تنوعت أشكال الاهتمام بالتراث الإماراتي خلال السنوات العشر الأخيرة، فلم تعد قائمة على فِرق الجمع والتدوين، وإصدار الكتب والمؤلفات، وإنما تعدت ذلك إلى سلسلة من المهرجانات، والأنشطة الدورية، إضافة إلى الجمعيات والمؤسسات الرسمية، والأهلية التي وضعت العناية بالتراث الإماراتي على قائمة أولوياتها.

ليس ذلك وحسب بل ظهرت العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية التي تعيد إحياء التراث وتنقله عبر الإعلام المرئي، والمسموع إلى الأجيال الجديدة، فاشتهرت برامج الشعر الشعبي، ومسابقات اللهجة الإماراتية، إضافة إلى الوثائق التسجيلية المتعلقة بتربية الجمال، والخيول، وغيرها من العناصر التراثية.

في ظل ذلك يبدو التساؤل ضرورة حول المحتوى الإلكتروني للتراث الإماراتي، إذ باتت وسائل التكنولوجيا الحديثة هي الطريق الأقرب إلى الأجيال الجديدة، خصوصاً مع تحول الدولة إلى العمليات الذكية في إدارة وسائلها التعليمية والخدمية والصحية وغيرها، فلم يعد توفر المرجع الورقي معضلة أمام سيل المؤلفات الإلكترونية التي توفرها الشبكة العنكبوتية، ولم يعد جمع الوثائق التسجيلية والصور متعباً للباحث، إذ صار بكبسة زر يمكنه الدخول إلى أرشيف كبرى المكتبات العالمية والدولية.

حول ذلك، ينقسم الباحثون والمهتمون في التراث الإماراتي أمام حجم المحتوى الإلكتروني للتراث، إذ يذهب البعض إلى أن المحتوى لا يزال فقيراً، ولم يخضع للعناية والاهتمام الكافي، فيما يذهب البعض الآخر إلى أن الفضاء الإلكتروني وفر الكثير من المعلومات والوثائق وجعلها متاحة للقارئ العادي والمهتم، فصارت المسافة بين التراث والقارئ أقرب.

وقال الباحث أحمد محمد عبيد إن المحتوى الإلكتروني للتراث الإماراتي لم يلق عناية رسمية، أو مؤسسية، وماتزال الجهود القائمة فيه فردية، ولا تستند إلى المعلومة الدقيقة الموثوقة، موضحاً أن الكثير من المهتمين بالتراث الإماراتي يشاركون معلوماتهم وقراءاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات، وغيرها من منافذ التواصل الإلكتروني من دون التحقق مما ينشرون.

ويبين أن العائد إلى مجمل الموضوعات المنشورة على الإنترنت يجد أنها تنتسب إلى مصدر واحد، وأنها تخلو من الدقة.

تأصيل المعلومة

ويكشف الباحث علي العبدان تاريخ المحتوى الإلكتروني للتراث الإماراتي خلال السنوات العشر الأخيرة، إذ يقول: «خلال مرحلة انتشار الإنترنت ظهر ما يعرف بالمنتديات، كان القراء والمهتمون فيها يجتمعون حول موضوع معين ويشاركون بعضهم ما لديهم من معلومات، وكان التراث الإماراتي واحد من تلك الموضوعات، فأنتج ذلك الحراك مخزوناً معرفياً لا بأس فيه حول العديد من عناصر التراث الإماراتي، مثل تربية الجمال، والصقور، وتاريخ القبائل، واللهجات، وغيرها من العناصر، إلا أنه ومع تطور التواصل الإلكتروني والتحول نحو مواقع التواصل الاجتماعي صار ذلك الحراك يشهد تراجعاً واضحاً، فلم يعد المتابعون والقراء يقدمون معلومات تفصيلية ودراسات طويلة، بل صارت مشاركتهم سريعة وغير موثقة، وهذا ما فرضته وسائل التواصل».

ويضيف: «المعلومات التي تم تناقلها في عهد المنتديات الإلكترونية، هي التي تشكل اليوم المحتوى الإلكتروني للتراث الإماراتي، إذ لا يوجد فعل مؤسسي قائم على دعم هذا الجانب أو ترسيخ حضوره من خلال متخصصين ومهتمين».

ويلفت العبدان إلى أن هذا المحتوى الذي هو نتاج جهود فردية، لا يمكن الركون إليه في إطار الحديث عن معلومة دقيقة موثقة لها تاريخها وجذورها.

وتتفق الناشطة في مجال التراث الإماراتي موزة العامري، نائب مدير إدارة التنمية الأسرية بوزارة الشؤون الاجتماعية، مع رأي علي العبدان، وأحمد عبيد، إذ ترى أن المحتوى الإلكتروني فقير جداً ولا يعدو عن كونه مشاركات واجتهادات فردية لا يمكن الركون إليها.

وتؤكد أهمية العمل على زيادة المحتوى الإلكتروني للتراث، ما يجعل منه مادة مرنة وسهلة أمام القارئ العادي والباحث، لافتة إلى أن الأجيال الجديدة تستند إلى المعلومة الإلكترونية بكافة تعاملاتها ودراستها وحياتها، فإن ظل التراث غائباً عن «الإنترنت» فحتماً ستنساه الأجيال المقبلة عاماً بعد عام.

حاجة ملحة

يرى الباحث أحمد عبيد أن الحاجة لتدعيم المحتوى الإلكتروني للتراث ملحة أكثر من أي وقت سبق، إذ باتت الشبكة العنكبوتية هي المرجع الأول الذي يعود إليه المهتمون، والدارسون، للتراث الإماراتي، مؤكداً أن الفرصة اليوم مهيئة لترسيخ مفهوم التراث وحفظه في الأجيال القادمة عبر منافذ التواصل الاجتماعي، والمكتبات الإلكترونية، وغيرها من الوسائل الحديثة.