يوم آشـروها ما اقفضوا لها اليَرة سـوّت بحَر وتقاحموا يَـزواهـا

وين مهزوبـج وين ذيـج الـزَّرة والمطلـعي لي ماترَس شَرتاهــا

 

هذان بيتان من الشعر النبطي الإماراتي العتيق أرجو أن يقرأهما القارئ الكريم ويحاول تفهم معناهما، إنهما مجرد نموذج من بين آلاف النماذج الأدبية التي تُشعرنا نحن أبناء الجيل الحالي بالبون الشاسع بين لهجة أجدادنا في مطلع القرن العشرين ولهجتنا «البيضاء» الحديثة.

يُعد التطورُ في مجال اللغات واللهجات المتفرعة منها إحدى الظواهر الثقافية الانسانية العامة، وهو أمر حتمي لا مفر منه، ذلك أن اللغة هي وعاءُ الفكر، وهي تتأثر بكل ما يطرأ على المجتمع الذي تسود فيه من تغيرات لا تنتهي، ويمكن تشبيهُها بالجسد الذي تتجدد خلاياه عبر السنين فتموت خلايا لتنشأ مكانها خلايا جديدة، وإذا أتيح للُغةٍ ما الانتشارُ على مساحة واسعة واتخذتها شعوبٌ متعددة لغةً لها فإن التباعد بين مواطن السكنى يؤدي إلى تشعب اللغة الأم إلى لهجاتٍ محلية تأخذ في التباعد تدريجياً وتتمايز فيما بينها، مثلما حدث مع اللغة العربية بعد الفتوحات الإسلامية، وقد ظلت اللهجاتُ العامية في داخل شبه الجزيرة العربية قريبةً من اللغة الأم «العربية الفصحى» في مفرداتها وتراكيبها اللغوية، ومنها اللهجة الإماراتية القديمة، ومن يقرأ قصائد الشاعرَين الماجدي بن ظاهر (أواخر القرن 17 وأوائل 18م) ومحين الشامسي (أواخر القرن 18 وأوائل 19م) يدرك كم هي قريبةٌ من الفصحى، ومع أن كل جيل لا يمكن أن يرث الحصيلةَ اللغوية بحذافيرها عن الجيل السابق عليه، وإنما يرث القسمَ الأكبر منها، مستغنياً عن نسبة صغيرة منها، إما لحلول مترادفات وتعابير بديلة أو لعدم وجود فرص لتلقيها أو لتحول الذوق العام عنها، ويضيف إليها ما يستجد في عصره تبعاً للظروف والمتغيرات والطبيعة البشرية، إلا أن لهجتنا المحلية ظلت إلى حد كبير بمنأى عن التغير الجذري ما بقيت الحياةُ التقليديةُ سائدةً، وخاصة في البوادي والقرى الداخلية والواحات التي كان سكانها قليلي الاختلاط بغير العرب وأكثرَ محافظةً على نمط المعيشة التقليدي المتوارث، لكن تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفن! حيث شهد القرن العشرون نقلةً نوعيةً وتغيراً اجتماعياً هائلاً لم تشهد الإماراتُ وبقيةُ دولُ الخليج مثلَه خلال القرون الخالية من حيث المدى ومن حيث السرعة وتعدد الأوجه، بحيث شمل مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. إلخ، فكان من المحتم أن يترك بصمتَه الغائرةَ على لهجتنا المحلية.