لا نبالغ إذا قلنا إنه حتى نهاية حقبة اقتصاد الغوص على اللؤلؤ «نهاية عقد الأربعينيات من القرن العشرين»، لم تكن نسبة الذين يحسنون القراءة والكتابة والحساب تتجاوز 30 % من مجمل الذكور، الذين تنوعت دوافعُ تعلمهم لهذه المواد الأساسية ما بين تأمين مصدرٍ للرزق، ورفعٍ للمكانة الاجتماعية من خلال الانضمام إلى فئة المتعلمين، وامتلاك مفاتيح المعرفة، سعياً منهم لتلبية طموحهم بإكمال تعليمهم وتخصصهم في العلوم الشرعية.
ولعل أبرز شرائح المجتمع التي نالت نصيباً جيداً من التعليم خلال الحقبة المذكورة هم: الشيوخ وأبناء الأسر الحاكمة، وأبناء التجار والطواويش، وعلماء الدين، والأدباء والشعراء، والكُتّاب والمحاسبون.
كان المثقفون الأوائل المتعطشون للمعرفة يسعون للحصول على مواد الثقافة التي تلبي حاجتهم «الكتب والدوريات» من الخارج، حيث كان يندر وجود مكتبات تجارية قبل عقد الأربعينيات، كما لم تكن هناك مطابعُ قبل عقد الخمسينيات في الإمارات، ولذا فقد كانت المواد القرائية قليلةً نسبيا.
وكان الحصول على مواد المعرفة خلال تلك الحقبة يتم عبر ثلاث طرق رئيسية، وهي:
1 - جلبُها من الخارج:
فقد كان أغلب المطبوعات يُجلَب من البلدان التي يتعامل معها أهل الإمارات في التجارة ، إما بالشراء المباشر من جانب الراغبين، وإما بتوصية معارفهم المسافرين على عناوين مطبوعات بعينها لإحضارها معهم. فكتب العلوم الشرعية غالباً ما يجلبها الحُجاج القادمون من مكة المكرمة والمدينة المنورة. كما كانت بلاد الهند - وخاصة مُدن: دلهي، وبومبي، ولكنؤ، وحيدر أباد، مصدراً مهماً من مصادر كتب الحديث وبقية علوم الدين الإسلامي، وكانت طباعتُها حَجَرية.
أما بقية أصناف المعارف والآداب فكانت كتبُها ترِد من البحرين والبصرة ومسقط وعدن وزنجبار وكراتشي وبومبي، حيث كانت أسواقُ الكتب رائجةً في تلك الحواضر.
2 - النَّسخ:
وهي الوسيلة الأقدم لتكثير مواد الثقافة، وقد وُجدت مخطوطات دينية قليلةُ العدد نسبيا في مكتبات علماء الدين، ثم أخذت تلك المخطوطات في التلاشي تدريجياً مع تكاثر المطبوعات وتوافرها المُطَّرد، ولم يكن هناك وعيٌ كافٍ بأهمية المخطوطات وضرورة المحافظة عليها آنذاك.
3 - الشراء من المكتبات المحلية:
ظهرت بواكير المكتبات التجارية في دبي منذ عقد العشرينيات، ثم اضمحلت لتُعاود الظهورَ خلال عقد الأربعينيات.
