يعد مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث مصدراً ومرجعاً معتمداً وموثوقاً لحفظ ونشر التراث الوطني في الإمارات وخارجها، من خلال مجموعة من الوثائق المرئية والمسموعة والمقروءة، ورسالته تتمحور في تعزيز التراث الوطني الإماراتي وتناقله بين الأجيال والتعريف به على المستوى الإقليمي والعالمي، إضافة إلى تنظيم أجندة من الفعاليات والمسابقات التراثية وإجراء الدراسات والأبحاث المتخصصة لحفظ وتوثيق التراث الوطني، وتوفير المصادر و المراجع التراثية للباحثين والمهتمين وكافة أفراد المجتمع.

كما أن المركز يعد منصة لجميع المبادرات والبطولات والأنشطة الوطنية والتراثية والتي تمثل رؤية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي.

تمثل المتاحف التراثية المتوزعة في الإمارات البوابة التي تطل منها الأجيال الجديدة على الموروث الشعبي بصورة تفاعلية حية، كما أنها حارسة للذاكرة الجمعية، وحاضنة للموروث، إذ تعرض الفنون التقليدية، والمأكولات، والحرف، والأزياء، والألعاب، وغيرها من مكونات التراث، وتقدم الحياة الإماراتية الشعبية للسياح، والباحثين، كما تعرف الشباب على ماضي أجدادهم.

ورغم ذلك فإن الأجيال الشابة ما زالت حتى اليوم لا تفضل زيارة المتاحف والتعرف على معروضاتها، إذ يرى عدد من الشباب أن ما يجب معرفته عن الماضي يتم أخذه، من خلال ما يرويه أجدادهم ولا حاجة لزيارة المتاحف، ويؤكدون أن المتاحف ما زالت حتى اليوم تقدم معروضاتها بطريقة تقليدية غير جاذبة.

أسلوب تفاعلي

فاطمة المري (23 عاماً) قالت «عدد المرات التي زرت فيها متاحف تراثية لا يتجاوز ثلاث مرات، كانت جميعها مع المدرسة خلال فترة دراستي، ولا أذكر أن أهلي في البيت نظموا رحلة إلى متحف أبداً، والزيارات لم تقدم لي شيئاً، إذ أن أغلب ما كان يقدمه المتحف كنت قد عرفت عنه من خلال حكايات جدتي، أو حتى من خلال والدي الذي كثيراً ما يتحدث عن تغير شكل الحياة، مقارنة بـ40 عاماً مضت».

وتشير إلى أن زيارة المتاحف مملة إلى حد معين، إذ ان أغلبها يتبع نفس الأسلوب في تقديم الأزياء والمأكولات والحرف، فتقدمها من خلال مجسمات بلاستيكية، غالباً ما تكون بشعة وقديمة، في حين تتبع الكثير من المؤسسات التعليمية اليوم وسائل متطورة لعرض المعلومات، وتقديمها بأسلوب تفاعلي شيق.

ويتفق ناصر الدرمكي (19 عاماً) مع رؤية المري، إذ يرى أنه من خلال زيارته الوحيدة لأحد متاحف التراث الشعبي، لم يجد ما يلفته فيها، معتبراً أنه «على إدارات المتاحف أن تبتكر أساليب جديدة في تقديم المعروضات التراثية، ولا تكتفي بالطريقة القديمة التي يتجول فيها دليل المتحف مع عدد من الزوار ليلقوا نظرة على المجسمات والأعمال المعروضة».

حالة عزوف

ويشير محمد العوضي (27 عاماً) إلى أن «فكرة زيارة المتحف والتعرف على تراثنا الشعبي، لم تترسّخ فينا، إذ ظلت المدارس تنظم رحلات ترفيهية لنا خلال فترة الدراسة، وامتد ذلك خلال الجامعة، ولم يكن نصيب الرحلات العلمية أو التثقيفية كافياً مقارنة بالرحلات الترفيهية، وهذا أوجد حالة عزوف عن التفكير في زيارة المتاحف».

ويعتبر إبراهيم سعيد (28عاماً) أن «نمط الحياة الجديدة لا يدفع للبحث في الماضي، إذ العمل يشغل معظم الناس، واليوم ينتهي بانتهاء العمل، ولا يوجد أمام العائلات وقت سوى عطلة نهاية الأسبوع، وللأسف غالب المتاحف مغلقة، أو أوقات عملها ضيقة».

ويروي سعيد قصة حدثت له في زيارة أحد المتاحف فيقول: «في احدى المرات قررت مع عدد من الزملاء تصوير فيلم وثائقي عن تراث الأزياء الشعبية وكان ذلك خلال دراستي للفنون في الجامعة، وقررنا زيارة أحد المتاحف في عطلة نهاية الأسبوع، وحين وصلنا لم نجد سوى موظف واحد رفض تقديم معلومات وقال إنه يمكننا التجول في المتحف وليس مصرحاً له الحديث عن المعروضات أو عن المتحف».

ويضيف: «فتحت في ذهني تلك الزيارة العديد من القضايا، أهمها أن عدد الزوار كان قليلاً وكلهم من بلدان أجنبية، وأن المتحف كان يقدم معروضاته بطريقة تقليدية من خلال الثياب المعلقة، والأدوات الزراعية والسيوف والخناجر وغيرها من المعروضات».

اهتمامات

ولا تتفق بشاره العامري (26 عاماً) مع رؤية سعيد إذ «تعتبر أن زيارة المتحف موضوع يتعلق باهتمامات كل شخص، ولا يمكن أن نرجع سبب قلة المهتمين بها إلى آلية العرض، فهناك الكثير من الأشخاص يفضلون زيارة المتاحف على زيارة «المولات»، وتشير إلى أنها واحدة من أولئك المعنيين كثيراً بكل ما هو شعبي، حتى أنها قامت بجمع عدة أغراض تقليدية، خاصة بزينة المرأة الإماراتية، مثل مرود الكحلة، والمرآة، وبعض أنواع القماش المطرز، كما تحتفظ ضمن مقتنياتها بمكواة كانت تسخن على الجمر لكي الملابس».

حلقة مساهمة

مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة الباحث عبد العزيز المسلم قال «إن المتاحف التراثية تعمل ضمن حلقة متكاملة تسهم في حفظ التراث الإمارتي، وتأتي هذه الحلقة في عقد كامل يتكون من الجهود البحثية، والمهرجانات، والمسابقات، ووسائل الإعلام المكتوبة، والمرئية، والمسموعة، فلا يمكن أن نحمل المتاحف رغم جهدها عبء عزوف الأجيال الجديدة عن الإقبال على التراث، أو النفور من كل ما هو شعبي وقديم».

وأضاف المسلم «الجهود المبذولة التي يقوم بها عدد من المؤسسات والأفراد في الدولة حتماً ستثمر وستحصد نتائج إيجابية، ويجب أن لا ننسى أن السنوات التي تمضي تزيد المسافة بين التراث والمعاصر، وبالتالي تزيد من جهد إعادة تقديم الموروث الشعبي بصورة أكبر».

دور كبير

ويرى الباحث أحمد محمد عبيد مع المسلم أن «المتاحف تقوم بدور كبير، وتحقق أغراضها بصورة وافية - إذا ما أخذنا بعين الاعتبار - أن منها ما هو مقدم للسياحة الخارجية، مشيراً إلى أن الأجيال الجديدة ليست مطالبة بمعرفة كل أشكال التراث الشعبي بصورة تفصيلية، إلا أنها مطالبة بمعرفة ملمح عام، يظل يعيدها ويربطها بالأرض التي تنتمي إليه، ويدفعها للعمل إكراماً لما أنجزه الأجداد والآباء».

وأكد «أن الكثير من الشباب اليوم يجعلون من وسائل تقديم مكونات التراث الشعبي واحدة من القضايا الحساسة في علاقتهم مع التراث الإماراتي، إذ الأجيال الجديدة ترى في ما تقدمه المتاحف التراثية عروضا تقليدية قديمة، تخلو من أي عامل جذب أو متعة، وهذا حقهم إذا قورن ما يتلقونه في المتحف مع ما يتلقونه في (الآي باد) والأجهزة الذكية، وهي مقارنة غير عادلة».