وجدت خلال الحقبة التي سبقت دخول التعليم الحديث إلى الإمارات (اعتباراً من عام 1953م)، التي كان التعليم خلالها تقليدياً بسيطاً، شرائحُ معينة من أبناء الإمارات تميزت بكونها أكثر وعياً وثقافةً واستنارة من غيرها، حيث اتسمت بسعة الأفق، وعمق التفكير والإدراك، وبعد النظر، واتساع دائرة المعارف، ولعل أبرز تلك الشرائح المستنيرة خلال الحقبة المذكورة هي:

1 - الحكام وأبناء الأسر الحاكمة: تُتاح لأبناء الشيوخ فرصٌ ممتازة للتعليم، نظراً لحرص آبائهم على تأهيلهم للحُكم والمناصب الرفيعة، وبالتالي فإن الحكام يسعون إلى توفير أفضل الخبرات التربوية والتعليمية المتاحة في المجتمع المحلي لتربيةِ وتعليم أبنائهم. ويتزامن مع التعليم النظري تدريب عملي على التمرس بشؤون الحكم والمهام الكبيرة المتعلقة به، إضافة إلى مهارة استخدام السلاح، والفروسية، وغرس قيم الشجاعة والصبر والشهامة في نفوس أبنائهم، ما يُثري تجربتهم، ويحفزهم على السعي لطلب المعالي.

2 - وجهاء وأعيان البلاد: يشكل وجهاء وأعيان كلِّ إمارة الطبقة الارستقراطيةَ التي تلي طبقة الحكام في المكانة الاجتماعية، فهم مُلاّك الثروة في المجتمع، وأصحابُ رؤوس الأموال التي تُستثمر في مجالات متنوعة، وكان أولئك الوجهاء والأعيان حريصون على تأهيل أبنائهم لكي يتولوا أعمالهم، وينوبوا عنهم في مختلف الشؤون.

3 - علماء الدين: كانت لعلماء الدين الإسلامي، من فقهاء وقضاة وخُطباء، ثقافتُهم الإسلاميةُ المميزة، التي تمنحهم مكانة اجتماعية، واحتراماً وإجلالاً من جانب الحكومة والشعب. ويُكسِب علمُ الفقه وخاصةً فقه المعاملات والأحوال الشخصية المشتغلين به بُعداً في النظر، وعُمقاً في الرؤية، وثقافة اجتماعية.

4 - الشعراء والأدباء: يتميز الشعراء والأدباء بكونهم موهوبين يحسنون فنونَ القول ويلتقطون درر التراث من شعر ونثر وأمثالٍ وحِكم وأقوالٍ مأثورة ونوادرَ وقصص، وقد وُجدت في مختلف الإمارات مجالس مشهورة للشعر والأدب أسهمت في صقل مواهب الشعراء، وتخصيب قرائحهم، وإرهاف مشاعرهم وأحاسيسهم، وإكسابهم بلاغةً وبياناً وطلاقة لسان.

5 - نواخذة السفر: وهم ربابنة السفن التي تمخر عُبابَ البحار لنقل البضائع بين الأقطار التي يتعامل معها أبناء الإمارات، ويكتسبون فـوائد ثقافية من السفر، كازدياد الخبرة بأساليب التعاملات التجارية، والتعرف إلى أنماط مختلفة من الثقافات، واكتساب معرفة واسعة في مجال الملاحة والطقس.