مثّل الوطن موضوعاً عريضاً للكثير من التجارب الشعرية الرائدة في الدولة، فحضر بأشكال متقلبة وصور متحولة في النص الشعر المحلي، حتى بات مفردة متعددة الجذور والامتدادات، وتكشف مدونة الشعر الشعبي الإماراتي عن هذا الملمح اللافتة لدلالات ومفهوم الوطن في القصيدة، ويظهر هذا لدى التوقف عند نماذج مختارة من الشعر الشعبي الإماراتي، إذ صار الوطن يخرج من مفهومه القائم بالأرض وأهلها، إلى صورة وجدانية، تتحول فيها الدار إلى مفردة مكثفة لصيغة الوطن، وصار هو الجار، والأهل، والبحر، وغيرها من المفردات التي صارت تحمل دلالته.
صورة الوطن
ونسج الشاعر الإماراتي علاقة وجدانية تكشف علاقته بأرضه وسيرة عيشها فيها، فالعائد إلى مجمل النتاج الشعري الإماراتي يجد الوطن واحداً من الموضوعات الأكثر حضوراً في القصيدة الإماراتية، إذ لا تكاد تخلو تجربة شعرية في الدولة لم تكتب مفهومها للوطن وعلاقتها به.
لذلك تعددت صورة الوطن في القصيدة الشعبية الإماراتية بعدد التجارب الشعرية التي كتبتها، حيث لكل شاعر رؤيته، وجماليات اشتغاله على مفهوم الوطن، إلا أن العائد إلى مجمل تلك النصوص المكتوبة يجد علامات مشتركة في صياغة الوطن في الشعر الإماراتي، إذ ظل يحضر بوصفه الأرض، والأهل، والدار غالباً.
صيغ مباشرة
ويمكن تلمس صورة الوطن في نماذج الشعر الشعبي الإماراتي على أكثر من مستوى، الأول الوطن كمفردة واضحة تظهر في النص الشعري بصيغتها المباشرة ولا تحتاج إلى أدنى درجة من التأويل، كما نجد في قصيدة الشاعر راشد سالم الخضر إذ يكتب:
إتـــْرى قـــول النـــاس يــِـشرى ويـُولِما
بــين نعــم وبيــس شــتّان النــِفَس
الـــوطـــن والـــوالـــديــن الأكـــرِمــــا
شيـلهم لو حافي لو رمضا ودَهَس
واحـــــمـد الله واشـــكره يوم انـــعـِـمــا
بحـكم زايـــد لي على الـــكرسي يَلَس
ســيِّد الشجـــعان واكـــرم الاكـــرمــــا
عاهــلٍ واســم الله الَاعظم له حَرَس
وتأتي مفردة الوطن في قصيدة مدح للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، فيكتب الخضر الوطن بالاستناد إلى صورة المفردة ذاتها في الذهنية العربية، إذ تتحول المفردة في العربية إلى كل ما يمكن أن تشير إليه، وكأنه في توظيفه للوطن اختزل سيرة طويلة لحكاية الصحراء، والبحر، والشعب، والدولة، والقيادة، وكثف صورتها في سياق الحديث عن ما قدمه المغفور له بإذن الله الشيخ زايد.
سياقات أخرى
وتتحول المفردة من صيغتها الواضحة تلك إلى سياق آخر يشير إلى أهله وناسه، إذ يكتب الشاعر مبارك بن حمد العقيلي في قصيدة يصف تنكر أهله له، وخذلانهم، حيث كان يرى أن أقاربه كانوا سبباً في دخوله السجن، فيقول:
"آه مـــن أهـــل الوطن ثــُم ْآهْ كَـــر
هـــــم جمــادٍ في صـــورة بشــــر
يحبسون الرجال في سوق العصر
إن فزع فزَاعهم في دْفـْــع شــــــر
يختار العقيلي صيغة أهل الوطن للإشارة إلى أقاربه وما فعلوه معه، وكأنه بذلك يحمل الوطن عتاباً، إذ يستند إلى صورة الراسخة في المخيال العربي حول أهل الوطن، فهم العزوة، والسند، والعون في الضيق والكرب، إلا أنه يوظفها في هذا البناء الشعري ليشير إلى حجم حزنه وخذلانه، فالخذلان من العدو متوقع ومقبول أما من أهل الوطن يبدو أكثر ألماً وصعوبة على قلب الشاعر.
مساحة مغايرة
وتظهر صورة الوطن بصيغته الأقرب في قصائد العقيلي والخضر، إلا أنها تتحول في صياغتها إلى مساحة مغايرة في قصيدة الشاعر راشد بن حمر عين الظاهري، فيتحول الوطن من صيغته العريضة إلى صورة أكثر تكثيفاً تتمثل في الأهل، إذ يقول الشاعر في إحدى قصائده:
يـا طيـر يــا طـايـر مــن بعـيـد
هـَيــِّد مـعــك بـــارِد مــَــردود
إنــقـِـل ســلامــي لـلأجــاويــد
لأهـْل الرميلـه خــاص مَفـنـود
سلـِّم هـِبـاد ومــنْ مـعِـك زيــْد
يستاهـلـون الــزود هـــل زود
أكــــرام مــــا فـيـهــم تِـفَـنّيـد
عسى أنهـم فـي خيـر وسـدود
مفهوم الوطن
ينزع الظاهري الأرض وكل ما يتعلق بها مع مفهوم الوطن، ويحمله إلى أهل وناس الأرض، وكأنه يرجع في صياغته إلى الثقافة الشعبية العربية القائلة: «الجنة من غير ناس ما تنداس»، بمعنى آخر أن الوطن بأهله وليس بأرضه. يضع الشاعر الأهل كمقابل كامل لمفهوم الوطن ولا يبدو مغالياً في ذلك، إذ لا يمكن أن يكون وطن من دون أهل يرسمون معالم الحياة فيه، ويشتركون مع الشاعر في سيرته وحياته، إلا أن ذلك يجعل مفهوم الوطن قابلاً للتحول وفق رؤية كل شاعر، حيث تشهد مدونة الشعر العربي أن الشنفرى اعتزل أهله وفضل عليهم ذئاب البراري وخيله الأصيلة وسيفه الحاد، وذلك في لاميته التي قال فيها:
أقيـمـوا بـنـي أُمِّــي صــدورَ مطِـيِّـكُـم
فــإنِّــي إلــى قــومٍ سِــوَاكُــم لأَمــيَــلُ
مرجعيات شعرية
ويؤكد ذلك تفاوت المرجعيات الشعرية في تجربة كل شاعر، وقدرة الوطن على التحول والتبدل في سياق جمالي شعري لا حصر له، فمدونة الشعر الشعبي كشفت كذلك عن صورة جديدة للوطن، تخرج عن الأهل، والأرض، وتذهب إلى ما هو أكثر قرباً وحميمية، حيث تكتب الشاعرة موزة بنت جمعة بن هندي المهيري:
بستـان قلـبـي صـابـه الهـيـف
واسـتـم حـالـي يـــا مشـاهـيـد
يعـل السحـب يللـي مراضيـف
يـسـجـن عـلــى دار الأيـاويــد
تضع الشاعرة الدار بما تشير إليه من دلالة البيت، ومأوى السكن مقابل الوطن، فيتحول من كل ما يحمله إلى بيت واحد يعيش فيه أهله كأسرة واحدة، وتصف الدار بـ «دار الأياويد»، أي أهل الجود والكرم، مضيفة إلى ما تكشفه الدار من علاقة أسرية واحدة متعاونة، صفة الجود التي تحرص الثقافة الشعبية الإماراتية على ترسيخها في المجتمع وتؤكد جذورها جيلاً تلو آخر، حيث توقفت عندها الكثير من النصوص النثري، والحكايات المروية، والشعر الشعبي، إضافة إلى مجمل الحديث اليومي في المجتمع.
ذاكرة شعبية
ولا تعمل الشاعرة على ذلك وحسب وإنما تلجأ إلى الذاكرة الشعبية الإماراتية وما تعرفه عن الدار، فالمفردة تأخذ أشكالاً متعددة في حياة المجتمع الإماراتي، فهي تتعدى بيت الأسرة في المجتمع، إلى الحي، وصولاً إلى القبيلة، وانتهاءً بالوطن المعروف بـ«دار زايد».
ذلك تماماً ما يقدمه الشاعر راشد الخضر في قصيدة يمتدح فيها الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يقول فيها واصفاً الوطن:
إذا هبيـت يــا سـيـد الشـراتـي
تِبَهْنـَس بالبِسـيـس و بالشَّـراتـي
إلـى دار الوصـل تجـري سِفـِنـّا
دبـي اللـي بهـا تـْرِف نْشَراتـي
