يرى الشاعر والباحث أحمد محمد عبيد أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، أوجدت لهجة واحدة بين الأجيال الشابة، موضحاً أن السنوات القريبة المقبلة لن تشهد تنوعاً في اللهجات الإماراتية، ولن تعود اللهجة جزءاً من هوية المواطن لمعرفة مدينته ومكان سكنه.
ويؤكد أنه إلى وقت قريب كان الإماراتيون يعرفون إلى أي الأماكن ينتسبون من لهجات بعضهم، فكانوا يميزون أهل الشمال عن الجنوب، وأهل الصحراء عن البحر، وغيرها، مشيراً إلى أن تلك اللهجات تمثل جانباً مهماً من تاريخ المنطقة، ومن التراث الشعبي للإمارات، حول ذلك، ورؤيته للاهتمام بالتراث الشعبي المحلي، ومستقبل علاقة الأجيال الجديدة مع التراث، دار معه الحوار التالي:
وعاء اللهجات
ما الذي دفعك للبحث في اللهجات الإماراتية؟
ما دفعني قبل كل شيء هو شعوري بأهمية وضرورة التراث الشفهي، والأمر الثاني والمهم، هو أن اللهجات الإماراتية تسير نحو تكوين لهجة موحدة لكل الإماراتيين، فمواقع وقنوات التواصل الاجتماعي المعاصرة، أوجدت لهجة واحدة بين الأجيال الشابة، وهذا يؤكد أن السنوات القريبة المقبلة ستشهد لهجة إماراتية واحدة، وبالتالي اختفاء الكثير من اللهجات التي كانت تشكل هوية ومكان الإماراتيين، وتمنح لكل إماراتي خصوصية وتعلقاً أكثر بالجغرافيا التي ينتمي لها.
أما الأمر الثالث فيتمثل في أن الإمارات تشهد الجيل الأخير من الرواة الشفهيين، وهذا يجعل جمع التراث الشفهي ضرورة ملحة ينبغي الإسراع فيها قدر المستطاع، لأن الشهود الذين يحملون تراث الإمارات في ذاكرتهم، باتوا كباراً في السن، وقد توافيهم المنية في أي وقت.
تحولات لغوية
ماذا تمثل اللهجة كمكون أصيل من مكونات التراث الشعبي في الإمارات؟
اللهجة امتداد للغة الفصحى الأم، وهي شاهد على تحولات لغوية وجغرافية ارتبطت بمجموعة من الناس، تشكلت بينهم مجموعة خصائص لغوية معينة منها ما يعد نادراً، ومنها ما ينسب إلى لهجات في اللغات السامية القديمة، وهذا يستدعي البحث والاهتمام.
فاللهجة هي الوعي المعرفي الأصيل للمرويات الشفهية التي تمثل جزءاً من الموروث المادي للإمارات، لذلك معرفتها هي مفتاح لكشف الكثير من مفردات التراث، والتعريف بها تاريخياً وحتى اليوم، فالكثير من الحِرف، والمأكولات، والملابس تختلف مسمياتها باختلاف اللهجات.
وفي تتبعي للهجات في الإمارات وجدت أن منها ما جاء تحولاً وإبدالاً عن لغات سامية، ومنها ما جاء من اللهجات المعاصرة لبعض البلدان المجاورة.
خزان الهوية
كيف تجيب عن سؤال يأتي من الأجيال الشابة يتساءلون فيه عن أهمية هذه اللهجات ولماذا نبحث فيها؟
أجيب أنهم ليسوا مجبرين على تعلم هذا اللهجات، ولكن يجب عليهم الاطلاع عليها، فكلما شعروا بقربهم من هذه اللهجات، كلما أحسوا بانتمائهم إلى الأرض والبلد الذي يعيشون فيه، وينعمون بخيره، فاللهجات تشكل ملمحاً من الهوية، وتصنع خصوصية تجعل من المواطن منتمياً إلى أرضه، وشاعراً بتجذره بهذا البلد، ومقدراً لقيمة المنجز الذي تحقق والتطور الجاري.
موسوعة
هل هناك بحوث ومؤلفات جديدة لكم؟
اعتدت على توزيع جهدي على مراحل، فمرة أنغمس في الشعر والبحث فيه، ومرة أنغمس في التراث الشعبي، واللهجات، وهذه الفترة أجد نفسي منغمساً في الشعر والتراث معاً، فأحضر لإصدار موسوعة توثق لنخيل التمر في الإمارات، ومنها انطلق إلى مؤلف حول «نخيل التمر في التاريخ العربي الإسلامي»، وأعمل على جمع وتحقيق كتاب حول شعر الشنفرى الأسدي، وكتاب شعر بني عمر بن كلاب، إضافة لكتاب يحمل عنوان «قبائل بني الأسد في العصر الجاهلي»، وفي غمرة ذلك كله باتت مجموعتي الشعرية «وراء الظلال» جاهزة للنشر.
استقطاب إيجابي
كيف ترى دور المؤسسات الرسمية، في رعاية التراث الإماراتي والاهتمام به؟
لا شك أنه يوجد جهود سابقة، قدمت الكثير للتراث الإماراتي، إلا أن السنوات الخمس الأخيرة تشهد اهتماماً لافتاً، ووعياً مختلفاً بضرورة حفظ التراث، ويظهر ذلك من خلال جهود العناية بالتراث الشفهي، الذي تضاعفت قيمته لدى المؤسسات القائمة على التراث، ولدى الباحثين.
والمؤسسات الرسمية باتت تستقطب أصحاب الجهود الفردية وترعاهم، وتوفر لهم الإمكانيات لتزيد من جدوى جهدهم، وهذا انعكس على نتاج الباحثين أنفسهم، وسهّل عليهم الكثير، ففي العديد من الأحيان كان الباحث يجد صعوبة في أخذ المعلومات من الرواة الشفهيين، حيث كانوا يخافون من تزوير المعلومات وتحريفها على ألسنتهم، أما بعد دخولهم تحت مظلة مؤسسات معروفة سهل الأمر عليهم، وبات الرواة يثقون بهم.
دور القصيدة
برأيك هل أسهمت الفنون بأشكالها كافة في حفظ جوانب من التراث الشعبي، وجانب من اللهجات المحلية؟
ما لا شك فيه أن الفنون أسهمت بشكل أو بآخر في حفظ جوانب عديدة من التراث، إلا أنه على صعيد اللهجة، فإن فضلاً كبيراً يعود للشعر الشعبي، فظلت القصيدة الشعبية، وعاء اللهجة المتين الذي ينتقل جيلاً تلو آخر، وزاد من ذلك اهتمام الإماراتيين بالشعر الشعبي وبالتوثيق له، فشكّلت القصيدة بذلك وثيقة للهجات الإماراتية، وبتنا اليوم نستشهد بها لتوثيق لفظ مفردة ما أو مسمى ما.
أما في ما يتعلق بباقي الفنون فإنه يمكن الحديث عن المسرح كواحد من الفنون التي ساهمت في بقاء العديد من أشكال التراث حية إلى يومنا هذا، فقدم الممثلون العديد من المسرحيات التي تصوّر واقع المجتمع الإماراتي قبل سبعين عاماً، وتستحضر بذلك أنماط الثياب، والمأكولات، وبعض المفردات، إلا أن ذلك لم يكن بصورة مدروسة، فكان الممثلون لا يروون الأحداث بلهجتها القديمة، حرصاً منهم على مخاطبة الجمهور بلهجة يفهمونها.
7 مؤلفات
لا يتوقف الباحث أحمد محمد عبيد عن تكريس جهده كاملاً للتوثيق والبحث والجمع والتحقيق، فبعد صدور كتابه «ظاهرة الإبدال في لهجات الإمارات» عام 2013، يشتغل على سبعة مؤلفات في الوقت ذاته، منها: معجم «أصناف نخيل التمر في الإمارات»، و«نخلة التمر في التاريخ العربي الإسلامي»، وديوان شعر «وراء الظلال»، إضافة لعدد من المخطوطات القديمة التي يعمل على جمعها وتحقيقها.

