسسي القائم على شكل فرق بحثية متخصصة، لها استراتيجية وتجربة في توثيق التراث ودراسته، الأمر الذي نهض بجهود العناية في التراث، وأوجد قاعدة بيانات ضخمة يمكن للأجيال الجديدة التعرف من خلالها على سيرة الآباء والأجداد.

غنى التراث

ويشير صندل إلى أنه رغم الجهود المبذولة فردياً ومؤسسياً، إلا أن غنى التراث الإماراتي وتشعبه يتطلب المزيد من الدعم والجهد، فبلا شك يقف التراث الإماراتي أمام عدد من الإشكاليات التي لازالت تواجه التراث نفسه والقائمين عليه، أبرزها؛ غياب المتخصصين في بعض المجالات، ورحيل عدد كبير من الرواة الشفهيين، وتعدد الروايات في القصائد والحكايات الواحدة، بحيث يصبح جهد الباحث منصباً على التوثق من صحة النصوص المذكورة له، إضافة إلى ذلك غياب الوسائل الجديدة للتواصل مع الأجيال الجديدة.

ويعتبر أن العناية في التراث لا تأتي من فراغ، وإنما تتشكل في ظل رؤية متكاملة تحتاج إلى أساسات راسخة تربط المجتمع بثقافة وروح أهله، وما قدمه الآباء والأجداد من مسيرة، فلا يمثل التراث حالة وجدانية يحن إليها كبار السن، وإنما يمثل هوية ينبغي التمسك بها لتحقيق الهوية الوطنية للدولة.

ويلفت إلى أن هذا ما يسعى إليه في مشروع توثيقه التراثي، حيث صدر له عدد من المؤلفات في هذا المجال منها: الألغاز والأمثال، والألعاب والأهازيج، وملامح من تراث الإمارات، وقطوف وقوافٍ بين الحاضر والماضي، وبيت الألعاب الشعبية، وغيرها من المؤلفات، حيث يؤكد أنه في كل كتبه يحرص على رصد حياة المجتمع الإماراتي بكل تحولاته عبر الألعاب والألغاز، والأمثال وغيرها من أشكال التراث المادية وغير المادية.

ويتوقف عند تجربة نشر الكتاب التراثي في الإمارات، ونسبة الإقبال عليه، بقوله: «إن الكتاب التراثي لقي اهتماما واضحا في تجربة العناية في التراث الشعبي، فظهر جهد النشر على الصعيد الفردي من خلال الباحثين الذين أصدروا مؤلفاتهم في دور النشر العربية والإماراتية، وعلى الصعيد المؤسسي من خلال ما قامت به المؤسسات المعنية بالتراث مثل مؤسسة حمدان بن محمد لإحياء التراث، ونادي تراث الإمارات، وإدارة التراث في الشارقة، وغيرها من الجهات الرسمية والأهلية».

ويبين أن مرحلة الاهتمام بنشر الكتاب التراثي تظهر بصورة ملموسة في معارض الكتب والفعاليات التراثية في الدولة، لافتاً إلى أن الحاجة اليوم تجاوزت الكتاب في التوجه للأجيال الجديدة، وصارت بحاجة إلى وسائل جديدة يتعامل معها الشباب بصورة حية، مثل أشكال الاتصال الحديث، والقنوات التلفزيونية، وغيرها من الوسائل.

ويؤكد أن العناية في التراث الإماراتي خاصة المادي منه شكلت رافداً سياحياً لافتاً في الدولة، حيث عملت بعض المؤسسات على التراث بوصفه عامل جذب سياحة خاصة للزوار من الدول الغربية، فالتراث الإماراتي غني على كافة الأصعدة.

تجارب إبداعية

ويطرح تساؤلاً مغايراً على جهود التراث الإماراتي، بقوله: لماذا نحتاج إلى توثيق التراث بكل أشكاله وتفاصيله، هل لأجل السياحة، أو الهوية الوطنية، أو ترابط الأجيال جديدها بقديمها، أم ماذا؟ ويجيب أن ذلك كله يعد في جانب من الجوانب صحيحا، إلا أن الكثير يمكن اضافته إلى ذلك، فالباحث في التجارب الإبداعية الإماراتية يجد أنها ظلت ملتصقة بتراثها وعائدة إليها، فلا يمكن الحديث عن القصة، أو الرواية، أو حتى التشكيل والتصوير من دون الاستعانة بالتراث الشعبي الإماراتي، خاصة التجارب الإبداعية الرائدة التي شكل التراث معيناً لها في وصف حياة الأوائل وسرد حكاياتهم. ويعتبر أن ذلك التراث ما يشكل الهوية الإبداعية للقصيدة، والقصة، والرواية، وغيرها من الأعمال الإبداعية.

حرف

نبه الباحث التراثي عبيد بن صندل إلى واحدة من القضايا التي لا يتوقف الحديث عنها في الملتقيات والفعاليات التراثية، والمتمثلة في الحِرف والمهن الشعبية التي غابت عن الساحة ولم يتم توارثها جيلاً تلو آخر، موضحاً أن هذه الحرف باتت تحضر بصورة تمثيلية احتفالية في ملتقيات التراث الموسمية، في الوقت الذي كان يجب الاستثمار في مجالاتها لتبقى حيّة، وتشكل رافداً لاقتصاد الدولة وعامل جذب سياحي ونشاطاً مستمراً.