من الظواهر الإنسانية الملحوظة على مر الزمن هي ظاهرة البحث عن الجذور والأسلاف والسلالةِ التي ينحدر منها المرء، وتسلسلِ نسبه إلى جد قبيلته - الحقيقي أو الأسطوري - سواء عن طريق:
أ - البحث في المصادر المكتوبة
ب - جمع الروايات الشفاهية
ج - الفحص الجيني من خلال الحمض النووي «dna»
ولو كان باستطاعته الحصولُ على معلومات دقيقة عن كل حلقة من حلقات سلسلة نسبه لما توانى في السعي لتحصيلها، وهذه الظاهرة لها دوافعها الغريزية التي تتطلب الإشباع، كما أن لها دوافعَ نفسية واجتماعية ودينية أيضاً. وأريد هنا التمييز بين البحث عن النسب الخاص بالشخص وأسرته وبين نشاط آخر قريب منه، وهو تتبع درجات القرابة لدى أولي القربى بهدف توزيع المواريث مثلاً، أو التحري عن أصل شخص تقدم لخطبة إحدى بنات الأسرة، أو تقصي أصلِ عائلة قبل الإقدام على مصاهرتها.
فلماذا يريد المرء معرفة جذوره وسلالته؟ وما الذي سيعود عليه من وراء معرفته بدقائق تفاصيلها؟
يمثل الأسلافُ الحلقاتِ المتتابعةَ التي انتقلنا عبرها منذ نشأة الجنس البشري إلى أن وجدنا ذواتنا في عصرنا الحالي، وفي مجتمعنا المحلي يكتنف الغموضُ أسماء الأجداد الأبعدين بسبب انقطاع النسب، بحيث يمكننا سردُ سلسلة قصيرة لا تتعدى أحياناً أصابعَ اليد الواحدة، ونادراً ما تزيد على ذلك، كما أن معلوماتنا عن آبائنا المباشرين لا تمثل سوى خطوطٍ عريضةٍ من سيرتهم، ومعلوماتُنا عن أجدادنا، وخاصة الذين لم ندركهم، أقل وضوحاً من سيرة الآباء المباشرين، وقد لا نعرف أيةَ معلومات عن سيرة جدِّ الأب لأسبابٍ متنوعة، ويُستثنى من ذلك بعضُ الأعلام البارزين من الأسلاف الذين دُونت سيَرُهم وتواريخهم.
كما أن الفضول العلمي يلعب دوراً كبيراً في دفع الإنسان إلى معرفة سلالته، وتتبع سلسلة نسبه، وتقصي سيَر أسلافه، وخاصة أن الظروف الحياتية القديمة تختلف اختلافاً كبيراً عما هي عليه اليوم، من حيث الأدوار والوظائف.
إن البحث عن الجذور القبلية لا يختلف، من حيث الدافع، عن البحث عن موضعنا المكاني في جغرافية العالم، وموضعنا الزماني في تاريخ العالم، ووضعنا الاجتماعي في السلم الطبقي، ودرجتنا في السلم الوظيفي.. إلخ، فهو بحث عن الذات ومكانها بين الذوات من جميع النواحي. وفي المجتمعات التقليدية تكتسب النسبة القبلية أهمية اجتماعية واضحة. بينما يضعف أثرها في المجتمعات الصناعية الحديثة بشكل ملحوظ، إذ يتحدد الوضعُ الاجتماعي للشخص تبعاً لمنجزاته ومواهبه.
