ترتبط الأزياء بتاريخ المجتمعات وصورة تفاعلها الحضاري، فهي ليست مجرد أثواب وقماش منسوج، بقدر ما هي هوية وطنية تكشف علاقة المجتمعات ببيئتها، والمستوى الاجتماعي الذي يعيشون فيه، إضافة إلى المناخ، واستجابتها لظروفه، فلا يمكن الحديث عن تاريخ الأزياء في أي مجتمع من دون الوقوف عند معالم حياته وسيرة تطوره ومجمل حياته الفاعلة. لذلك لا يمثل البحث في تاريخ «الكندورة» الإماراتية، بحثًا في الثوب الإماراتي الشعبي، وإنما سيرة طويلة من التحول والتغير لتاريخ الأزياء منذ العصور العربية الأولى المؤرخ لها، أي مع السنة الثانية للهجرة عند بداية التدوين في الثقافة العربية الإسلامية، فالكندورة ترتبط سيرتها مع تاريخ المنطقة العربية بأكملها، وما شكلها القائم اليوم إلا صورة معاصرة للثوب العربي الذي عرفه العرب الأوائل.

تطور الثوب العربي

يظهر هذا بالرجوع إلى تاريخ الأزياء في العصور الإسلامية المتلاحقة، وصورة الثوب فيها، إذ تنكشف سلسلة من العلاقات بين الحالة الاجتماعية ومستوى المعيشة في تلك المجتمعات وتطور الأزياء فيها، كما تظهر آثار الفتوحات الإسلامية وتداخل الثقافة العربية الإسلامية مع مختلف الثقافات المحيطة، كالفارسية، والهندية، والإفريقية، وتنكشف آثارها في مراحل تطور الثوب العربي.

ويؤكد الباحث ي.ك ستيلمان أستاذ تاريخ الشرق الأدنى بجامعة أوكلاهوما في كتابه الصادر عن «كلمة» للترجمة «تاريخ الأزياء العربية»، أن الأزياء في العصر الإسلامي الأول كانت تمتاز بالبساطة والبعد عن مظاهر التزين الباذخة، ولبس الرسول الكريم ألواناً متعددة من اللباس، ولبس الضيق والواسع، إلا أنه كان يفضل من الأثواب البيضاء، وكان يلبس العمامة.

ويشير ذلك إلى واحدة من المرجعيات اللونية في الثوب العربي الذي تنتمي إليه الكندورة الإماراتية، والمتمثلة في اللون الأبيض، إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم، يفضل هذا اللون، وظل الأبيض في الثقافة الإسلامية هو رمز الطهارة، للنفس والبدن، فجاءت الكثير من النصوص الدينية، تمجد اللون الأبيض، وتدعو إليه.

ظروف مناخية

ليس ذلك وحسب فاللون الأبيض هو اللون الأكثر قدرة على عكس أشعة الشمس، وردها، فهو في ظل الظروف الصحراوية الحارة يعد اللون الأكثر برودة، فلا شك أن العرب الأوائل فضلوا هذا اللون لهذه الأسباب، كما أن اللون الأبيض هو اللون المسالم والهادئ، ورمز الخير، فجاء في مدونة الأدب العربي، نصوص ترمز إلى الخير بالأيادي البيضاء، وغيرها من الرموز التي تمجد الأبيض، وتجعل منه صيغة لونية للخير والفأل الطيب، والحسن والطهارة.

يفسر ذلك سبب اختيار الكندورة للون الأبيض، فهي على الرغم من دخولها في الكثير من التغيرات المعاصرة، وكثير من التعديلات والإضافة في اللون والشكل، إلا أنه ظل اللون الأبيض هو لونها الرسمي الذي لا يتوقف الرجل الإماراتي عن طلبه، وارتدائه.

وتكشف دراسات الأنثروبلوجيا عن علاقة تحدي واستجابة تعيشها المجتمعات مع المناخ والبيئة التي ينتمون إليها فما اختيار سكان الإسكيمو في القطب المتجمد لفراء الحيوانات وجلودها، إلا استجابة لظروف البرد القارص الذي يستلزم الدفء، وكذلك الحال عند الحديث عن الثوب العربي، أو الكندورة بشكلها المعاصر، فهي اللباس الأكثر تماشياً مع المناخ وظروف الجو الحار والصحراوي.

صورة هوية

إضافة إلى ذلك يعد الثوب صورة للهوية العربية الأصيلة المتقشفة المتصوفة المبتعدة عن مظاهر الترف والتزين، فالثوب العربي يكاد يكون قطعة قماش واحدة، ويكاد يخلو من أشكال الزخرفة، وقطع القماش المضافة، وملحقات الملابس، وهذا يرتبط بشخصية العربي الذي يرتبط بالبساطة ولا يرى في الشكل الظاهر صورة لجوهره، وهذا ما قدمته النصوص الشعبية، لذلك لا تعد الكندورة زياً وطنياً وحسب، فهي امتداد أصيل ضارب في جذور الثقافة العربية الإسلامية، إذ لا تؤكد ذلك وحسب، وإنما تكشف عن حالة مميزة في الثقافة الخليجية بصورة عامة، الإماراتية بصورة خاصة، فتاريخ الأزياء العربية يكشف عن حالة تحول أصابت الزي الذي عرفه العصر الإسلامي الأول، فمع بداية الدولة الأموية، والعباسية من بعدها، شهد الثوب الأبيض تغيرات كثيرة.

خصائص وتطريزات

والثوب العربي هو الزي الرسمي والشعبي لأهل الخليج العربي، ولكنه يتسم بخصائص وتطريزات تختلف من مكان إلى آخر، فظهرت بعض الفروق الطفيفة في الطريز المرسوم على عنق الثوب، وفي القبات، وأكمام الثوب، إلا أن شكلها ظل، كما هو، منسدلاً أبيض في الغالب.

واعتنى المجتمع الإماراتي بالكندورة وظل مصراً عليها بوصفها الهوية الوطنية التي ينتمون إليها، فصار لها تاريخ معاصر طويل يعود في جذوره إلى البيوت الإماراتية التراثية، حين كانت النساء تحيك أثواب الرجال، وتنتقي قماشها، حيث عرفت الكندورة أنواعاً من القماش الذي يميزها عن غيرها، ومنها: قماش اللاس أو الشربت الذي كانت تصنع منه الكندورة لفصل الصيف.

أدبيات وموروث

وعرف التراث الشعبي الكثير من الحكايات الشعبية، والنصوص الشعرية التي تتغنى بالكندورة وتصف حسنها، وتؤكد هويتها، فتروي مدونة التراث الإماراتي أن المرأة كانت تغني أبياتاً شعرية عندما كانت تحيك الملابس، تخاطب فيها الأثواب سائلة عن الحبيب الغائب، فكانت تغني:

باْســألــج يـا الكـنــدورة

                     عن مــن خـــاط و درز

قــالت حــسـين الـصـورة

                     لــي فــي الرايــح بـــــرز

وبـاْســألـكم يا الطـريشــة

                     شـوفوا اللي حَيَّره

ثـــوبـي تكــدَّر ســواده

                    وحـنـّايـِة بـخـســـره

مـن الـعام انا مهـجــوره

                     ومـحـــيــَّرَه فـي المَـز